Print this page

الأزمة المالية الداخلية والزيادة في الأجور واستئناف الحوار الاجتماعي: اتحاد الشغل في مواجهة أزمة مركبة واجتماعات مكثفة لرسم أولوياته

شهدت هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل

خلال الأيام الأخيرة سلسلة من الاجتماعات ، انطلقت بمجمع القطاع الخاص يوم 10 أفريل الجاري، مرورا بانعقاد الهيئة الإدارية الخميس الفارط وصولا إلى مجمع القطاع العام يوم 18 افريل الجاري، في محاولة لإعادة ترتيب أولوياته وتوحيد مواقفه استعدادا لمرحلة تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات، الاجتماعات لم تكن معزولة عن سياقها بل جاءت استجابة مباشرة لتدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق إلى جانب حالة الجمود التي يشهدها الحوار الاجتماعي فضلا عن الأزمة المالية الخانقة التي يعيش على وقعها الاتحاد منذ فترة، وقد تم التركيز على ضرورة صياغة رؤية متكاملة تجمع بين المطالب الاجتماعية الآنية والإصلاحات الهيكلية.

وسط تواصل جمود مسار الحوار الاجتماعي، عادت المنظمة الشغيلة لتكثيف اجتماعاتها على مختلف المستويات، اجتماعات أعادت طرح القضايا الجوهرية على طاولة النقاش ليس فقط من زاوية المطالب الآنية، بل أيضا في سياق أوسع يتعلق بوضعية المنظمة واستعادة دورها الوطني، كما تزامنت الاجتماعات مع الاستعداد لإحياء عيد العمال العالمي ، حيث يسعى الاتحاد إلى تحويل هذه المناسبة إلى محطة تعبئة، يعبر من خلالها عن وحدة صفه واستعداده للدفاع عن حقوق منظوريه في مواجهة التحديات الراهنة وفرض استئناف الحوار الاجتماعي.

الهيئة الإدارية: دعوة للزيادة في الأجور والجرايات

في بيانها الصادر عقب اجتماعها، دعت الهيئة الإدارية الوطنية إلى الزيادة في الأجور بمختلف القطاعات، سواء في الوظيفة العمومية أو القطاع العام أو القطاع الخاص، مع التأكيد على ضرورة الترفيع في جرايات المتقاعدين والأجر الأدنى الصناعي والفلاحي. كما شددت على أهمية صرف زيادات سنة 2025 في القطاع الخاص في إطار احترام الاتفاقيات المبرمة، حفاظًا على مصداقية التفاوض الجماعي. ولم تقتصر مطالب الهيئة على الجانب المادي، بل أكدت أيضا ضرورة إقرار إصلاحات اقتصادية واجتماعية عادلة تضمن إنصاف الشغالين وتحمي قدرتهم الشرائية، في ظل ما وصفته بـ"الارتفاع غير المسبوق للأسعار" وغياب سياسات ناجعة للتعديل والرقابة.

رفض غياب الحوار الاجتماعي

واحدة من أبرز النقاط التي أثارتها الهيئة الإدارية تمثلت في رفضها القاطع لاستمرار غياب الحوار الاجتماعي. واعتبرت أن هذا الغياب لا يقتصر تأثيره على تعطيل المفاوضات، بل يمتد ليعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ويحد من فرص التوصل إلى حلول توافقية. وأكدت أن الحوار الاجتماعي يجب أن يكون منتظما ومؤسساتيا، لا مجرد آلية ظرفية، بل خيارا استراتيجيا لمعالجة الإشكاليات الكبرى، سواء تعلق الأمر بالأجور أو بالإصلاحات الاقتصادية أو بتحسين الخدمات العمومية. وفي هذا السياق، شددت على أن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا ينفصل عن ضمان الحريات النقابية والعامة، معتبرة أن أي تراجع في هذه الحريات من شأنه أن يضعف العمل النقابي ويحد من قدرته على التأثير.

مجمع القطاع العام: تشخيص دقيق وتأكيد على التنسيق

في مجمع القطاع العام، برزت أهمية التنسيق بين مختلف الهياكل النقابية، حيث أكد الأمين العام صلاح الدين السالمي، أن هذه الاجتماعات تمثل فرصة لفهم مشاغل القطاعات العمومية بشكل دقيق، سواء كانت قضايا كبرى أو ملفات جزئية. وأشار إلى أن توحيد الرؤية بين القواعد النقابية والقيادات المركزية يمثل شرطًا أساسيا لنجاح أي تحرك أو تفاوض، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المؤسسات العمومية، من ضعف الإمكانيات إلى تراجع جودة الخدمات. كما شدد على أن الحوار الاجتماعي لا يجب أن يختزل في الجانب المالي، بل ينبغي أن يشمل تحسين ظروف العمل، وتطوير الأداء، ومعالجة التوترات داخل المؤسسات، وهو ما من شأنه أن يساهم في استقرارها ونجاعتها. ولم يخف السالمي إمكانية اللجوء إلى أشكال نضالية في حال استمرار تعطل الحوار، مؤكدا أن التحركات والتجمعات تبقى وسائل مشروعة للضغط من أجل تحقيق مطالب الشغالين.

مجمع القطاع الخاص: التزام بالمقررات واستعداد للتصعيد

من جهته، عبّر مجمع القطاع الخاص عن رفضه لتدهور القدرة الشرائية، مطالبا بزيادة منصفة في الأجور بعنوان سنة 2025 تراعي ارتفاع كلفة المعيشة. كما أكد التزامه بالمقررات السابقة المتعلقة بتنقيح الاتفاقيات المشتركة القطاعية والزيادات المرتقبة لسنوات 2026 و2027 و2028. ودعا المجمع إلى فتح جولة جديدة من المفاوضات الاجتماعية تشمل الجوانب المالية والترتيبية، مع ضرورة إحياء آليات الحوار الاجتماعي المجمدة، خاصة عبر استئناف الجلسات الصلحية ولجان المصالحة.

الاستعداد لغرة ماي

في سياق متصل، دعا الاتحاد كافة منظوريه إلى التعبئة لإنجاح محطة غرة ماي، بمناسبة عيد العمال العالمي، معتبرا إياها فرصة لتأكيد وحدة الصف النقابي وترسيخ دور المنظمة كفضاء للنضال والتعبير الحر. كما شدد على أهمية تعزيز الانخراط النقابي داخل المؤسسات، خاصة في القطاع الخاص، باعتباره ركيزة أساسية لتقوية التمثيلية النقابية ومواجهة التحديات الراهنة.

تعبئة واسعة

في خضم هذه التحركات، يستعد الاتحاد لإحياء عيد العمال العالمي في غرة ماي، وهي مناسبة ذات رمزية نضالية كبيرة. وقد دعا إلى تعبئة واسعة لإنجاح هذه المحطة، باعتبارها فرصة لتأكيد وحدة الصف النقابي وإبراز القدرة على الحشد والتأثير. كما تم التأكيد على أن هذه المناسبة ليست مجرد احتفال، بل محطة لتجديد الالتزام بالدفاع عن حقوق الشغالين وتوجيه رسائل واضحة إلى مختلف الأطراف حول جدية المطالب النقابية. كما شدد على أهمية تعزيز الانخراط النقابي داخل المؤسسات، خاصة في القطاع الخاص باعتباره ركيزة أساسية لتقوية التمثيلية النقابية ومواجهة التحديات الراهنة.

تعكس الاجتماعات الأخيرة للاتحاد تركيزا واضحا على ثلاثة محاور أساسية وهي الوضع المالي الصعب للمنظمة ومفاوضات الزيادة في الأجور واستئناف الحوار الاجتماعي ويبدو أن المرحلة القادمة مفتوحة على عدة سيناريوهات، بين استئناف المفاوضات وتحقيق انفراج نسبي أو التصعيد عبر تحركات ميدانية قد تزيد من تعقيد الوضع وتوتير المناخ الاجتماعي.

 

 

المشاركة في هذا المقال