Print this page

المسؤولية البيئية والاجتماعية في تونس بين وعود التنمية وواقع “التجميل الأخلاقي” للشركات

تحوّل الحديث في السنوات الأخيرة، عن المسؤولية البيئية والاجتماعية

للشركات، أو ما يعرف عالميا بـCSR، من مجرد مفهوم أكاديمي إلى عنصر أساسي في الخطاب الاقتصادي والسياسي في تونس، وهو ما يطرح سؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم حول التزام المؤسسات التونسية الفعلي بقضايا البيئة والعدالة الاجتماعية، ام أن الأمر لا يتجاوز حملات دعائية لتحسين الصورة وكسب ثقة الأسواق والمستهلكين؟ وهل يمكن للمسؤولية الاجتماعية أن تتحول إلى رافعة تنموية حقيقية في بلد يواجه أزمات اقتصادية خانقة، أم أنها ما تزال رهينة غياب الحوكمة والرقابة والشفافية؟

بين طموح التشريع وصعوبة التطبيق
كانت تونس من أوائل الدول العربية التي أدرجت المسؤولية الاجتماعية للشركات ضمن إطار قانوني واضح، من خلال القانون عدد 35 لسنة 2018، الذي ألزم المؤسسات العمومية والخاصة بالمساهمة في التنمية المحلية وتمويل المشاريع ذات البعد البيئي والاجتماعي، خاصة في الجهات المهمشة. كما نص القانون على إنشاء مرصد وطني ولجان جهوية لمتابعة هذه البرامج، غير أن الانتقال من النصوص القانونية إلى الممارسة الميدانية ظل بطيئا ومتعثرا، بسبب هشاشة الاقتصاد وضعف ثقافة الاستدامة داخل عدد كبير من المؤسسات.
عمليا، أصبحت المسؤولية الاجتماعية اليوم مرتبطة بثلاثة محاور رئيسية وهي حماية البيئة، وتحسين ظروف العمل، ثم المساهمة في التنمية المحلية، لكن في الواقع التونسي يلاحظ أن العديد من الشركات ما تزال تتعامل مع هذا الملف بمنطق “العمل الخيري الموسمي”، عبر حملات تشجير أو توزيع مساعدات ظرفية، دون دمج فعلي لمبادئ الاستدامة داخل نموذجها الاقتصادي. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى فالمسؤولية الاجتماعية ليست حملة علاقات عامة، بل فلسفة إدارة تقوم على احترام الإنسان والموارد والشفافية.
الأزمة البيئية وضرورة التحول
تبرز أهمية هذا الملف أكثر في ظل التحديات البيئية الخطيرة التي تواجهها تونس. فالموارد المائية تحت ضغط متزايد، والتلوث الصناعي في ارتفاع، وإدارة النفايات ما تزال تعاني من اختلالات هيكلية، خاصة في المناطق الصناعية. كما أن الشركاء الأوروبيين، وهم الوجهة الرئيسية للصادرات التونسية، يفرضون اليوم معايير بيئية صارمة، ما يجعل الالتزام البيئي شرطا اقتصاديا وليس اختيارا أخلاقيا.
CSR والأداء الاقتصادي: فرصة غير مستغلة بالكامل
اقتصاديا، تشير العديد من الدراسات إلى أن تبني ممارسات المسؤولية الاجتماعية يمكن أن يعزز الابتكار والقدرة التنافسية للمؤسسات. غير أن جزءا كبيرا من الشركات التونسية، وخاصة الصغرى والمتوسطة، ما يزال ينظر إلى هذه السياسات باعتبارها كلفة إضافية في ظل الضغوط المالية والجبائية. هذا التناقض يعكس فجوة بين الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى والواقع الاقتصادي اليومي.
الواقع الاقتصادي في تونس يفسر جزئيا هذا التردد. فالنسيج الاقتصادي يتكون أساسا من مؤسسات صغرى وصغيرة جدا، تعمل في بيئة صعبة تتسم بضعف التمويل وتعقيد الإجراءات الإدارية. في مثل هذا السياق، يصبح الاستثمار في البيئة أو الحوكمة الاجتماعية بالنسبة للبعض خيارا مؤجلا، رغم أنه قد يشكل في المدى الطويل شرطا للبقاء في الأسواق العالمية.
المقارنة الدولية والتجربة التونسية
عند مقارنة التجربة التونسية بدول مثل المغرب، يظهر أن الفارق لا يتعلق فقط بالإمكانات المالية، بل أيضا بالحوكمة والثقافة المؤسسية. ففي المغرب، تم تطوير نظام للاعتراف بالشركات الملتزمة بالمسؤولية الاجتماعية، ما شجع عددا متزايدا من المؤسسات على تبني هذا النهج، في المقابل، ما تزال تونس تفتقر إلى منظومة تقييم واضحة وشفافة تقيس أثر CSR بشكل فعلي.
مبدئيا لا تقتصر الإشكالية على البيئة فقط، بل تشمل أيضا العلاقة داخل المؤسسات. فضعف الاندماج المهني وغياب ثقافة الحوار الاجتماعي يشكلان تحديا حقيقيا حيث ان العديد من العاملين لا يشعرون بأنهم جزء من مشروع مؤسسي واضح، وهو ما يضعف الإنتاجية ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي داخل بيئة العمل.
في المقابل، بدأت الضغوط الدولية تفرض إيقاعا جديدا فالاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي الأول لتونس، يتجه نحو تشديد المعايير البيئية والاجتماعية على الشركات المصدرة وهذا التحول يجعل من المسؤولية الاجتماعية شرطا تجاريا وليس مجرد خيار طوعي، ما قد يدفع الشركات التونسية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها.
في النهاية، تبدو المسؤولية البيئية والاجتماعية في تونس في مفترق طرق حاسم. فهي من جهة إطار قانوني وطموح تنموي واعد، ومن جهة أخرى ممارسة محدودة تعيقها البنية الاقتصادية الهشة وضعف الثقافة المؤسسية. غير أن الاتجاه العالمي لا يترك مجالا كبيرا للتأجيل، فالمؤسسات التي لا تدمج الاستدامة في نموذجها الاقتصادي ستجد نفسها تدريجيا خارج المنافسة. وبين ضغط الواقع وإكراهات المستقبل، يبقى السؤال مفتوحا فهل تتحول CSR في تونس إلى رافعة حقيقية للتنمية، أم تبقى مجرد عنوان جميل في تقارير لا تغير شيئا في الواقع؟

 

 

 

المشاركة في هذا المقال