البنك الدولي يطلق مبادرة “قطاع صحي فعّال”Health Works كيف يعيد الاستثمار الصحي تشكيل معادلات النمو العالمي

لم تعد الصحة اليوم مسألة اجتماعية أو إنسانية

فحسب، ولم يعد الإنفاق على التطور الصحي مجرد بندٍ ثقيل في ميزانيات الدول، بل أصبح يُنظر إليه كأحد أهم محركات النمو والاستقرار و أصبح في صميم المعادلة الاقتصادية العالمية. فالدول لم تعد تُقاس قوتها فقط بحجم ناتجها المحلي أو مواردها الطبيعية، بل بقدرتها على حماية رأس مالها البشري وضمان استدامته. من هذا المنطلق، أطلقت مجموعة البنك الدولي مبادرة “قطاع صحي فعّال” (Health Works)، واضعة هدفًا طموحًا يتمثل في تمكين 1,5 مليار شخص من الحصول على رعاية صحية عالية الجودة وميسورة التكلفة بحلول عام 2030. هذه المبادرة تعكس تحوّلًا عميقًا في فهم دور الصحة، باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا يحدد مستقبل الاقتصادات.

حجم التحوّل
تعكس البيانات الدولية حجم التحوّل في النظرة إلى القطاع الصحي حيث تشير تقديرات البنك الدولي، لا يزال نحو نصف سكان العالم يفتقرون إلى الخدمات الصحية الأساسية، بينما يواجه حوالي 2 مليار شخص صعوبات مالية حادة بسبب تكاليف العلاج . وفي المقابل، تُظهر التجارب أن الاستثمار في الصحة يمكن أن يكون محركًا قويًا للنمو، إذ تستهدف مبادرة “Health Works” خلق ما يصل إلى 29 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030، في إطار توسيع التغطية الصحية عالميًا .
كما تشير نتائج حديثة إلى أن برامج البنك الدولي مكّنت منذ 2024 من إيصال خدمات صحية محسّنة إلى نحو 466.8 مليون شخص، وهو ما يعكس تقدّمًا ملموسًا نحو الهدف المعلن . وعلى مستوى سوق العمل، يبرز القطاع الصحي كأحد أكبر القطاعات نموًا، حيث يمثل نحو 10.9% من إجمالي الوظائف في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مع نمو بنسبة 30% خلال عقد واحد . هذه الأرقام تؤكد أن الاستثمار في الصحة لا ينقذ الأرواح فقط، بل يعيد تشكيل هياكل الاقتصاد.
فجوة صحية وتكلفة مرتفعة
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال الفجوة الصحية العالمية تمثل تحديًا كبيرًا. فحرمان مليارات البشر من الرعاية الصحية لا يؤدي فقط إلى تدهور أوضاعهم المعيشية، بل يكلّف الاقتصاد العالمي خسائر ضخمة في الإنتاجية. فالأمراض غير المعالجة تقلّص من القدرة على العمل، وترفع من نسب الغياب، وتزيد من الضغط على أنظمة الحماية الاجتماعية. كما أن الإنفاق الصحي المباشر من جيوب المواطنين يدفع العديد من الأسر إلى الفقر، وهو ما يخلق حلقة مفرغة تعيق النمو. لذلك، لم يعد الاستثمار في الصحة خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة اقتصادية لتقليص هذه الخسائر الهيكلية.
تعتمد مبادرة “Health Works” على مقاربة شاملة تقوم على إصلاح الأنظمة الصحية، خاصة من خلال تعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتوسيع التغطية، وتقليص الحواجز المالية أمام المرضى. كما تركز على تعبئة القطاع الخاص وتطوير الصناعات المرتبطة بالصحة، مثل الأدوية والتجهيزات الطبية. هذه المقاربة لا تهدف فقط إلى تحسين الخدمات، بل إلى خلق منظومة اقتصادية متكاملة حول الصحة، قادرة على توليد فرص عمل وتحفيز الابتكار. وقد أظهرت التجارب في عدة دول أن تحسين التغطية الصحية يؤدي مباشرة إلى زيادة الإنتاجية وتحسين مؤشرات التنمية البشرية.

الاستثمار الصحي في تونس

يمتد أثر الاستثمار في الصحة إلى قطاعات متعددة، حيث يخلق طلبًا متزايدًا على الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الطبية والخدمات الرقمية. كما يساهم في تطوير البحث العلمي وتحفيز الابتكار، خاصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي الطبي والتطبيب عن بعد. ومن جهة أخرى، يساهم تحسين الوضع الصحي للسكان في تقليص النفقات طويلة الأمد المرتبطة بالأمراض المزمنة، ما يخفف الضغط على الميزانيات العمومية. هذا التداخل بين الصحة والاقتصاد يجعل من الاستثمار في هذا القطاع خيارًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد.

اما في تونس، فيعكس القطاع الصحي صورة مزدوجة تجمع بين تطور نسبي وتحديات عميقة. فمن جهة، تشير البيانات إلى أن الإنفاق على الصحة بلغ حوالي 6.96% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2022، وهو مستوى قريب من المعدل العالمي . كما بلغ الإنفاق الصحي للفرد نحو 265 دولارًا سنويًا، ما يعكس مجهودًا معتبرًا مقارنة بدول ذات دخل مماثل .
غير أن هذه الأرقام تخفي وراءها اختلالات هيكلية عميقة. فحصة الإنفاق العمومي لا تتجاوز حوالي 3.9% من الناتج المحلي، ما يعني اعتمادًا كبيرًا على الإنفاق الخاص، خاصة من جيوب المواطنين . هذا الوضع يخلق تفاوتًا في الوصول إلى الخدمات، حيث يتمتع القادرون ماليًا برعاية أفضل في القطاع الخاص، بينما يعاني القطاع العمومي من نقص الموارد.
التحديات المطروحة
يواجه النظام الصحي في تونس تحديات متعددة، من أبرزها نقص الإطار الطبي وشبه الطبي، خاصة نتيجة هجرة الكفاءات نحو الخارج، إضافة إلى ضعف البنية التحتية في بعض الجهات الداخلية. كما تعاني المستشفيات العمومية من نقص التجهيزات والأدوية، وهو ما يؤثر على جودة الخدمات ويزيد من الضغط على الكوادر الصحية. ويُضاف إلى ذلك إشكال الحوكمة، حيث تعاني المنظومة من تعقيدات إدارية وضعف في إدارة الموارد، ما يحدّ من نجاعة الإنفاق رغم أهميته.
وتبرز أيضًا مسألة التفاوت الجهوي كأحد أبرز التحديات، حيث تتركز الخدمات الصحية المتقدمة في المدن الكبرى، مقابل نقص حاد في المناطق الداخلية. هذا التفاوت لا ينعكس فقط على المؤشرات الصحية، بل يعمّق الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الجهات. في هذا السياق، يصبح الاستثمار في الصحة في تونس ضرورة ملحّة، ليس فقط لتحسين الخدمات، بل لإعادة التوازن التنموي وتعزيز العدالة الاجتماعية.
نموذج صحي أكثر كفاءة واستدامة
يعكس التوجه العالمي نحو الاستثمار في الصحة تحولًا في فهم التنمية، حيث لم يعد النمو الاقتصادي منفصلًا عن جودة الحياة. فالصحة تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء مجتمعات مستقرة وقادرة على مواجهة الأزمات. وفي حالة تونس، كما في العديد من الدول النامية، يظل التحدي الأساسي هو الانتقال من منطق الإنفاق إلى منطق الاستثمار، من خلال تحسين كفاءة الموارد، وتعزيز الشراكات، وتبني الابتكار.
في النهاية، يتضح أن الاستثمار في القطاع الصحي لم يعد مجرد خيار اجتماعي، بل أصبح ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الاقتصادية للدول. فالعالم يتجه نحو نموذج تنموي يضع الإنسان في قلب العملية الاقتصادية، ويعتبر صحته أساسًا لأي نمو مستدام. وما تعكسه مبادرة البنك الدولي هو بداية هذا التحول، حيث تصبح الصحة ليس فقط وسيلة لإنقاذ الأرواح، بل أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، يبقى الرهان على الصحة هو الرهان الأكثر عقلانية… والأكثر ربحًا في عالم تتزايد فيه التحديات.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115