Print this page

سنة بعد صدور أمره الرئاسي المنظم له: المجلس الأعلى للتربية والتعليم ما يزال في الانتظار..

يتواصل الجدل في تونس حول ملف الإصلاح التربوي

ومستقبل المنظومة التربوية، خاصة بعد مرور سنة كاملة على صدور الأمر الرئاسي عدد 246 لسنة 2025 المتعلّق بضبط التنظيم الإداري والمالي للمجلس الأعلى للتربية والتعليم، دون أن يدخل هذا الهيكل الدستوري حيّز النشاط الفعلي أو يباشر أعماله بصورة رسمية، رغم تكرار الحديث عنه في اجتماعات رئاسة الجمهورية باعتباره أحد أبرز رهانات الدولة في المرحلة القادمة.
يأتي هذا التأخير في وقت تشهد فيه المنظومة التربوية تحديات متراكمة تشمل تراجع المستوى التعليمي، وارتفاع نسب الانقطاع المدرسي، وتفاقم ظواهر العنف والمخدرات في محيط المؤسسات التربوية، فضلا عن الجدل المتواصل بشأن البرامج التعليمية وواقع البنية التحتية والنقل المدرسي.
تعليمات رئاسية للاستعداد للامتحانات
في هذا السياق، أشرف رئيس الجمهورية قيس سعيّد أمس بقصر قرطاج على اجتماع ضمّ وزراء التربية والتعليم العالي والتشغيل وتكنولوجيات الاتصال، حيث شدّد على ضرورة الاستعداد الجيد للامتحانات الوطنية في مختلف مراحلها، مؤكدا أن مستقبل تونس "لا يمكن أن يبنى إلا في ظل نظام تربية وتعليم وطني يتوفّر للجميع على قدم المساواة، لا في النصوص فقط بل في الواقع والتنفيذ" . ووفق البلاغ الصادر عن رئاسة الجمهورية، فقد جدد رئيس الدولة تأكيده على أن إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم لم يكن مجرد إجراء شكلي أو خيارا سياسيا عابرا، بل جاء انطلاقا من قناعة بأن قطاع التربية والتعليم يمثل أحد أعمدة الأمن القومي التونسي، معتبرا أن "الجهل لا يعني فقط الأمية التقليدية بل يشمل أيضا غياب التفكير الحر والاستلاب الفكري". كما أشار إلى أن العمل متواصل حتى ينطلق المجلس الأعلى للتربية والتعليم في أعماله "في أقرب الآجال"، حتى يتسنى إطلاق إصلاح شامل للمنظومة التعليمية "كما يريده الشعب التونسي".
رسم السياسات التعليمية
ورغم صدور المرسوم المتعلق بتنظيم المجلس الأعلى للتربية والتعليم بتاريخ 17 سبتمبر 2024، ثم صدور الأمر الرئاسي عدد 246 لسنة 2025 المؤرخ في 9 ماي 2025 والمتعلق بتنظيمه الإداري والمالي، فإن المجلس لم يباشر أعماله إلى حد الآن، وهو ما يطرح تساؤلات واسعة حول أسباب هذا التأخير، خاصة أن الدستور لسنة 2022 نص صراحة على إحداث هذا الهيكل. وينص الدستور على أن المجلس الأعلى للتربية والتعليم يتولى إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى المتعلقة بالتربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل، بما يجعله هيئة إستراتيجية يفترض أن تضطلع بدور محوري في رسم السياسات التعليمية للدولة.
استكمال الإطار القانوني لم يترجم بعد
وقد تضمّن الأمر الرئاسي عدد 246 لسنة 2025 تفاصيل التنظيم الإداري والمالي للمجلس، حيث أوكلت مهام التسيير إلى كاتب عام يتولى الإشراف على إعداد الاجتماعات والتنسيق بين مختلف الهياكل وإعداد التقارير السنوية والميزانية ومتابعة التصرف الإداري والمالي. كما نصّ الأمر على أن موارد المجلس تتكوّن أساسا من اعتمادات ميزانية الدولة والموارد الأخرى المرخص بها قانونا، في حين تشمل نفقاته نفقات التأجير والتسيير وسائر المصاريف المرتبطة بمهامه، غير أن استكمال هذا الإطار القانوني لم يترجم بعد إلى انطلاق فعلي للمجلس، سواء من خلال عقد جلساته أو إصدار مواقف أو تصورات إصلاحية ملموسة.
حضور متكرر لملف التعليم في خطاب الرئاسة
ومنذ أشهر، يتكرر الحديث عن المجلس الأعلى للتربية والتعليم في مختلف اجتماعات رئيس الجمهورية المتعلقة بالشأن التربوي. فخلال اجتماع العودة المدرسية والجامعية يوم 15 سبتمبر 2025، أكد رئيس الدولة أن المجلس أُحدث حتى "لا تكون التربية والتعليم مجالا تتقاذفه حسابات السياسة والإملاءات الخارجية"، معتبرا أن الإصلاحات السابقة لم تحقق النتائج المرجوة بل ساهمت في تعميق الأزمة. وشدّد حينها على أن التعليم "حقّ للجميع كالماء والهواء"، وأن التربية والثقافة الوطنيتين تمثلان "قطاعي سيادة"، داعيا إلى توفير ظروف متساوية للتلاميذ في مختلف الجهات، خاصة في ما يتعلق بالبنية الأساسية والنقل المدرسي. كما دعا إلى معالجة فورية للعديد من الملفات الاجتماعية والتربوية العالقة، والعمل على إزالة العراقيل أمام التلاميذ والطلبة والأسرة التربوية بمختلف مكوناتها.
المخدرات والانقطاع المدرسي في صدارة الاهتمامات
وفي اجتماع آخر انعقد يوم 11 فيفري الفارط بحضور وزيري الداخلية والتربية وكاتب الدولة للأمن الوطني، ركّز رئيس الجمهورية على تنامي ظاهرة المخدرات داخل المؤسسات التربوية وفي محيطها، معتبرا أنها تمثل خطرا مباشرا على المجتمع والدولة. ودعا إلى تكثيف الدوريات الأمنية حول المدارس والمعاهد، لكنه شدّد في المقابل على أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي، بل يجب أن ترافقها مقاربة تربوية وثقافية شاملة تقوم على التوعية وغرس القيم الوطنية. كما أشار رئيس الدولة إلى أن تونس كان يفترض ألا تضم "أمّيا واحدا"، غير أن تدهور المنظومة التعليمية والانقطاع المبكر عن الدراسة أديا إلى ما وصفه بـ"الأمية المقنّعة"، أي غياب القدرة على التفكير الحرّ رغم التمدرس.
يبدو أن تأخر انطلاق المجلس الأعلى للتربية والتعليم يعكس حجم التعقيدات المرتبطة بإصلاح قطاع ظل لعقود محل تجاذبات، تعقيدات لم تقتص فقط على المناهج والبرامج والزمن المدرسي وجودة التعليم بل تشمل التكوين والبنية التحتية والظواهر السلبية المنتشرة في الفضاء المدرسي وآفاق التشغيل، وفي انتظار الانطلاق الرسمي للمجلس يبقى ملف الإصلاح التربوي أحد أبرز الملفات المفتوحة في البلاد.
- رئيس الجمهورية يشدد على الاستعداد الجيد للامتحانات ومواصلة العمل لانطلاق المجلس في أعماله قريبا

المشاركة في هذا المقال