Print this page

من التحكيم إلى العدالة الرقمية: "بيت الحكمة" يرسم ملامح الوساطة والحلول البديلة للنزاعات

في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنظومات القانونية

والاجتماعية المعاصرة، استضاف المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة، يومي 16 و17 أفريل 2026 الماضي، ندوة دولية رفيعة المستوى حول موضوع: "العدالة البديلة: الوساطة والحلول البديلة للنزاعات". الندوة التي نظمها قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية، سعت إلى استكشاف المسافة الفاصلة بين "العدالة التقليدية" وبين آفاق "العدالة الرقمية" والذكاء الاصطناعي.
ضرورة الإصلاح: الوساطة كفلسفة قضائية جديدة
افتتح الأستاذ محمود بن رمضان، رئيس بيت الحكمة، أشغال الندوة مؤكداً على أهمية هذا الطرح في السياق الراهن، تلاه أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية محمد الناشي، منسق الندوة، الذي وضع الإطار العام للنقاش: هل نحن بصدد إصلاح لمنظومة القضاء أم ابتكار لتعاقد اجتماعي جديد؟
وفي كلمته الافتتاحية، أكد منسق الندوة الأستاذ محمد الناشي أن هذا اللقاء يأتي استجابةً لضرورة التفكير في "عدالة مغايرة" قادرة على مواجهة التحديات الراهنة، مثل اكتظاظ المحاكم والنزعة المتزايدة للتقاضي. وأوضح الناشي أن الرهان اليوم يتجاوز مجرد البحث عن حلول تقنية، بل يمتد ليشمل إعادة تعريف وظيفة "الحكم" عبر تعزيز عدالة القرب والحلول المتفاوض عليها. كما طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل القضاء في العصر الرقمي، داعياً إلى تحليل دقيق لمكاسب التكنولوجيا القانونية (LegalTech) وحدودها، بهدف رسم مسارات واضحة لتطوير الوساطة كخيار استراتيجي يتلاءم مع تحولات المجتمع التونسي.
في الجلسة الأولى التي ادارها الأستاذ محمد كرو، شدد الدكتور جاك فاجيه من فرنسا في محاضرته الافتتاحية على أن الرهان ليس تقنياً فحسب، بل هو رهان نظري يمس جوهر العلاقة بين العدالة والوساطة. ومن جانبها، طرحت الأستاذة سعاد باباي يوسف سؤالاً جوهرياً حول السياق التونسي: هل تعزز الوساطة الحلول الودية أم أنها تعكس نوعاً من تراجع دور الدولة في فض النزاعات؟
كما تناولت المداخلات جوانب عملية، حيث استعرضت الأستاذة كلثوم مزيو آليات التحكيم والوساطة في العقود التجارية، بينما ركز المشاركون والباحثون على مفهوم "العدالة خارج أروقة القضاء" عبر الترويج للحلول الودية التعاقدية.
الوساطة في قلب القضايا المجتمعية: من الأسرة إلى الإدارة
لم تغب القضايا المجتمعية الحارقة عن طاولة النقاش، حيث خصصت الجلسة الثانية للوساطة في النزاعات الأسرية والإدارية. قدم الأستاذ صلاح الدين بن فرج قراءة سوسيولوجية لتحول إدارة النزاعات الزوجية في تونس من "العمل الخيري" إلى "الوساطة المنظمة"، فيما دعت الأستاذة سلمى التريكي إلى تعزيز مكانة الحل الودي في النزاعات الأسرية لضمان تماسك النسيج الاجتماعي.
وفي المجال الإداري والمهني، ناقشت الأستاذة أسماء غشام دور "الموفق الإداري" اليوم، بينما عرض الخبير إبراهيم المويلحي تجربة "لجنة فض النزاعات" (Dispute Board) كحل ناجع في قطاع المقاولات والصناعة.
تحدي الرقمنة: هل يحل "الروبوت" محل القاضي؟
شهد اليوم الثاني نقاشاً مثيراً حول "الذكاء الاصطناعي والعدالة الرقمية". طرح الأستاذ لطفي الشاذلي تساؤلات حول مستقبل التحكيم في ظل الذكاء الاصطناعي، بينما حذر الأستاذ إيف كارتيفيل من بلجيكا من "العدالة الآلية"، معتبراً الوساطة البشرية "نموذجاً مضاداً" ضرورياً لحماية الروح الإنسانية في القانون.
كما تناولت الدكتورة منى قطاطة موضوع "العدالة التنبؤية"، متسائلة إن كانت ستقضي على عدم اليقين القضائي أم أنها ستؤدي إلى "عدالة جائرة" تفتقر إلى المرونة الوجدانية. وفي سياق متصل، استعرض المشاركون كيف يمكن للتصميم الاجتماعي والوساطة الثقافية أن يوجها التحول الرقمي نحو عدالة تصالحية.
أخلاقيات الوساطة: نحو ثقافة وقائية
اختتمت الندوة بجلسة حول الأخلاقيات، حيث أكدت الأستاذة يسرى بن عامر على المقاربة الأخلاقية للوساطة، بينما نقلت الأستاذة كاتيا ميلو تجارب من البرازيل والأرجنتين حول دور "المشاعر والأخلاقيات" في إدارة النزاعات.
وفي كلمتها، دعت فرانسواز هوستي إلى إرساء "ثقافة الوساطة الوقائية" كخيار مجتمعي، واختتم الأستاذ جان دي موني النقاش بوضع الوساطة في إطار "التعددية القانونية"، معتبراً إياها اتفاقية جديدة للمشروعية في عالم معقد.
خرج المشاركون في الندوة بقناعة مشتركة: إن العدالة البديلة ليست مجرد "بديل" لتخفيف العبء عن المحاكم، بل هي إعادة اعتبار للإنسان كطرف فاعل في حل نزاعاته، وحصن أخير ضد "برودة" الخوارزميات الرقمية التي بدأت تطرق أبواب المحاكم.

المشاركة في هذا المقال