Print this page

الجمعية التونسية للنقاد المسرحيين تستثمر في المستقبل: من أسئلة الكتابة للمسرح إلى بناء الوعي النقدي

لا يمكن للمسرح أن يقتصر على العرض فقط، وأن يكتفي بالخشبة

وحدها. فكل عرض مسرحي يحتاج إلى عين تقرأه وعقل يحاوره ووعي يضيء مساراته الجمالية والفكرية. وفي هذا السياق، انخرطت الجمعية التونسية للنقاد المسرحيين في مشروع ثقافي متواصل يهدف إلى ترسيخ ثقافة نقدية جديدة وإلى بناء جيل من النقاد والباحثين القادرين على مواكبة التحولات التي يشهدها المسرح التونسي والعربي.

من تنظيم الجمعية التونسية للنقاد المسرحيين تنطلق اليوم الخميس أشغال ندوة فكرية بعنوان "الكتابة للمسرح" لتتواصل أيّام 11 و12 و13 جوان 2026 بدار الثّقافة ابن رشيق من التّاسعة إلى الواحدة بعد الظّهر .

ندوة فكرية على امتداد 3 أيام
في سعي إلى مساءلة مفهوم الكتابة المسرحية في علاقتها بالدراماتورجيا والإخراج والسينوغرافيا والتكنولوجيا الحديثة، واستكشاف التحولات التي طرأت على النص المسرحي في ظل تطور الوسائط الفنية والرقمية، تنظم الجمعية التونسية للنقاد المسرحيين ندوة علمية بعنوان "الكتابة للمسرح" بدار الثقافة ابن رشيق أيام 11 و12 و13 جوان 2026، بمشاركة نخبة من المسرحيين والباحثين الجامعيين من مختلف الاختصاصات.

وتفتتح أشغال الندوة صباح اليوم الخميس 11 جوان 2026 بكلمة الجمعية التونسية للنقاد المسرحيين وتقديم ورقة الندوة، على أن يتولى إدارة الجلسات الأستاذ لطفي العربي السنوسي. ويتضمن برنامج اليوم الأول شهادة يقدمها المخرج والكاتب المسرحي توفيق الجبالي حول تجربته في الكتابة للمسرح، تليها مداخلة للأستاذ فاتح بن عامر بعنوان "المسرح فضاء التناص، فضاء التأليف: تضافر الاختصاصات وتكامل الأدوار". وبعد استراحة القهوة يقدم الأستاذ محمد عبازة مداخلة بعنوان "التناص بين الكتابة الدرامية والكتابة السردية: بعض التجارب التونسية"، قبل فتح باب النقاش العام.

ويتواصل البرنامج يوم الجمعة 12 جوان 2026 بمجموعة من المداخلات التي تطرح أسئلة العلاقة بين النص والفضاء المسرحي والخيال الدراماتورجي. حيث يقدم الأستاذ كمال العلاوي مداخلة بعنوان "تطويع الكتابة لفضاءات غير تقليدية"، فيما يتناول الأستاذ معز العاشوري موضوع "المخيال الدراماتورجي العربي". وبعد الاستراحة يقدم الأستاذ بوكثير دومة مداخلة بعنوان "الكتابة والإخراج في المسرح: تكامل الرؤى"، فيما تتناول الأستاذة نوال سكندراني موضوع "التناص في الكتابة للمسرح" من خلال مداخلة باللغة الفرنسية بعنوان L’intertextualité dans l’écriture pour le théâtre.

أما اليوم الثالث، السبت 13 جوان 2026، فيخصص لاستشراف آفاق الكتابة المسرحية الحديثة وعلاقتها بمختلف الفنون والتقنيات. وتفتتح الجلسة الأستاذة سهام عقيل شعبان بمداخلة تحمل عنوانا دالا: "الدراماتورج من صداقة النص إلى رعاية الوجود الركحي ومن الكفر بالحدود إلى التصوف الإنشائي". كما يقدم الأستاذ نصر الدين الشبلي مداخلة حول "السينوغرافيا والتكنولوجيات الحديثة". وبعد الاستراحة يناقش الأستاذ طاهر عيسى بن عربي سؤالا جوهريا يتعلق بمدى إسهام انفتاح النص المسرحي الميتاحداثي على الوسائط الرقمية والكتابة السينمائية في إثراء جماليات العرض وإعادة تشكيل الحكاية المسرحية، فيما يختتم الأستاذ نور الدين المطماطي سلسلة المداخلات ببحث يحمل عنوان "هواجس الاشتغال الجمالي في الكتابة لمسرح الناشئة".

ولا تقف أهداف هذه الندوة عند حدود التكوين والنقاش الفكري، بل تمتد إلى التوثيق والنشر من خلال إصدار كتاب يجمع أعمال الندوة حول "الكتابة للمسرح"، في محاولة لحفظ الذاكرة النقدية والمسرحية التونسية وإثراء المكتبة المتخصصة التي ظلت لعقود تفتقر إلى منشورات تجمع الرصيد النقدي المتناثر في الصحف والدوريات.
ورشات تدريبية في النقد المسرحي
على امتداد السنوات الأخيرة، لم تكتف الجمعية التونسية للنقاد المسرحيين بمتابعة الحياة المسرحية من موقع المراقب أو المعلّق، بل سعت إلى تكوين نقاد مسرحيين ناشئين وإلى فتح فضاءات للتفكير في قضايا المسرح وأسئلته الجمالية والفكرية . وقد أكدت رئيسة الجمعية الدكتورة فوزية المزي أنّ" التجارب التي أنجزتها الجمعية خاصة بالشراكة مع أيام قرطاج المسرحية في دورات 2019 و2020 و2023 و2024، عن تعطش حقيقي لدى طلبة المسرح والهواة إلى التكوين في مجال النقد المسرحي. فقد شارك في تلك الورشات طلبة المعهد العالي للفن المسرحي بتونس والمعهد العالي للمسرح والموسيقى بالكاف، إلى جانب عدد من المهتمين بالنقد المسرحي القادمين من مختلف الجهات، سعيا إلى اكتساب أدوات تحليل العرض المسرحي وفهم مكوناته الجمالية والفكرية".

وانطلاقا من هذه التجربة، وضعت الجمعية ضمن برنامجها لسنة 2026 سلسلة من الأنشطة تتوزع بين التكوين والبحث والتوثيق. ففي محور التكوين، تنتظم ورشات التدريب على النقد المسرحي يومي 16 و17 جوان 2026 بدار الثقافة ابن رشيق. وتهدف إلى تمكين المشاركين من أدوات القراءة النقدية الحديثة، وتجاوز الأحكام الانطباعية السريعة نحو بناء خطاب نقدي أكثر عمقا واتصالا بقضايا المجتمع والفن.

إنّ الرهان الذي تطرحه الجمعية التونسية للنقاد المسرحيين يتجاوز تنظيم تظاهرة ثقافية عابرة. إنه رهان على المعرفة وعلى بناء جمهور أكثر وعيا، وعلى تكوين نقاد ومبدعين قادرين على إنتاج الأسئلة الضرورية لتطور المسرح. فالمسرح الذي لا يجد من يحاوره ويقرأه ويجادله، يفقد جزءا من قدرته على التأثير، بينما يظل النقد، في جوهره، شريكا أساسيا في صناعة المعنى وفي الدفاع عن الثقافة بوصفها فضاء للحرية والتفكير والجمال.

المشاركة في هذا المقال