Print this page

في لوحة فسيفساء عملاقة واستثنائية : زيتونة الخلود للطيّب زيود تستقر نهائيا في اليابان

قبل أن تكون الزيتونة شجرة، كانت فكرة. فمنذ أن بدأ الإنسان

الأوّل يطرح أسئلته الكبرى حول البقاء والزمن والخلود، وجد في الزيتون مرآة لوجوده. إنها شجرة لا تستعجل النمو، ولا تستسلم للمواسم القاسية، ولا تغريها الوفرة العابرة. تنمو ببطء يشبه نضج الحكمة، تعطي بسخاء وترفع رأسها بكبرياء إلى السماء... فليست مصادفة أن تصبح الزيتونة من أعظم رموز المتوسط. فمنذ الفينيقيين الذين حملوا أغصانها عبر البحار، إلى الإغريق الذين رأوا فيها هدية الآلهة، إلى الرومان الذين جعلوا زيتها ثروة الإمبراطورية.... كانت الزيتونة لغة مشتركة بين الشعوب.

من معرض "إكسبو أوساكا – كانساي" العالمي إلى متحف أويتا للفنون إلى جامعة ريتسوميكان تم تركيز لوحة فسيفساء الزيتونة العملاقة للفنان الطيّب زيود بصفة نهائية ودائمة بجامعة "ريتسوميكان آسيا والمحيط الهادئ". هي شهادة على حضور تونس الإبداعي في العالم.
من الهوارية إلى أقصى الشرق
في حضارة الشرق، تكتسب الزيتونة بعدا يكاد يكون مقدسا. فهي الشجرة التي ذُكرت في القرآن بوصفها رمزا للنور والبركة، والشجرة التي استقرت في المخيال الشعبي رمزا للتعمير والرزق والشفاء.... وفي اليابان حجزت زيتونة تونس موقعا دائما وإقامة نهائية وهي تجمّل مبنى جامعة ريتسوميكان في شكل لوحة فسيفسائية عملاقة تجسد حكاية أقدم زيتونة عمّرت البلاد التونسية.
هذه اللوحة الفسيفسائية العملاقة لم تكن صورة متخيلة لشجرة زيتون،إنها تجسيد لزيتونة "الشرف"، تلك الشجرة المُعمّرة، الحكيمة التي ما تزال تقف في ربوع الهوارية بولاية نابل منذ نحو ألفين وخمسمائة عام. وهي أقدم وأكبر شجرة زيتون في الجمهورية التونسية وتوجد في مدينة "الشرف" التابعة لمعتمدية الهوارية و تعدّ أقدم زيتونة في القارة الإفريقية وتعود إلى العهد الفينيقي. ولا تزال إلى اليوم صامدة وشامخة وجميلة بظلالها وخضرتها ومعطاءة في زيتونها وزيتها الفريد في مذاقه.
في معرض "إكسبو أوساكا - كانساي" لسنة 2025، كان لتونس جناحا ازدان بلوحة فسيفسائية عملاقة تجسد أقدم زيتونة في تونس كثيرا ما وقف الزوار أمامها مأخوذين بجمال التفاصيل ومدهوشين بروعة التصور والتصميم ... وكأنهم أنهم لا يشاهدون مجرد عمل فني بل يقرأون فصلا من كتاب الحضارة التونسية. ومن هذا المعرض إلى متحف أويتا للفنون ومنه إلى جامعة ريتسوميكان كان قدر لوحة الزيتونة للطيّب زيود أن تبقى في اليابان دائما وأبدا مخلدة اسمه على مر الأزمان والأجيال ومحدثة عن تونس الفن والتاريخ والزيتون.
زيتونة "الشرف" سفيرة لتونس
هي ليست شجرة عابرة بل وطن من الذاكرة استقر في اليابان. إنها زيتونة "الشرف" المعمرة والطاعنة في السن والشهرة التي استقرت في اليابان وإلى الأبد. في إبداع مخصوص وخاص بمعرض إكسبو في أوساكا اليابانية، وكثمرة عمل دؤوب كان يصل الليل بالنهار، تجاوز ثلاثة أشهر من الجهد والتعب والكثير من الشغف... تم إنجاز لوحة فسيفساء "الزيتونة" بخصائص فنية عالية الجودة وباستخدام أكثر من 600 ألف قطعة حجرية على مساحة حوالي 40 م2 بإمضاء الفنان الطيب زيود ومساهمة حرفيين وحرفيات ولاية المهدية تحت إشراف الديوان الوطني للصناعات التقليدية وبالتعاون مع مركز النهوض بالصادرات.
أمام هذا المنجز التونسي الاستثنائي، يتجاوز الطيب زيود كونه مجرد فنان فسيفساء بارع ليكون راويا للحضارة بلغة الحجر والفسيفساء. فقد استطاع أن يمنح زيتونة "الشرف" حياة ثانية وخالدة في الفن والذاكرة الإنسانية. كما لم يكتفِ باستنساخ شجرة عتيقة، بل أعاد تأويلها لتصبح رمزا للهوية والاستمرار والخلود.
وتكمن فرادة هذا العمل في أنه لم يُنجز ليكون عرضا مؤقتا ينتهي بانتهاء المناسبة، بل كُتب له أن يستقر نهائيا في اليابان، ليصبح جزءا دائما من المشهد الثقافي هناك واسما قارا لتونس في أرض اليابان.

بفضل الفنان الطيب زيود، غادرت زيتونة "الشرف" حدود الجغرافيا لكن جذورها ما تزال راسخة في تراب الهوارية وظلالها أصبحت مستقرة إلى الأبد في اليابان. وبين ملايين الزوار الذين سيمرون أمام هذه الفسيفساء في العقود القادمة، سيظل اسم الطيب زيود مرتبطا بعمل فني نادر نجح في تحويل شجرة من ذاكرة تونس إلى رمز إنساني عالمي.
مؤطر
قراءة في لوحة "الزيتونة":
الإنسان عابر والحضارة باقية
يبدو جذع الزيتونة في فسيفساء الطيّب زيود أقرب إلى جسد كائن أسطوري جذوره في تونس وأغصانه تشرأب بأعناقها إلى أكثر من مكان وقارة... لتصل إلى اليابان. تلوح هذه الزيتونة في انحناءاتها الحادة، وتشققات لحائها، والتواء أغصانها وكأنّها تشبه خرائط زمن طويل عبرته الرياح والحروب والهجرات والأحلام. هي شجرة عمرها 2500 عام لكنها لا تروي عمرها بالسنوات... إنمّا بالحضارات.
في هذه اللوحة الفسيفسائية العملاقة تختفي الحدود بين الفن والطبيعة. فالفنان لم يرسم شجرة زيتون كما نعرفها في بعدها الفيزيائي الظاهر بل جسد بعدها الرمزي والحضاري. فكل فرع يمتد يبدو كأنه طريق قديم عبر المتوسط ، وكل ورقة تبدو وكأنها رسالة حملتها السفن الفينيقية من شواطئ قرطاج إلى العالم، أما الأغصان الممتدة أفقيا في مختلف الاتجاهات فتمنح إحساسا بالاحتضان والانفتاح معا.
في نهاية المطاف، تبدو لوحة الزيتونة رمزا لتونس الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وجذعها متين وثابت في تربته وهويته، وأغصانها ممتدة نحو العالم.

المشاركة في هذا المقال