Print this page

مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية: خصوصية استثنائية تواجه هشاشة التمويل

 

هي أعمال فنية تراكمت عبر السنوات  وأسماء فنانين

 وصور  وكتالوجات  وشهادات  وحكايات وذاكرة كاملة يمكن أن تشكل أرشيفا مهما للفن المعاصر في تونس عنوانه مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية. في المشهد الثقافي التونسي، هناك مهرجانات تُقاس قيمتها بعدد العروض والضيوف وحجم الميزانية، وهناك مهرجانات أخرى يصعب اختزالها في الأرقام، لأن قيمتها الحقيقية تكمن في ما راكمته من ذاكرة وما صنعته من علاقة استثنائية بالمكان. ومهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية من المهرجانات التي غيّرت وجه المدينة ليتحوّل شيئا فشيئا إلى ذاكرة أخرى للمكان.

جاءت الدورة السابعة والثلاثون لسنة 2026، تحت شعار "أثر يقاوم الزوال"، لتطرح السؤال: كيف يمكن لمشروع ثقافي راكم كل هذا التاريخ أن يحافظ على استمراره في ظل صعوبات مادية وتمويلية؟

مدينة رسمها الفنانون

قد لا يمكن فهم مهرجان المحرس بعيدا عن مدينة المحرس نفسها. فالبحر حاضر في الضوء، والبياض حاضر في الجدران، والمدينة حاضرة في تفاصيلها اليومية، والفنان يجد نفسه أمام فضاء لا يطلب منه أن يرسمه كما هو، إنما أن  يكتشفه من جديد.  وهو ما منح المهرجان خصوصيته. أيضا، في تظاهرات كثيرة، يأتي الفنان ليعرض عمله ثم يغادر. أما في المحرس، فكل فنان يشارك يترك عمله في المدينة..

وهكذا تحولت اللوحات والمنحوتات  في المحرس  من  قطع  فنية إلى جزء من الذاكرة. لهذا يبدو شعار الدورة السابعة والثلاثين أكثر عمقا من مجرد عبارة احتفالية. إنه يضع المهرجان أمام مرآته. ماذا بقي من كل هذه السنوات؟ وكيف يمكن استثمار هذا التراكم الذي أصبح ملكا للمدينة ولذاكرة الفن التشكيلي التونسي؟

منطق الطوارئ وحبل النجاة

راكم مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية تجربة تستحق أن تُقرأ بوصفها جزءا من تاريخ الممارسة التشكيلية في تونس، لا باعتبارها مجرد حدث جهوي.لقد استطاعت تظاهرة بدأت من مدينة خارج المركز أن تستقطب فنانين من تونس وخارجها، وأن تجعل من المكان نفسه فضاءً للإبداع واللقاء. وبعد احتجاب في السنة الفارطة، عاد المهرجان سنة 2026 في برمجة محترمة تليق بتاريخه العريق وبخصوصيته الفريدة .  غير أن  الصعوبات التي رافقت تنظيم الدورة، وخاصة على مستوى التمويل، أعادت إلى الواجهة سؤالا قديما ومتجددا في الثقافة التونسية: كيف يمكن لمهرجانات راكمت تاريخا ورصيدا رمزيا أن تبقى في انتظار منحة دعم  قد تأتي ... وقد لا تأتي ... وقد تتأخر ؟

إنّ الثقافة لا يمكن أن تعيش دائما بمنطق الطوارئ. ومهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية الذي بلغ دورته السابعة والثلاثين يحتاج إلى رؤية استشرافية مستقبلية، وإلى تمويل أكثر استقرارا، وإلى شراكات حقيقية تسمح له بالتخطيط بدل الاكتفاء بالنجاة من دورة إلى أخرى.

إذا كان شعار دورة 2026 هو «أثر يقاوم الزوال»، فإن التحدي الأكبر هو منح هذا الأثر ما يحتاجه كي لا يظل يقاوم الزوال انما  يصنع حياة جديدة. وقد أكد المهرجان فكرة أنّ مدينة صغيرة يمكن أن تصبح، بالفن، جزءا من ذاكرة العالم.

وهذه الخصوصية بالذات تستحق اليوم أن تجد من يمولها، ويحميها، ويخطط لها...  فبالفن يمكن للمدن أن تصنع لنفسها معنى ولوجودها أثر ولذاكرتها خلود.

مؤطر

المهرجان  في سطور

الهوية: متحف  للفن المعاصر في الهواء الطلق

  • التأسيس: سنة 1988 بمدينة المحرس (صفاقس).
  • المؤسس: الفنان والرسام والمسرحي يوسف الرقيق.
  • المكانة: تحولت بفضله مدينة المحرس الساحلية إلى "عاصمة للفن التشكيلي" ومتحف مفتوح في الهواء الطلق.
  • الأنشطة: تنظيم ورشات للأطفال واليافعين والفنانين المحترفين، ورشات للترميم والصيانة، إضافة إلى السهرات الموسيقية والأمسيات الشعرية والمعارض الدولية.
  • الثروة الفنية: حوالي 2000 لوحة بإمضاء كل الأجيال من المحترفين والهواة ومنها لوحات قيّمة وثمينة لرواد الفن التشكيلي في تونس
  • أعمال على الشاطئ:  حوالي 100 عمل فني  من مجسمات ومنحوتات وأعمال فنية مختلفة  تزّين شاطئ المحرس.

المشاركة في هذا المقال