Print this page

في الندوة العلمية الفلسفية «الفن وجماليات الهامش»: بين فن يحمل قضية وفلسفة تلامس الواقع

احتضنت مدينة الثقافة بتونس مؤخرا تظاهرة فكرية

وجمالية استثنائية، مثلت جسرا معرفيا بين ضفتي النظرية الفلسفية والممارسة الفنية. الحدث الذي جمع بين ندوة علمية ومعرض فني، كان إعلانا عن رؤية بيداغوجية وفلسفية جديدة تسعى لإعادة الاعتبار للمساحات الإبداعية خارج الأطر المركزية.

انطلقت الندوة العلمية التي حملت عنوان «الفن وجماليات الهامش» من تساؤل جوهري حول موقع الفن في واقعنا المعاصر. وتحت إشراف الدكتور كريم بالقاضي والدكتورة رشيدة التريكي، والدكتورة شيماء الزعفوري، فُتح نقاش عميق حول مفاهيم «المرئي واللامرئي».

في مداخلته التأطيرية، ركز أستاذ فلسفة الجماليات ونظريات الفن ومدير قسم التصميم بالمعهد العالي للفنون بسيدي بوزيد

على الانعطافات الجمالية التي أسهمت في تحرير الفن من «سلطة الشكل» التقليدية. وأوضح كيف تحول العمل الفني، مع تيارات مثل «الطاشية» Tachisme وفلسفة «هنري ميشو» و»جان دوبوفيه»، من مجرد تجسيد لمادة صلبة إلى «حركة» وفعل مستمر. بالنسبة له، الهامش ليس مجرد مكان، بل هو استعادة للاعتبار للإبداع الصادر عن «الهوامش الاجتماعية والثقافية» التي ترفض القوانين الكلاسيكية، لتجعل من العمل الفني أثرا للحضور أكثر مما هو شكل مكتمل.

وفي تصريح لـ«المغرب» أكد الدكتور كريم بالقاضي أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية ، أن هذا الحدث ليس مجرد عرض فني، بل هو رحلة لاستكشاف أثر الحضور» بعيدا عن صرامة الأشكال الجاهزة. حيث يذهب بالقاضي إلى أن الفن اليوم يعيش حالة تحرر حقيقي من سلطة الشكل التقليدي، مستحضرا تجارب رواد مثل «بولوك» و»دوبوفيه» للتدليل على أن العمل الإبداعي هو في جوهره «حركة متواصلة» لا تنتهي عند حدود اللوحة. وفي حديثه عن «جماليات الهامش»، يؤكد بالقاضي على ضرورة المصالحة مع ما هو بسيط وتافه، معتبرا أن رفع الأشياء المهمشة إلى مرتبة الفن هو فعل مقاومة جمالي يسعى لترميم علاقتنا بالواقع المعيش. فالهامش بالنسبة له ليس إقصاءً، بل هو الفضاء الذي يمنحنا «عذرية الرؤية» والقدرة على ملامسة جوهر الإنساني في أبهى حالات تفتحه وتفككه في آن واحد.

نبض الطيّات: حين ينطق الهامش

من جهتها اعتبرت الشاعرة ماجدة الظاهري في تصريح لـ» المغرب « أن معرض «نبض الطيات» Pulse des plis لطلبة المعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد جاء ليقدم تجربة بصرية مدهشة. وأوضحت بالقول :»اعتمدت الأعمال على فكرة «الطيّ» Le Pli، وهي الفكرة التي استلهمت أبعادها من فلسفة جيل دولوز ، والتي تعتمد التراكم والانثناء . فهنا يبرز العمل الفني كفضاء لانبثاق المعنى من خلال ما تخفيه الثنايا وما تظهره الطيات، محاكيا فكرة «الداخل الذي هو انثناء للخارج». وفق قولها .

وتضيف بالقول :» عكس المعرض نضجا في التعامل مع الخامات، حيث تحولت «الطية» من مجرد تقنية بصرية إلى أداة للتعبير عن تراكم الذاكرة والوجدان الجهوي. وقدم الطلبة رؤية لا تستنسخ النماذج الجاهزة، بل تبحث عن أصالتها في «الهامش» بوصفه مختبرا جماليا حرا.»

تكامل الأدوار

يعد هذا التعاون بين معهد تونس للفلسفة والمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، نموذجا يُحتذى به في العمل المؤسساتي، حيث تجلت أهميته في اللامركزية الثقافية . اذ جلب نتاج المؤسسات الجامعية الداخلية إلى قلب العاصمة يكسر الجدران الوهمية بين المركز والهامش. وجسد المصالحة بين الفكر والفن من خلال تجسيد التكامل بين الفلسفة بوصفها «تفكيكا للمفاهيم» والفن بوصفه «بناء للرؤى». كما تم إبراز دور الأساتذة في دفع الطلبة نحو الفكر النقدي المعاصر، وتجاوز التلقين التقني الصرف.

إن «نبض الطيات» هو نبض لحراك أكاديمي يؤكد أن المؤسسة الجامعية التونسية ما تزال قادرة على خلق فضاءات حرة للتفكير. وقد أثب المشاركون أن الربط بين النظرية والممارسة هو السبيل الوحيد لإنتاج فن يحمل قضية، وفلسفة تلامس الواقع

المشاركة في هذا المقال