Print this page

عشية انتهاء هدنة الـ15 يوما الغموض يلفّ المسار التفاوضي ومخاوف إقليمية ودولية من عودة الحرب

بينما تحبس العواصم الإقليمية والدولية أنفاسها

مع اقتراب فجر الخميس بتوقيت طهران، تدخل الأزمة الأمريكية الإيرانية منعطفا هو الأخطر منذ اندلاع المواجهة في فيفري الماضي. ففي الوقت الذي تلفظ فيه هدنة الـ15 يوماً أنفاسها الأخيرة، تتحول العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى "غرفة إنعاش" للدبلوماسية المتعثرة، حيث تتجه الأنظار لزيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في محاولة أخيرة لانتزاع "اتفاق اللحظة الأخيرة" أو تمديد تقني يحول دون العودة إلى لغة النار.
هذا المسار التفاوضي الشائك يتحرك اليوم فوق رمال متحركة، فمن جهة، يصعّد الرئيس دونالد ترامب بلهجة غير مسبوقة ملوحا بـ "قنابل كثيرة ستنفجر" وحصار بحري خانق، ومن جهة أخرى، تبدي طهران مرونة مشروطة بوقف التهديدات وفك احتجاز سفنها، مدعومة بـ "ضوء أخضر" من المرشد الأعلى للدخول في الجولة الثانية من المحادثات. وبين التفاؤل الحذر "بتوقيع اتفاق الليلة" كما يروج البيت الأبيض، والنفي الرسمي الإيراني لوجود خطط محددة، يبقى السؤال: هل تنجح وساطة إسلام آباد في نزع فتيل الحرب، أم أن المنطقة على موعد مع استئناف مواجهة قد تعيد رسم التوازنات الإقليمية بالكامل؟

مرحلة معقدة
تشهد المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة معقدة تتسم بقدر كبير من الغموض والتوتر، في وقت كان يعتقد فيه أن الطرفان يقتربان من صيغة تفاهم أولية قد تمهد لإنهاء الحرب المستمرة. إلا أن هذا المسار لم يلبث أن تعثر مجددا، مع تصاعد التباين بين ما يُقال في العلن وما يجري خلف أبواب التفاوض المغلقة. وتأتي هذه التعقيدات عشية انتهاء هدنة الـ15 يوما التي بدأت يوم 8 افريل الجاري ومن المقرر أن تنتهي صباح يوم الخميس بتوقيت ايران .
وبحسب تقارير إعلامية نقلا عن مصادر مطلعة، فإن الأيام الأخيرة كشفت عن فجوة واضحة بين التصريحات السياسية والتقدم الفعلي في المحادثات. فقد لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الإعلان عن تفاصيل وصفها بأنها "اختراقات مهمة"، متحدثًا عن قبول إيراني ببنود أساسية، من بينها ما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم. غير أن هذه التصريحات قوبلت بنفي إيراني سريع، أكد أن العديد من النقاط الجوهرية لا تزال محل نقاش، ولم تُحسم بعد.
هذا التناقض العلني انعكس سلبا على أجواء التفاوض، حيث اعتبر مسؤولون أن الإفصاح غير المنسق عن مجريات المحادثات أضعف مستوى الثقة بين الطرفين، وزاد من حساسية العملية التفاوضية التي تقوم أساسا على توازن دقيق. وفي ظل هذه الظروف، باتت أي تصريحات إعلامية تحمل تأثيرا مباشرا على مسار التقدم، سواء بالدفع نحو الأمام أو التسبب في انتكاسة مفاجئة.
في السياق ذاته، تبدو القضايا الخلافية أكثر تعقيدا مما يُعلن، فملف تخصيب اليورانيوم، بما يشمله من نسب التخصيب وفترات التجميد، لا يزال نقطة خلاف رئيسية، إلى جانب آليات رفع العقوبات الاقتصادية. وبينما تطرح واشنطن مقترحات تتضمن تخفيفا تدريجيا للعقوبات مقابل التزامات نووية محددة، تصر طهران على ضمانات أوسع وأكثر وضوحا، تضمن لها مكاسب اقتصادية وسيادية ملموسة.
كما تتداول الأوساط السياسية سيناريوهات تتعلق بإمكانية الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، كجزء من صفقة أوسع، إلا أن هذا الخيار لا يزال مرتبطا بشروط معقدة، ويواجه تباينا في التوقعات بين الجانبين.
توترات ميدانية
في المقابل، أسهمت التطورات الميدانية، بما في ذلك التوترات البحرية الأخيرة، في زيادة تعقيد المشهد، حيث انعكست هذه الأحداث على المناخ السياسي العام، وأثرت بشكل غير مباشر على مسار المفاوضات.
ورغم كل هذه التحديات، يواصل الرئيس الأمريكي التأكيد على أن التوصل إلى اتفاق لا يخضع لضغط زمني، مع الإشارة إلى أن ملامح الحل قد تتضح في وقت قريب. غير أن الواقع التفاوضي يشير إلى مسار متقلب، يتسم بتغير المواقف وتبدل مواعيد الاجتماعات بشكل متكرر، ما يعكس هشاشة المرحلة الحالية.
في ضوء ذلك، يبقى مستقبل هذه المفاوضات مفتوحًا على عدة احتمالات، تتراوح بين تحقيق اختراق يؤدي إلى اتفاق مرحلي، أو الانزلاق مجددًا نحو التصعيد. وفي كل الأحوال، فإن التداخل بين السياسة والإعلام والعوامل الميدانية يجعل من الصعب التنبؤ بمآلات هذا الملف في المدى القريب.
انتهاء الهدنة
ومع انتهاء الهدنة التي استمرت أسبوعين، تأتي مؤشرات متزايدة على احتمال عودة الحرب الى مسارها . في هذا السياق، نقلت وكالة "تسنيم" عن مصادر إيرانية أنّ طهران رفعت مستوى جاهزيتها تحسبا لاستئناف القتال، مؤكدة أنها عملت خلال الأسبوعين الماضيين على إعادة تموضع قواتها ونقل تجهيزات عسكرية، إلى جانب إعداد بنك أهداف جديد لأي مواجهة محتملة. هذه المعطيات تعكس، وفق مراقبين، قناعة داخل دوائر القرار الإيراني بأن خيار العودة إلى التصعيد لا يزال قائما بقوة.
في المقابل، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته، متهما إيران بخرق وقف إطلاق النار ''عدة مرات''، رغم إبدائه في تصريحات سابقة رغبة في التوصل إلى اتفاق وصفه بـ"العادل". لكنه في الوقت ذاته لوح بتداعيات قاسية في حال رفضت طهران الانخراط الجاد في المفاوضات، محذرا من ''مشكلات غير مسبوقة'' قد تواجهها.
ورغم هذا التصعيد العلني، تشير تسريبات إعلامية إلى استمرار قنوات التواصل غير المباشر. فقد أفاد موقع "أكسيوس" بأن فريق التفاوض الإيراني حصل مؤخرا على موافقة من المرشد الأعلى للدخول في محادثات، في خطوة توحي بوجود رغبة حذرة في إبقاء المسار الدبلوماسي قائما، ولو بشروط معقدة. وفي الإطار نفسه، برزت تحركات دبلوماسية لافتة، مع توجه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد لإجراء مباحثات يُعتقد أنها تتصل بالملف الإيراني وإمكانية التوصل إلى صيغة لوقف الحرب.
لكن هذا الحراك لا يخفي حجم التباينات ، إذ جاءت التصريحات الرسمية الإيرانية أكثر تحفظا، إذ أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أن بلاده لا تملك في الوقت الراهن أي خطة لعقد جولة جديدة من المفاوضات مع الولايات المتحدة، ما يعكس فجوة واضحة بين المسار العلني والتحركات غير المعلنة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تقترب فيه الهدنة، التي أُعلنت في 8 أفريل، من نهايتها المقررة يوم غد الخميس، ما يضع الأطراف أمام اختبار حقيقي: إما البناء على ما تحقق – وإن كان محدودا – للدفع نحو اتفاق، أو الانزلاق مجددا إلى مواجهة مفتوحة.
فانس وقاليباف يصلان إلى إسلام آباد
في الأثناء قال مسؤولان إقليميان، أمس الثلاثاء، إن الولايات المتحدة وإيران أشارتا إلى أنهما ستعقدان جولة جديدة من محادثات وقف إطلاق النار في العاصمة الباكستانية إسلام باد.
وجاءت تصريحات المسؤولين في وقت لم تؤكد فيه الولايات المتحدة أو إيران علنا موعد هذه المحادثات، فيما نفى التلفزيون الإيراني الرسمي وجود أي مسؤول إيراني في العاصمة الباكستانية.
مفاوضات إسلام آباد
وقال المسؤولان، وفق وكالة ''أسوشيتد براس''، إن وسطاء تقودهم باكستان تلقوا تأكيدا بأن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، سيصلان إلى إسلام آباد صباح اليوم الأربعاء لقيادة وفديهما في المحادثات.
ومن المقرر أن ينتهي وقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين، في الثامنة مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم الأربعاء (منتصف الليل بتوقيت غرينتش أو الساعة 3:30 صباح يوم غد الخميس بتوقيت إيران.
كان ترامب، قد اتهم إيران بانتهاك وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مرارا، مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة المقررة لمدة أسبوعين.وكتب ترامب في منشور له على منصته للتواصل الاجتماعي تروث سوشيال، أمس الثلاثاء: «انتهكت إيران وقف إطلاق النار مرات عديدة!» دون تقديم المزيد من التفاصيل.وكان الرئيس الأمريكي قد أكد في وقت سابق إن تمديد مدة الهدنة «مستبعد للغاية» في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق مع طهران قبل انتهاء المدة.وأوضح أن وقف إطلاق النار سينتهي مساء اليوم الأربعاء بتوقيت واشنطن، وهو ما سيصادف الساعات الأولى من صباح الغد الخميس في إيران بسبب فارق التوقيت.
ولا يزال احتمال عقد جولة أخرى من المفاوضات غير مؤكد. وكان ترمب قد قال أمس الأول ، إنه سيرسل وفدا آخر للتفاوض إلى إسلام باد، برئاسة نائب الرئيس جيه دي فانس، لكن من غير الواضح ما إذا كانت المحادثات ستعقد.
قوات أمريكية تعتلي ناقلة خاضعة للعقوبات
في الأثناء قالت وزارة الحرب الأمريكية ''البنتاغون''، في منشور على منصة «إكس» أمس الثلاثاء، إن قوات أمريكية صعدت على متن ناقلة نفط خاضعة للعقوبات من دون وقوع أي اشتباك، في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وذلك في إطار جهودها الرامية إلى تعطيل السفن التي تقدم الدعم لإيران.وأضافت الوزارة: «قواتنا اعتلت الناقلة إم تي تيفاني المدرجة ضمن قوائم العقوبات».

من جهته، قال الجيش الإيراني إن ناقلة نفط إيرانية دخلت المياه الإقليمية للبلاد من بحر العرب، بمساعدة البحرية الإيرانية، رغم ما وصفه بالتحذيرات والتهديدات المتكررة من قوة المهام البحرية الأمريكية.وكانت الخارجية الإيرانية قد نددت أمس الثلاثاء، بما وصفته بهجوم أمريكي على السفينة التجارية الإيرانية «توسكا» مطلع الأسبوع، وطالبت بالإفراج الفوري عن السفينة وأفراد طاقمها وعائلاتهم.وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن طاقم سفينة «توسكا» لم يمتثل للتحذيرات المتكررة على مدى ست ساعات، وإن السفينة انتهكت الحصار الأمريكي.
حصار بحري
وأثار الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية غضب طهران، إذ فتحت إيران مضيق هرمز قبل أن تعاود إغلاقه مرة أخرى.ويمر عبر المضيق عادة ما يقرب من خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. كما حثت باكستان، التي تضطلع بدور الوساطة، واشنطن على إنهاء الحصار.
وعبرت الصين، أكبر مشترٍ للخام الإيراني، عن قلقها إزاء ما وصفته بـ«الاعتراض القسري». وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عبر منصة «تروث سوشيال» امس الثلاثاء، إن إيران انتهكت وقف إطلاق النار مرات عديدة.
ويرغب ترامب في التوصل إلى اتفاق يمنع المزيد من ارتفاع أسعار النفط وحدوث صدمات في أسواق الأسهم، لكنه يصرّ على أن إيران لا يمكن أن تمتلك الوسائل لصنع سلاح نووي.في المقابل، تأمل إيران في استغلال سيطرتها على مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي لإمدادات الطاقة العالمية، للتوصل إلى اتفاق يمنع استئناف الحرب ويخفف العقوبات، من دون عرقلة برنامجها النووي.
ولم تسفر الجولة الأولى من المفاوضات، التي عُقدت قبل عشرة أيام، عن أي اتفاق، فيما استبعدت طهران عقد جولة ثانية هذا الأسبوع بعدما رفضت الولايات المتحدة إنهاء حصار الموانئ الإيرانية والإفراج عن سفينة شحن إيرانية.

غير أن مصدرًا باكستانيًا مشاركًا في المناقشات قال لوكالة «رويترز» إن هناك زخمًا يدفع نحو استئناف المحادثات اليوم الأربعاء، ومن المتوقع سفر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى إسلام آباد.وقال مسؤول إيراني وفق«رويترز» إن طهران «تدرس بإيجابية» المشاركة في المحادثات، لكنه شدد على أنه لم يتم اتخاذ أي قرار بعد.
أكبر أزمة طاقة على الإطلاق
من جانبه قال فاتح بيرول مدير وكالة الطاقة الدولية أمس الثلاثاء إن الحرب بين إيران ‌والولايات المتحدة و"إسرائيل" يتسبب في أسوأ أزمة طاقة يواجهها العالم على الإطلاق.
وقال بيرول في مقابلة مع إذاعة فرانس إنتر بثت أمس الثلاثاء "هذه بالفعل أكبر أزمة في التاريخ".وأضاف "الأزمة ضخمة بالفعل، إذا جمعنا بين آثار أزمة النفط وأزمة الغاز المرتبطة بروسيا".
وأدت الحرب في الشرق الأوسط إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.كما جاءت هذه الأزمة لتضاف إلى آثار الحرب الروسية مع أوكرانيا، التي قطعت بالفعل إمدادات الغاز ‌الروسي إلى أوروبا.
وكان بيرول قد قال في وقت ‌سابق من هذا الشهر إنه يرى أن الوضع الحالي في أسواق الطاقة العالمية أسوأ من ‌الأزمات السابقة في أعوام 1973 و1979 و2022 مجتمعة.وفي مارس ، وافقت وكالة الطاقة الدولية على سحب كمية قياسية تبلغ 400 مليون برميل من النفط من المخزونات الإستراتيجية لمواجهة ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
و قال مفوض شؤون النقل في الاتحاد الأوروبي أبوستولوس تزيتزيكوستاس ‌امس الثلاثاء إن المفوضية ستصدر إرشادات عن كيفية التعامل مع مواعيد إقلاع وهبوط الطائرات في المطارات ومنع التزود المفرط بالوقود وحقوق المسافرين والتزامات الخدمة العامة في حال حدوث نقص في وقود الطائرات نتيجة لحرب إيران.

وأضاف أنه لا يوجد نقص "حتى اليوم"، لكن تداعيات استمرار حصار مضيق هرمز ستكون "كارثية".
وذكر خلال مؤتمر صحفي في بروكسل أن المفوضية ستشدد على ضرورة أن يسرع الاتحاد الأوروبي إنتاجه من وقود الطيران المستدام ‌والوقود الصناعي ضمن الإجراءات التي ستتخذ لتقليل الاعتماد ‌على واردات الشرق الأوسط، مؤكدا بذلك ما ورد في تقرير نشرته رويترز ‌يوم الجمعة.وتدرس المفوضية أيضا خيارات استيراد بدائل، مثل وقود الطائرات الأمريكي من فئة (جيت إيه). ومن المقرر أن تقدم اليوم الأربعاء حزمة أوسع من الإجراءات المتعلقة بالطاقة والنقل.

المشاركة في هذا المقال