Print this page

صراع التعيينات يعمّق الانقسام الليبي خلافات بين الرئاسي والنواب تهدد مسار توحيد المؤسسات

دخلت الأزمة السياسية في ليبيا منعطفا جديدا بعد تفجر خلاف حاد بين
المجلس الرئاسي ومجلس النواب على خلفية تعيينات في مناصب أمنية وعسكرية حساسة، في وقت تسعى فيه الأطراف المحلية والدولية إلى الدفع نحو توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات. وأعاد الجدل بشأن رئاسة جهاز المخابرات العامة ورئاسة الأركان العامة إلى الواجهة الخلافات المزمنة داخل المجلس الرئاسي نفسه، بعدما برز تباين واضح بين أعضائه حول آلية اتخاذ القرارات ومدى قانونيتها، الأمر الذي فتح الباب أمام مواجهة سياسية جديدة مع مجلس النواب. انقسام داخل المجلس الرئاسي بدأت الأزمة عقب اجتماع عقده المجلس الرئاسي لمناقشة شغل عدد من المناصب السيادية، حيث أعلن المكتب الإعلامي لرئيس المجلس اعتماد قرارات تتعلق بهذه الملفات، مبررا ذلك بضرورة ضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة في ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد. لكن هذا الإعلان لم يمر دون اعتراض، إذ نفى نائب رئيس المجلس موسى الكوني وجود توافق على تلك القرارات، مؤكداً أنه شارك في الاجتماع عن بُعد وأن الجلسة انتهت من دون الاتفاق على تعيين أي شخصية في المناصب المطروحة.ويثير هذا التباين تساؤلات بشأن مدى التزام المجلس الرئاسي بلائحته الداخلية، التي تنص على ضرورة صدور القرارات بإجماع أعضائه الثلاثة، وهو ما يمنح الأزمة بعدا قانونيا إلى جانب بعدها السياسي. مجلس النواب يرفض فرض الأمر الواقع في المقابل، سارع مجلس النواب إلى إعلان رفضه أي تغييرات في قيادة الأجهزة الأمنية خارج الأطر التشريعية، معتبرا أن تعيين أو إعفاء رئيس جهاز المخابرات لا يكتسب الشرعية إلا بعد اعتماده من البرلمان. وقال رئيس مجلس النواب أن فتح ملف المؤسسات الأمنية في هذا التوقيت من شأنه تعقيد المشهد السياسي وإرباك الجهود الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة، محذراً من أن تحويل الأجهزة الأمنية إلى ساحة للصراع السياسي سيقوض فرص الوصول إلى توافق وطني.كما وجّه رسائل إلى شركاء ليبيا الإقليميين والدوليين شدد فيها على أن شرعية المؤسسات الأمنية تستند إلى الإجراءات القانونية وليس إلى القرارات الأحادية. صراع النفوذ يتجدد وبحسب المعطيات المتداولة، اقتصر ما صدر عن المجلس الرئاسي على تعيين رئيس جديد لجهاز المخابرات العامة، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءا من إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة. أما منصب رئيس الأركان العامة، فما يزال موضع تجاذب، في ظل استمرار إدارة المنصب بصورة مؤقتة منذ وفاة رئيس الأركان السابق، وهو ما يزيد من تعقيد ملف توحيد المؤسسة العسكرية. ولا يُعد هذا الخلاف الأول بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب، إذ شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من المواجهات السياسية حول الصلاحيات والتعيينات، كان أبرزها الخلاف بشأن إدارة مصرف ليبيا المركزي، والذي انتهى بتسوية مؤقتة بعد ضغوط داخلية ودولية. ويأتي التصعيد الحالي بعد فترة قصيرة من إعلان المؤسسات السياسية الرئيسية التوافق على وثيقة مبادئ لخارطة طريق جديدة تهدف إلى تنظيم الانتخابات وتوحيد المؤسسات، ما يعكس استمرار الفجوة بين الاتفاقات السياسية وآليات تنفيذها على الأرض.كما أن استمرار الجدل حول تعريف المناصب السيادية وآليات توزيعها بين الأقاليم الليبية الثلاثة يزيد من تعقيد المشهد، ويؤخر الوصول إلى تفاهمات مستقرة بشأن إدارة مؤسسات الدولة. تحديات المرحلة المقبلة ويرى مراقبون أن الأزمة الأخيرة تكشف هشاشة التفاهمات القائمة بين المؤسسات الليبية، وأن الخلاف حول التعيينات يتجاوز الجوانب الإدارية ليعكس صراعاً أوسع على النفوذ والسيطرة داخل أجهزة الدولة. وفي ظل استمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار، تبدو فرص تنفيذ خارطة الطريق المرتبطة بالانتخابات مرهونة بقدرة الأطراف على التوصل إلى تفاهمات واضحة بشأن إدارة المؤسسات السيادية، بعيدا عن سياسة فرض الأمر الواقع، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار وتهيئة بيئة مناسبة لإنجاز الاستحقاقات السياسية المنتظرة.

المشاركة في هذا المقال