Print this page

بين فخّ السيولة ومزاحمة الدولة كيف يهدد تنامي التعامل نقداً مستقبل المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس؟

تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة أزمة متفاقمة

تتجاوز مجرد صعوبة النفاذ إلى التمويل، لتتحول إلى معضلة هيكلية تهدد استمرارية جزء واسع من النسيج الاقتصادي في وقت تبحث فيه تونس عن استعادة نسق النمو وإنعاش الاستثمار، فالتوسع المتسارع في التعامل النقدي خارج المنظومة البنكية، بالتوازي مع تشدد البنوك في منح القروض وارتفاع حاجيات الدولة للتمويل، خلق بيئة مالية خانقة دفعت كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية “كونكت” إلى إطلاق تحذير صريح من دخول هذه المؤسسات في ما وصفته بـ”فخ السيولة”.

هذا التحذير لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى مؤشرات مالية واقتصادية تكشف تحولات عميقة في سلوك الفاعلين الاقتصاديين، وفي علاقة المؤسسات بالبنوك والدولة، وسط مخاوف من أن يتحول الاقتصاد التونسي تدريجياً إلى اقتصاد يعتمد أكثر على “الكاش” وأقل على التمويل المنتج والاستثمار.

البنوك تموّل الدولة والمؤسسات تدفع الثمن

تكشف الأرقام الواردة في المذكرة التوجيهية التي أعدها الخبير الاقتصادي مهدي بحوري أن القروض البنكية الموجهة للاقتصاد لم ترتفع خلال سنة 2025 سوى بنسبة 2،8 %، وهي نسبة تقل حتى عن مستوى التضخم، بما يعني عملياً تراجع التمويل الحقيقي للمؤسسات.
في المقابل، ارتفع تداين الدولة من البنوك، ما خلق حالة من “مزاحمة التمويل”، حيث أصبحت الدولة تستحوذ على جزء متزايد من السيولة المتوفرة لدى البنوك، على حساب المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تعاني أصلاً من ضعف الضمانات وارتفاع كلفة الاقتراض.
هذا الوضع دفع العديد من المؤسسات إلى تقليص استثماراتها أو تأجيل مشاريعها، فيما وجدت مؤسسات أخرى نفسها عاجزة حتى عن تأمين حاجياتها اليومية من السيولة الضرورية لتغطية الأجور والمصاريف التشغيلية.

قانون الشيكات إصلاح قانوني بتداعيات اقتصادية
رغم أن القانون الجديد المتعلق بالشيكات يهدف إلى الحد من التجاوزات المالية وتعزيز الثقة في المعاملات، إلا أن انعكاساته على المؤسسات كانت كبيرة، خاصة على مستوى القروض التجارية بين الشركات.
فالشيكات كانت تمثل لسنوات أداة تمويل غير مباشرة تسمح للمؤسسات بالحصول على آجال دفع مرنة وتدوير السيولة داخل الدورة الاقتصادية. لكن مع تشديد العقوبات المرتبطة بالشيكات دون رصيد، ارتفعت مخاوف المتعاملين الاقتصاديين، وأصبح الكثيرون يفضلون الدفع الفوري أو التعامل نقداً، ما أدى إلى تقلص الثقة التجارية بين المؤسسات.
هذا التحول زاد من الضغط على المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل قصير المدى وعلى مرونة المعاملات التجارية لضمان استمرارية نشاطها.
من أبرز المؤشرات التي أثارت قلق “كونكت” الارتفاع القياسي في حجم الأوراق النقدية المتداولة خارج المنظومة البنكية، والذي بلغ حوالي 18.3 بالمائة، في إشارة واضحة إلى اتساع دائرة التعامل النقدي.
هذا التطور يعكس من جهة تراجع الثقة في الأدوات البنكية، لكنه يكشف أيضاً توسع الاقتصاد الموازي واللجوء إلى الاكتناز والتهرب الجبائي. فكلما ارتفع حجم السيولة خارج البنوك، تقلصت قدرة المؤسسات البنكية على منح القروض، لأن الودائع تمثل المصدر الأساسي للتمويل.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أنه يخلق حلقة مفرغة تتمثل في ضعف التمويل يدفع المؤسسات والأفراد إلى الاحتفاظ بالنقد، وارتفاع التعامل النقدي يقلص بدوره قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد، ما يؤدي إلى مزيد من الانكماش المالي.
مخاوف من سيناريو أكثر تعقيداً في 2026

حذرت “كونكت” من احتمال دخول الاقتصاد التونسي خلال سنة 2026 في ما وصفته بـ”سيناريو ازدواج المحرك”، وهو وضع يجمع بين عودة التضخم واستمرار ارتفاع الكتلة النقدية المتداولة خارج القنوات البنكية.
هذا السيناريو قد يؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية من جهة، وإلى تقلص التمويل الموجه للمؤسسات من جهة أخرى، ما يهدد بتباطؤ الاستثمار وتراجع النشاط الاقتصادي.
وتخشى المنظمة أن تجد المؤسسات الصغرى والمتوسطة نفسها أمام وضع شديد التعقيد: أسعار مرتفعة، تمويل محدود، وضغوط جبائية متزايدة، وهو ما قد يدفع عدداً متزايداً منها نحو الاقتصاد غير المنظم أو نحو التوقف النهائي عن النشاط.
“كونكت” والحلول العاجلة
دعت كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية إلى اعتماد حزمة من الإجراءات العاجلة لمواجهة هذه التحديات، وبهدف إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية وتخفيف الضغط عن المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
ومن أبرز المقترحات التي قدمتها المنظمة إرساء آلية لتمويل الفواتير، تسمح للمؤسسات بتحويل فواتيرها غير المستخلصة إلى مؤسسات مالية مقابل الحصول على سيولة فورية، على أن تكون هذه العمليات مضمونة من الدولة.
وترى “كونكت” أن هذه الآلية يمكن أن تساعد المؤسسات على تجاوز أزمة السيولة وتحسين قدرتها على تمويل نشاطها اليومي، خاصة في ظل بطء عمليات الاستخلاص.
كما اقترحت المنظمة اعتماد سقوف تدريجية للدفوعات النقدية، بما يسمح بالحد من التعامل بالكاش دون إرباك المعاملات الاقتصادية، إضافة إلى تشجيع الدفع الإلكتروني من خلال تخفيض الأداء على القيمة المضافة بالنسبة للمعاملات الرقمية وتقليص العمولات البنكية المرتفعة.
ورغم أهمية الحلول التقنية والمالية المقترحة، فإن جوهر الأزمة يبقى مرتبطاً بعامل أساسي هو الثقة. فانتشار التعامل نقداً لا يرتبط فقط بصعوبة النفاذ إلى الخدمات البنكية، بل يعكس أيضاً حالة من الحذر والقلق لدى المواطنين والمؤسسات تجاه المنظومة المالية والجبائية.
لذلك شددت “كونكت” على ضرورة توفير رؤية واضحة ومستقرة للسياسات الجبائية والمالية، بما يطمئن الفاعلين الاقتصاديين ويشجعهم على العودة إلى القنوات الرسمية.
كما دعت إلى تنظيم حوار وطني يضم البنك المركزي ووزارة المالية والبنوك ومنظمات الأعراف، بهدف صياغة خطة متكاملة لإنقاذ المؤسسات الصغرى والمتوسطة وضمان استمرارية التمويل.
الواقع ان ما تعيشه تونس اليوم ليس مجرد أزمة سيولة ظرفية، بل تحوّل اقتصادي يعكس اختلالاً في العلاقة بين الدولة والبنوك والمؤسسات. فحين تصبح الدولة المستفيد الأكبر من التمويل البنكي، وحين يفضل المواطن الاحتفاظ بأمواله خارج البنوك، تجد المؤسسات الصغرى والمتوسطة نفسها في مواجهة مباشرة مع شح التمويل وتراجع الثقة.
ويبقى الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة هو قدرة تونس على استعادة التوازن بين متطلبات الإصلاح المالي وحاجة الاقتصاد إلى السيولة والاستثمار. لأن استمرار الوضع الحالي لا يهدد فقط مستقبل المؤسسات الصغرى والمتوسطة، بل يطرح أسئلة أعمق حول قدرة الاقتصاد التونسي على خلق النمو وفرص العمل في السنوات القادمة.

 

المشاركة في هذا المقال