Print this page

حملة نظافة كبرى في الفضاءات الأثرية بقرطاج: المسرح الروماني يستعيد البريق ويستعد للموسم الجديد

هناك مدن أكبر من أن تقاس بالجغرافيا، لأنّ ذاكرتها وحضارتها

أبقى في الزمان والمكان. وقرطاج واحدة من هذه المدن التي ما زالت حجارتها تروي حكايات البحارة والأباطرة والفرسان والفنانين الذين عبروا تاريخ المتوسط على امتداد آلاف السنين. وفي رحاب المسرح الروماني، أحد أشهر المعالم الأثرية وأبرز المسارح الصيفية في العالم العربي، انطلقت حملة واسعة لإزالة الأعشاب الطفيلية وتنظيف الفضاءات الأثرية، بإشراف وزارة الشؤون الثقافية وبتنفيذ من وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية.

قد تبدو عمليات التنظيف و إزالة الأعشاب الطفيلية نشاطا روتينا عاديا، لكنها في الحقيقة تمثل حماية للذاكرة الجماعية وصيانة لأحد أهم الشواهد التاريخية في تونس. فكل حجر في قرطاج يروي قصة، وكل زاوية من زواياه تحمل أثرا لحضارات تعاقبت على هذه الأرض وتركت بصمتها في وجدان الإنسانية.
حملة لصون الذاكرة التاريخية

ليست قرطاج مجرد موقع أثري أو وجهة سياحية، إنما هي واحدة من أعظم المدن التي عرفها حوض البحر الأبيض المتوسط. فمنذ تأسيسها قبل أكثر من ألفي عام، شكلت مركزا حضاريا وسياسيا واقتصاديا مؤثرا، ومهدا لحضارات متعددة انطلاقا من القرطاجيين مرورا بالرومان وصولا إلى الحضارة العربية الإسلامية.

في هذا الإطار، أطلقت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، حملة واسعة لإزالة الأعشاب الطفيلية وتنظيف الفضاءات الأثرية بمدينة قرطاج. وقد تم تدعيم فريق العمل بالمنتزه الأثري من خلال الاستعانة بشركة مختصة في البستنة، باشرت أشغالها منذ يوم 7 جوان 2026 بالمسرح الروماني ومحيطه.

وتندرج هذه الحملة ضمن برنامج متواصل يهدف إلى صيانة المعالم الأثرية والفضاءات التاريخية والمحافظة على سلامتها، بما يضمن حماية الموروث الحضاري الوطني وتحسين جمالية المواقع الأثرية وتوفير أفضل الظروف لاستقبال الزائرين والباحثين والمهتمين بالتراث.. وأيضا جمهور المهرجانات الصيفية وضيوف تونس.

الأعشاب الطفيلية... خطر صامت على الآثار

بالرغم من تلقائية نمو النباتات البرية في المواقع الأثرية، فإنّ المختصين يؤكدون أنها تمثل خطرا حقيقيا على سلامة المعالم التاريخية. فالجذور المتسللة إلى الشقوق والفجوات الحجرية تساهم تدريجياً في إضعاف البنية المعمارية، ما يجعل عمليات التنظيف والصيانة الدورية ضرورة ملحة للحفاظ على هذه الشواهد من التآكل والتلف.

ومن هذا المنطلق، تكتسب الحملة الحالية أهمية وقائية تندرج ضمن إستراتيجية متكاملة لحماية المواقع الأثرية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

المسرح الروماني... فضاء ثقافي حي

تمتاز قرطاج بقيمة استثنائية باعتبارها جزءا من التراث الإنساني العالمي، إذ تختزن بين أطلالها شواهد حية على مراحل مفصلية من تاريخ الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
وظل المسرح الذي يعود إلى الحقبة الرومانية عبر القرون شاهدا على التحولات التي عرفتها قرطاج، قبل أن يتحول في العصر الحديث إلى أحد أبرز الفضاءات الثقافية في تونس والعالم العربي.

ويُعد المسرح الروماني بقرطاج من أهم المسارح الصيفية المفتوحة في المنطقة العربية، لما يجمعه من قيمة تاريخية وجمالية وطاقة استيعاب كبيرة جعلته قبلة للفنانين والجمهور على حد سواء. وعلى ركحه تعاقبت أسماء فنية وفكرية عالمية، وأسهم في احتضان عروض ومهرجانات شكلت جزءا من الذاكرة الثقافية التونسية والعربية.

كما يمثل مهرجان قرطاج الدولي أحد أبرز التظاهرات الفنية التي يحتضنها هذا الفضاء التاريخي سنويا، حيث يتحول المسرح إلى منصة تلتقي فيها الثقافات والفنون من مختلف أنحاء العالم، في مشهد يؤكد أن التراث ليس ماضيا آفلا، بل فضاءً حيا يتجدّد باستمرار.

المشاركة في هذا المقال