Print this page

وداعا رائد "مسرح الصورة ": صلاح القصب… وجه من بغداد وذاكرة وجائزة في تونس

يعبر رجل من العراق ببطء هالة ضوء وحيدة على ركح العتمة

 لا نص في يده، ولا دفتر ملاحظات، ولا حتى خريطة تقوده إلى الخشبة. يحمل فقط عينين حالمتين ومشاغبتين، كأنهما قضتا العمر كله في مطاردة صورة لم تُكتشف بعد. إنه صلاح القصب. رجل بملامح لا تستعجل الكلام. وجه يحمل شيئا من آثار بغداد، وشيئا من خلود المسرح، وكثيرا من ذلك الجنون الجميل الذي دفعه بأن يجعل الضوء يتكلم، والظلّ يتذكر، والجسد يكتب، والفراغ يصرخ، والصمت ينطق بما عجزت عنه اللغة.

رحل رجل المسرح والفنان التشكيلي صلاح القصب بعد صراع مع مرض عضال ، أمس الأحد  16 أوت 2026، في بغداد عن سن 81 عاما، بعد مسيرة امتدت لعقود بين الإخراج والبحث والتدريس، تاركا وراءه واحدا  من أكثر المشاريع المسرحية فرادة في العراق والعالم العربي: "مسرح الصورة".

اسم من قصب... وصوت من صورة

من بين ضيوف أيام قرطاج  المسرحية  كل عام وككل عام، كان صلاح القصب وجها مألوفا  ومحبوبا في تونس بملامحه العراقية الواضحة، و في صورته شيء من رصانة أستاذ الجامعة، وشيء من  انطلاقة الفنان ، وشيء من هوس الباحث باقتفاء أثر الوثيقة وترك بصمة في المكان والزمان.

حتى اسمه يبدو كأنه وُلد على خشبة مسرح: صلاح القصب.  فاسم "صلاح" يحمل معاني الاستقامة والإصلاح، كأنه وعد صغير بأن يأتي صاحبه بشيء إلى العالم ويتركه أكثر اكتمالا. أما "القصب" فيحيل إلى نبات أجوف من الداخل، لكنه يتحول إلى ناي حين تمر فيه أنفاس الإنسان، حين تلامسه أنامل الفنان.  وصلاح القصب كان قصبا عراقيا شامخا، هزّته رياح الزمن ولم تكسره، ثم مرّ فيه نفس المسرح العربي، فخرج منه صوت مختلف. وقد عزف صلاح القصب  سيمفونية مسرح الصورة .  لم يكن يريد للصورة أن تكون مجرد مشهد جميل على الخشبة. كان يريدها أن تتنفس، أن تحتج، أن تسأل، أن تقول ما تعجز عنه الكلمات... فتصبح لوحدها حكاية.

في بغداد الحضارة  والأسطورة  والحدائق المعلقة و دجلة والفرات والمتنبي..  وُلد صلاح القصب سنة 1945، وأمضى فصول العمر بين الخشبة والجامعة والكتب، جامعا بين أكثر من شغف: أستاذا في كلية الفنون الجميلة ببغداد، ومخرجا وفنانا تشكيليا وباحثا، ظل يعلم  أجيالا من المسرحيين أنّ المسرح لا يحترم إلا من يمتلك شجاعة السؤال، ومن لا يخاف جرأة التجديد والتجريب.

مسرح الحيوية ... والحياة

لم يكن «مسرح الصورة»  عند صلاح القصب  مجرد أسلوب إخراجي أو اختيار جمالي، إنمّا كان طريقة في النظر إلى المسرح والحياة على حد سواء. في تجربة القصب، لم تعد الصورة تابعا للنص، ولم تعد السينوغرافيا مجرد خلفية للأحداث... بل كانت شريكا في صناعة المعنى.

ومن أبرز تجاربه المبكرة في هذا الاتجاه رؤيته لـ«هاملت» سنة 1980، التي كشفت عن رغبته في التعامل مع النص الكلاسيكي خارج القوالب المألوفة، وفي تحويل العرض إلى بنية بصرية وشعرية تتجاوز حدود الحكاية.

عن رؤيته للمسرح الذي يتبناه ويتمناه، قال صلاح القصب في أحد حواراته:" المسرح بالنسبة لي مدعاة للألم والفرح وأنا أعيش من خلاله صراعا دائما مع العالم الذي تستدعيه مخيلتي .. أريد مسرحا يمتلك صمتا موحيا ومشحونا بالمعاني والكلمات .. مسرحاً حيويا يستطيع المتفرج ان يسمع منه همهمة الأرض نفسها؟! مسرحا يقدم التفاصيل الصغيرة التي تمنحنا الأفكار أكثر مما تمنحنا المتعة، مسرحا يقدم لنا الجمال والقبح ورائحة العالم والأحلام والأفكار."

في عشق  المسرح ، ترك صلاح القصب على المسرح أكثر من عمل وعنوان على غرار : هاملت – العاصفة – الملك لير – ماكبث – طائر البحر – الشقيقات الثلاث – الخال فانيا – أحزان مهرج السيرك – الخليقة الإبلية – حفلة الماس – عزلة في الكريستال – الخادمات – عطيل – عرض أزياء – ثورة الزنج – محاكمة لوكولوس – الحلاج...

وإلى جانب عمله في الإخراج والتدريس، ترك القصب مؤلفات نظرية وتطبيقية تناولت السينوغرافيا والإخراج ومسرح الصورة، من بينها «مذكرات رحلة الرجل صاحب المظلة السوداء»، و«مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق»، و«فلسفة الكوانتم في مسرح الصورة»...

جائزة ومحبة تركها القصب في تونس

كانت تونس واحدة من المدن التي أحبها القصب،  وأراد أن يطرح فيها أسئلته. فمنذ الدورة الأولى لأيام قرطاج المسرحية سنة 1983، سجل  صلاح القصب اسمه بأحرف من تاج في الذاكرة المسرحية التونسية والعربية .

لم تكن تونس بالنسبة إلى صلاح القصب محطة في سفر المسرح،  ولا موعدا عابرا في أجندا الركح... بل كان يعود إليها كما يعود المرء إلى مكان ترك فيه جزءا من روحه، شيئا من هويته، بعضا من أحلامه... كان يأتي من بغداد محمّلا بذاكرته وأسئلته ومسرح صورته، ويجد في قرطاج فضاءً يشبه شغفه: مسرحا عربيا منفتحا على الاختلاف، وعلى اللقاء، وعلى المغامرة.

مع مرور السنوات، لم يعد القصب مجرد وجه مألوف في أروقة المهرجان، صار أحد عناوين ذاكرته. وفي سنة 2018، اتخذ هذا الود شكلا أكثر رسوخا، مع إطلاق جائزة الدكتور صلاح القصب للإبداع المسرحي، التي ارتبطت بأيام قرطاج المسرحية لتكرّم رواد وصنّاع المسرح العربي في مجالات الإخراج والكتابة والتمثيل.

عن الدافع الذي جعله يختار تونس وأيامها المسرحية لمنح جائزة تحمل اسمه، قال صلاح القصب في حوار للصحفي التونسي نورالدين بالطيّب: «أكثر المهرجانات العربية شاخت وتكرّرت وعادت إلى نقطة البداية... لم تسكنها طاقة التجديد وبقيت معلّقة داخل أطر رطبة وتوقف الزمن داخلها... بقيت كذكريات وصور داخل ألبومات صور جافة... أما «أيام قرطاج» فقد تجاوزت السكون لأنّها تمتلك طاقة التغيير وحركة مسارات الزمن.. وامتلكت طاقة الدخول إلى مساحات الحداثة... وفتحت الأبواب كلها على التجارب العالمية ضمن منهجية علمية مدروسة تحاورت مع لغات العالم».

كان صلاح القصب حريصا على أن يعلن جائزته ويسلّمها بنفسه في رحاب المهرجان، فتتحول لحظة التتويج إلى لقاء آخر بينه وبين تونس، وبين اسمه وأسماء مسرحيين اختارهم ليواصلوا، كل بطريقته، المغامرة المسرحية الطويلة والملهمة.

ومن أبرز الأسماء العربية والتونسية التي نالت هذه الجائزة : منى نور الدين ومنصف الصايم ومحمد العوني من تونس وعواطف نعيم من العراق، وسامح مهران من مصر، وحكيم حرب من الأردن...  أما آخر تكريم وآخر اسم، منحه صلاح القصب جائزته بل وقبّل رأسه احتراما وتقديرا ومحبة فكان المسرحي التونسي الكبير فاضل الجعايبي في الدورة الأخيرة لأيام قرطاج المسرحية سنة 2025.

وبدورها بادلت تونس صلاح القصب الحب بحب، والتكريم بتكريم..   فمنحته وسام التكريم في دورتها التاسعة عشر باعتباره علما من أعلام المسرح العربي وأحد المنظرين والمخرجين الذين تَركوا بصمات واضحة في تحديث الخطاب المسرحي وفتح نوافذ ومسارات جديدة للتجربة المسرحية .

رحل  صلاح القصب ... لكنه سيبقى خالدا كصوت عبر من بغداد إلى تونس، ومن الصورة إلى الفكرة، ومن الخشبة إلى الذاكرة.

غاب صلاح القصب، لكن لا يبدو أن الستارة قد أُسدلت تماما على اسم كبير وعلى فصل مثير في جماليات الركح... فثمة صورة ما تزال مضاءة في مكان ما. والمبدعون لا يرحلون حين يرحلون… لأنهم يتركون وراءهم طريقة جديدة لرؤية العالم.

المشاركة في هذا المقال