المستقلة للانتخابات، بعد إثارة مسألة انتهاء العهدة القانونية لأعضائها المعيّنين بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 459 لسنة 2022، في وقت تواصل فيه الهيئة ممارسة مهامها بشكل عادي، وتعقد اجتماعات رسمية تتعلق بالإعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وعلى رأسها الانتخابات التشريعية والبلدية المنتظرة سنة 2027.
أعادت هذه المسألة فتح نقاش حول مدى شرعية مواصلة الهيئة لمهامها بعد انقضاء المدة المحددة قانونا، وحول كيفية التوفيق بين احترام النصوص القانونية وضمان استمرارية مؤسسات الدولة وعدم حدوث فراغ داخل مؤسسة تشرف على المسار الانتخابي في البلاد. وكانت النائبة بمجلس نواب الشعب فاطمة المسدي كانت أول من أعاد الملف إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة، بعدما وجهت تنبيها رسميا إلى رئيس البرلمان، إلى جانب سؤال كتابي موجه إلى رئيسة الحكومة، اعتبرت فيه أن العهدة القانونية الحالية لأعضاء هيئة الانتخابات انتهت يوم 9 ماي الجاري، طبقًا لأحكام الفصل 9 (جديد) من المرسوم عدد 22 لسنة 2022 المنظم للهيئة.
إعادة النظر في التركيبة الحالية
ينص الفصل 9 من الرسوم عدد 22 على أن مدة عضوية أعضاء الهيئة أربع سنوات غير قابلة للتجديد بالنسبة للأعضاء المعينين بالأمر الرئاسي عدد 459 لسنة 2022، وهو ما دفع المسدي إلى اعتبار أن الهيئة الحالية أصبحت، من الناحية القانونية، في وضعية تطرح "إشكالا صريحا" يستوجب تدخلا عاجلا من السلطات المختصة. وأكدت النائبة أن استمرار الهيئة في مباشرة مهامها بعد انتهاء هذه الآجال لا يمثل مجرد إشكال إجرائي أو شكلي بل يتعلق مباشرة بمبدأ الشرعية القانونية، معتبرة أن أي غموض في هذا الملف قد ينعكس على مصداقية العملية الانتخابية ويمنح خصوم أي استحقاق انتخابي مستقبلي مبررات للطعن والتشكيك. وأضافت المسدي في نص التنبيه أن المسألة تزداد حساسية بالنظر إلى أن الدستور لسنة 2022 ينص في فصله 134 على تركيبة مختلفة للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، تتكون من تسعة أعضاء مستقلين ومحايدين لمدة ست سنوات مع تجديد ثلث الأعضاء كل سنتين، وهو ما اعتبرت أنه يفرض إعادة النظر في التركيبة الحالية بما يتماشى مع مقتضيات الدستور الجديد.
المطالبة بالتوضيح
وكشفت المسدي أنها تقدمت في وقت سابق بمقترح قانون يهدف إلى معالجة الوضعية الحالية وضمان استمرارية عمل الهيئة ضمن إطار قانوني واضح، إلا أنها انتقدت ما وصفته ببطء التعاطي البرلماني مع الملف، مشيرة إلى أن اللجنة المختصة داخل البرلمان لم تبرمج إلى حد الآن جلسات استماع أو نقاشات جدية حول مستقبل الهيئة أو حول الحلول القانونية الممكنة لتجاوز الإشكال القائم. واعتبرت النائبة أن التأخر في الحسم قد يفتح الباب أمام "فراغ مؤسساتي" أو حلول ظرفية خارج الأطر القانونية الواضحة، وهو ما قد يضاعف حالة الجدل والتشكيك السياسي. وفي سؤالها الكتابي إلى الحكومة، طالبت المسدي بتوضيح جملة من النقاط الأساسية، من بينها ما إذا كانت الحكومة تعتبر أن مدة عضوية الهيئة الحالية انتهت فعليا، وما هو الأساس القانوني الذي تعتمد عليه الهيئة لمواصلة عملها، وهل تم اتخاذ إجراءات قانونية أو تنظيمية لتسوية الوضعية الحالية، ومدى قانونية مواصلة صرف الامتيازات والمنح المالية لأعضاء الهيئة بعد انتهاء العهدة، إضافة إلى ما إذا تمّ فتح أي تدقيق إداري أو مالي يتعلق بهذه الوضعية.
غياب موقف رسمي واضح
وأكدت المسدي أن الأمر يرتبط أيضا بمبدأ ربط النفقة العمومية بوجود صفة قانونية سليمة، معتبرة أن أي غموض في هذا الجانب يطرح إشكالا إداريا وماليا إلى جانب الإشكال الدستوري والسياسي. وفي السياق ذاته، دخل النائب عماد أولاد جبريل على خط الجدل، حيث نشر تدوينة على صفحته الرسمية اعتبر فيها أن تونس تعيش "وضعية قانونية وسياسية دقيقة" بسبب غياب موقف رسمي واضح بخصوص وضعية هيئة الانتخابات. وقال أولاد جبريل إن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتأويل النصوص القانونية، بل أيضا بغياب الشفافية والوضوح المؤسساتي، متسائلا عن الأساس القانوني الذي يسمح للهيئة بمواصلة مهامها إذا كانت العهدة قد انتهت فعلا.
فتح نقاش حول مستقبل الهيئات الدستورية
وأضاف عماد أولاد جبريل أن الدولة "لا تدار بالتأويلات المتضاربة ولا بالصمت"، داعيا إلى ضرورة إصدار موقف قانوني ورسمي واضح يحدد الوضعية الحالية للهيئة وينهي حالة الغموض القائمة. كما شدد على أهمية احترام مبدأ استمرارية الدولة ومؤسساتها، معتبرا أن أي فراغ داخل هيئة الانتخابات ستكون له تداعيات مباشرة على مصداقية كامل المسار الانتخابي. ودعا أولاد جبريل إلى الإسراع في تجديد تركيبة الهيئة وفق إطار قانوني واضح أو إصدار ترتيبات تشريعية وتنظيمية تنظم المرحلة الانتقالية، إلى جانب فتح نقاش وطني وقانوني جدي حول مستقبل الهيئات الدستورية وطريقة تنظيمها في تونس.
الهيئة تواصل أعمالها بشكل عادي
ورغم تصاعد الجدل السياسي والقانوني، تواصل هيئة الانتخابات نشاطها الإداري والمؤسساتي بشكل عادي، فقد أشرف رئيس الهيئة فاروق بوعسكر أمس على جلسة عمل جمعت الإدارة التنفيذية للهيئة بمختلف الإدارات والمصالح التابعة لها، بحضور أعضاء مجلس الهيئة وديوان الرئيس. وخصص الاجتماع للنظر في التوجهات الكبرى لمشروع ميزانية الهيئة لسنة 2027، إضافة إلى القوائم المالية الوقتية والتقرير المالي لسنة 2025، فضلا عن مناقشة البرامج والمشاريع المبرمجة خلال المرحلة المقبلة. ووفق البلاغ الصادر عن الهيئة، فقد تم خلال الجلسة استعراض المحاور الأساسية لمشروع الميزانية والتقديرات المالية الأولية الخاصة بكل برنامج، إلى جانب تقييم مدى تقدم إعداد القوائم المالية والتقرير المالي الخاص بسنة 2025.
الهيئة تستعد لتنظيم انتخابات سنة 2027
وأكد فاروق بوعسكر خلال الاجتماع ضرورة أن تكون برامج الهيئة منسجمة مع التوجهات العامة لميزانية الدولة، مع التشديد على ترشيد النفقات والمحافظة على المال العام والاعتماد بدرجة أولى على الإمكانيات الذاتية للمؤسسة. كما دعا مختلف الإدارات المعنية بإعداد مشروع الميزانية إلى الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات والتوصيات الصادرة عن الجلسة، مشددا على حرص مجلس الهيئة على تحديد الاعتمادات المطلوبة وفق الحاجيات الضرورية المرتبطة بطبيعة العمل الانتخابي. وأشار بوعسكر إلى أن الهيئة تستعد لتنظيم انتخابات تشريعية خلال سنة 2027 إلى جانب انتخابات بلدية، وهو ما يتطلب إعدادا إداريا وماليا مبكرا حتى يتم عرض مشروع الميزانية على مجلس الهيئة ثم إحالته إلى الجهات الرسمية المعنية داخل الآجال المحددة.
يعكس الجدل الحالي إشكالا يتعلق بطريقة إدارة الهيئات المستقلة والدستورية في تونس بعد التغييرات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، فمن جهة، يتمسك البعض بضرورة احترام الآجال القانونية المنصوص عليها في النصوص المنظمة للهيئة، معتبرين أن أي تجاوز لهذه الآجال قد يضرب مبدأ الشرعية ويؤثر على الثقة في العملية الانتخابية. ومن جهة أخرى، يرى البعض الآخر أن مبدأ استمرارية الدولة يفرض عدم تعطيل عمل هيئة تشرف على تنظيم الانتخابات خاصة في ظل غياب ترتيبات واضحة أو آليات جاهزة لتجديد التركيبة الحالية في الآجال القانونية.