الروائي والإعلامي الجزائري سعيد خطيبي : مواقع التواصل الاجتماعي أسوأ اختراع في القرن الجديد

من عمق التّجربة الجزائرية انطلقت كتابات

الروائي والإعلامي سعيد خطيبي. كتَب ضدّ النّسيان، فاستفز مقروئيتنا المطمئنة. كتاباته أشبه بصرخة حبرية في وجه التاريخ واستجمام في منتجعات القلق. يراه البعض حادّا في ما يكتب ونراه محقّا في كل سطر ثأر فيه ومن خلاله لطفولة استُنزِفت ولوطن أثخنته الجراح طيلة عشرية سوداء. حاز خطيبي مؤخّرا على جائزة البوكر العربية 2026 كأول فائز جزائري بلقبها، إضافة إلى فوزه بجوائز أخرى. عن زيارته تونس وتجربته الروائية، تحدث سعيد خطيبي في الحوار التالي:
عدت في روايتك المتوّجة بالبوكر "أغالب مجرى النهر" الى التاريخ وخضت في قضايا شائكة تعلّقت بمسائل الهوية والذاكرة. هل من مهام الأدب مساءلة التاريخ ؟
الأدب هو الذاكرة وهو المستقبل. وليست مهمته مساءلة التّاريخ، ولا أن ينوب عنه، إنما الأدب يهتمّ بالإنسان، الذي يتحمّل تداعيات التّاريخ وتناقضاته. المؤرّخون يجعلون من التّاريخ أرقاما ووصفا بينما الكاتب يعيد للتّاريخ إنسانيته، يكتب عن هشاشة الفرد وانكساره، عن مغالبته مجرى النهر، عن حقّه في الوجود والأمل.
وأي جنس أدبي أثرى تجربتك السردية أكثر من غيره؟
أقرأ في الرّواية، وكذلك في حقول المعرفة الأخرى، أقرأ كثيرًا وأكتب قليلًا. ولحدّ الساعة لا زلت حريصًا على العودة إلى الأعمال الكلاسيكية، سواءً العربية أو الأجنبية. برأيي أن الرواية الحديثة مهما بلغت من تطوّر ومن طفرات فإن الأصل فيها هو الرّواية الكلاسيكية، فلا مناص من قراءة الأعمال الكلاسيكية ومن العودة إليها باستمرار.
وماذا عن تونس وثقافتها؟
تونس هي ذاكرتي، هي صوت الشيخ العفريت ولطفي بوشناق، هي كذلك زياد غرسة الذي لا أزال أصغي إليه، هي أيضًا الطاهر حداد في نضاله من أجل الحرية والمرأة، كانت تونس سندًا لحرب التّحرير في بلدي الجزائر، كان لها الفضل في تكوين نخبة جزائرية كذلك، كما قرأت للأدباء التونسيين منذ سنّ مبكرة، أمثال محمود المسعدي وألبير ممي، الذي كان مُقرّرًا في منهاج الجامعة. عندما أذهب إلى تونس فأنا أذهب إلى بيتي، لأن من تعلّم من التونسيين يشعر أنهم بمثابة الاخوة والأقارب إليه. وبالنسبة لي تونس تمتلك من المؤهلات ما يجعلها منارة للفكر والأدب ومعرضها الدّولي للكتاب حدث مهمّ في الخريطة الثقافية العربية. وبطبيعة الحال أطالع ما يُكتب في تونس، وتهمّني أعمال الأشقاء التونسيين. من الصعب أن أحصر قائمة الكتب التي قرأتها من تونس، لكن بوسعي التأكيد أنني طالعت أعمالًا بحجم محبتي لهذا البلد.
ما حال رواياتكم الجزائرية المكتوبة باللغة العربية ؟
صارت الرواية الجزائرية باللغة العربية واجهة للبلد، ومقصدا للقرّاء في الداخل، لكنها تعاني من حالة من الالتباس. فالبلد يعاني من ندرة في المكتبات، وبينما الرواية الناطقة بالفرنسية تحظى بعناية من فرنسا، فإن نظيرتها بالعربية تعيش يتيمة، لا تحظى بدعم ولا تشجيع، نعيش غرباء في بلدنا، نكتب من أجل الجزائر، ويهمّنا أن تجد الأعمال صدى لها عند القراء، وذلك يكفيني ككاتب، بينما لا أعرف لماذا تتغاضى المؤسسة الرّسمية عن حماية الكاتب بالعربية جراء ما يتعرض له من تهميش ومن حملات طعن ومساس بحريته!
ولكن احلام مستغانمي وواسيني الاعرج وغيرهما من الكتّاب لم يتحدثوا عن هذه "العزلة" ؟
من الأفضل أن تطرحي عليهما السؤال، ويجيبان بدورهما. في الجزائر، نحن في سفينة واحدة. يقضي الكاتب حياة في الأدب، وفي الأخير يتعرّض إلى التّهديد والتخوين والترهيب من طرف المتطرفين على السوشيال ميديا.
هل أنت ممن يؤمنون بالفكرة القائلة إن "الكتاب يبيع نفسه بنفسه"؟
هذه فكرة رومانسية، تصلح على أزمنة سابقة، عندما كانت لا تصدر أكثر من ثلاث أو أربع روايات في العام. أمّا اليوم فتصدر ما لا يقل عن ألف رواية بالعربية كلّ سنة، بغض النظر عن الرّوايات الأخرى التي تصدر مترجمة من لغات أخرى. هل يجب أن يكون القارئ ساحرًا لكي يفرّق بين الجيّد والسيئ منها؟ إذا كان الكاتب واثقًا من عمله، فمن حقّه أن يدافع عنه، وإن كان غير واثق سوف يقول إن الكتاب يبيع نفسه أو يقول إنني أكتب للمستقبل. أنا أكتب للحاضر ولا أريد أن تبقى روايتي حبيسة الرفوف، بل يهمني أن تجد طريقها إلى القارئ وإلى النقاد، وأن تدخل في حيز النّقاش والحوار. في زمن تسيطر عليه مواقع التواصل والهواتف الذكية، يتراجع الكتاب إلى الخلف، وتزداد مسؤولية الكاتب في الدّفاع عن عمله، لأن من يقول إن الكتاب يبيع نفسه بنفسه يُقصد منه أن الكاتب غير مقتنع بالعمل الذي أصدره.
حدّثَنا جون جاك روسو عن "عقد اجتماعي" وتحدثنا بدورك عن "عقد معنوي" مع القارئ، ما مقاييس هذا العقد؟
مقياسي الأبرز هو الصدق أثناء الكتابة، أن يكون الكاتب صادقًا مع نفسه ومع القارئ، أن ينحاز إلى الجمال في بحثه عن المعنى، أن يطرح السؤال بدل الاكتفاء بفخّ اليقين، لأن اليقين يناقض الأدب في جوهره، ولأن السؤال أعلى مرتبة من الجواب.
بصفتك إعلاميا وروائيا ملمّا بحيثيات الشأن الثقافي كيف ترى مستقبل الأدب في ظل هذه التطورات الرقمية ؟
مواقع التواصل الاجتماعي هي أسوأ اختراع في القرن الجديد، أخرجت القوى الظلامية من معاقلها وأشاعت فوضى في العقول، برأيي، من مصلحة الكاتب أن يتمسك بعزلته وألّا ينخرط في معارك وهمية أو ترّهات معهم لكي يحافظ على صدق علاقته بالأدب.
هل يمكن أن نثق في النقد العربي اليوم خاصة في مرحلة الجوائز؟
عندما يسمع الكاتب نقدًا سلبيا عن روايته، فسيتحدّث عن أزمة في النقد، وعندما يسمع نقدا إيجابيا، يمتدح النقاد، هكذا جرت العادة. من يصدر عملًا فلا بدّ أن يتسلح بالشجاعة في مواجهة النقد، والنقد لا يُقصد منه الحطّ من قيمة العمل ولا الإساءة إلى الكاتب، بل هو جزء من العملية الإبداعية. بالتالي أقول إن النقد العربي بخير لكنه توارى إلى الخلف نظرًا لعدّة أسباب من بينها اندثار المطبوعات المتخصصة وتضاءل حيز المؤتمرات العلمية وكثرة الإصدارات كلّ عام، لكن الناقد العربي لم يغادر موقعه ولا يزال يواصل عمله.
بمَ تفسّر أُفُول نجْم أغلب الكتّاب الفائزين بجوائز عربية هامة؟ أين هم نجوم "البوكر" مثلا؟
لا أستطيع أن أنوب عنهم في الإجابة. عن نفسي فإن الجائزة لحظة فرح بالطبع، لكن سرعان ما أعود إلى عزلتي في العمل.
يقال أيضا إن حمّى التنافس على الجوائز جعلت الكتّاب يُضحّون بحرية إبداعهم من أجلها ..
لم يسبق لي أن رشّحت عملي إلى أيّة جائزة، إنّ الناشر هو من يرشح روايتي. ودار هاشيت أنطوان/ نوفل من أعرق دور النشر في العالم العربي، مجرد النّشر فيها يُعدّ مكسبًا. وهي دار تصدر أعمالًا مهمّة كلّ سنة، وعندما يثقون في عمل لي من بين أعمال أخرى ويقدمونه فذلك يشعرني بالاطمئنان إلى أن روايتي تستحق الاهتمام. عدا ذلك لا علم لي بتفاصيل هذا التنافس. عندما أكتب فأنا أدخل في عزلة، ألغي جميع الأصوات من حولي، أواجه الورق في صمت، وأحرص على الصدق في الكتابة. كما تعلمين أنا أعيش بالمهجر ولا صلة لي بالأوساط الثقافية العربية إلا نادرًا.
بصفتك مقيما في بلد اوروبي حسب رأيك ماذا ينقص صناعة الكتاب في ديارنا؟
ما ينقص صناعة الكتاب هو توسيع هامش الحرية، ألّا نحاكم الكتاب من منظور أخلاقي، ألا نجعل الكتاب عرضة للأحكام المسبقة، أن نتعامل مع الكتاب بوصفه مادة معرفية لا مجرد سلعة، أن نتعامل مع الرّواية في حيز التخييل ولا نحاكم الخيال، أن نتحرّر من الرّقيب ببساطة، لأن الرّقيب يضرّ بالكتاب.
وكيف تنظر إلى بعض الفعاليات الثقافية العربية؟
قياسًا إلى عدد النّاطقين باللغة العربية، وإلى عدد البلدان العربية، فإن الفعاليات الثقافية المنتظمة قليلة، لذلك نحتاج إلى توسيع أنشطتها التي تكاد تنحصر في المدن الكبرى، وكأنه لا حقّ للهامش في الثقافة. هي فعاليات ضرورية، لأن الكتاب كما أسلفت القول لا يبيع نفسه بنفسه، وإنما يحتاج إلى وسائط من بينها فعاليات ثقافية مثل معارض الكتاب.
ختاما، بصفتك إعلاميا هل ترى أن الإعلام الثقافي العربي يحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب أولوياته، كأن يُولي اهتماما أكبر بقضايا الإنسان وكُرُوبه الكونية؟
يعيش الإعلام الثقافي في العالم العربي واحدة من أسوأ المراحل، إضافة إلى أنه يعاني من ضعف المساحة ومن قلة الفرص للظهور والتّطور، لأن الجرائد تريد الدّخل السريع، تنشر مواد ومقالات من شأنها أن تستقطب القرّاء بالإثارة والتحريض. وهي جرائد تنشر مواد من شأنها أن تجلب لها داعمين ماليين. لذلك أقول إن الرّبح السريع يهدد وضع الصحافة، ويهدد حال الإعلام الثقافي، الذي صار صوته خافتًا.
- الإعلام الثقافي العربي يعيش واحدة من أسوأ المراحل
- لتونس الفضل في تكوين نخبة جزائرية
- صناعة الكتاب تحتاج إلى هامش حرية أوسع
بقلم :عواطف البلدي

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115