Print this page

فيما بيروت تلبس ثوب الحداد بعد المجازر الصهيونية المنطقة بين "اتفاق حقيقي" بين ايران وواشنطن أو صدام مفتوح

تتسارع عقارب الساعة في الشرق الأوسط فوق

صفيح ساخن، حيث تتقاطع نبرة التهديد العسكري الأمريكي مع اجرام ميداني إسرائيلي غير مسبوق في العمق اللبناني في الوقت الذي يحاول فيه العالم فك شفرات "هدنة هشة" تكتنفها الضبابية.
في المقابل، يلفّ بيروت ثوب الحداد الوطني بعد ليلة دامية شهدت عشرات الغارات المتزامنة، محولة أحياء سكنية مثل "تلة الخياط" إلى ركام، في خرق صارخ للدعوات الدولية لضبط النفس. هذا التصعيد قابله "حزب الله" بردود ميدانية نوعية استهدفت عمق الجليل وآليات عسكرية في الجنوب، معلنا بوضوح أن جبهة لبنان لن تنفصل عن المسار الإقليمي ما لم يتوقف "العدوان الأمريكي-الإسرائيلي".
بين تهديدات ترامب بـ "إطلاق نار أقوى" وأنين البحث عن ناجين تحت أنقاض بيروت، يظل صمت المجتمع الدولي مدويا فيما تطرح تساؤلات اليوم ، هل نحن أمام اللحظات الأخيرة قبل تسوية كبرى، أم أن المنطقة تنزلق نحو مواجهة شاملة تتجاوز حدود الخرائط التقليدية؟
تناقضات الاتفاق الأمريكي الإيراني
شهد اليوم الثاني من اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران تصعيدا ملحوظا في حدة التباينات السياسية والتفسيرات المتضاربة بين الطرفين، بما يعكس هشاشة التفاهمات المعلنة ويثير تساؤلات جدية حول مدى قابليتها للصمود في بيئة إقليمية معقدة ومتشابكة.
ففي الوقت الذي تصر فيه طهران على أن الاتفاق يشمل ساحات إقليمية متعددة، وعلى رأسها لبنان، تتبنى واشنطن قراءة مغايرة تستثني لبنان من بنود التهدئة، معتبرة أن الاتفاق يقتصر على مسار محدد لا يمتد إلى حلفاء إيران أو مناطق نفوذها. ووفق مراقبين هذا التباين لا يعكس فقط اختلافا في التفسير، بل يكشف عن فجوة أعمق في الأهداف الاستراتيجية لكل طرف.
ويأتي هذا الجدل في ظل تصعيد ميداني خطير في لبنان، حيث شهدت بيروت يوما داميا ومجزرة غير مسبوقة نتيجة قصف إسرائيلي مكثف طال عدة مدن وبلدات. ووفق المعطيات الرسمية الصادرة عن الدفاع المدني اللبناني، فقد ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 254 شهيدا و1165 جريحا، في واحدة من أعنف موجات التصعيد خلال الفترة الأخيرة. ووفق خبراء لا تعكس هذه الأرقام فقط حجم الخسائر البشرية، بل تشير أيضا إلى احتمالية انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع إذا لم يتم احتواء التصعيد سريعا.
استنفار في إيران
في المقابل، بدت إيران في حالة استنفار أمني واضح، حيث تم تفعيل أنظمة الدفاع الجوي في العاصمة ومدن أخرى، بحسب ما نقلته وكالة مهر. ويعكس هذا التحرك قلقا متزايدا من احتمال توسع دائرة المواجهة، أو تعرض منشآت حساسة لهجمات محتملة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب يعتزم إرسال فريق تفاوضي إلى باكستان، بقيادة نائبه جيه دي فانس اليوم الجمعة، في خطوة تشير إلى محاولة أمريكية لفتح قنوات تواصل موازية أو تعزيز وساطات إقليمية قد تسهم في احتواء التوتر.
ويرى متابعون أن المشهد يشير إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار، بدل أن يكون نقطة انطلاق نحو تهدئة شاملة، أصبح ساحة جديدة للصراع السياسي بين واشنطن وطهران. فكل طرف يسعى إلى توظيف الاتفاق بما يخدم مصالحه الإقليمية، دون تقديم تنازلات حقيقية تمهد لحل مستدام.
كما أن استثناء لبنان يضعه عمليا في قلب المواجهة، ويزيد من احتمالات تحوله إلى ساحة تصفية حسابات غير مباشرة، خاصة في ظل الترابط الوثيق بين الملفات الإقليمية. في المقابل، إصرار إيران على أن يشمل وقف اطلاق النار لبنان يعكس تمسكها بنفوذها الإقليمي ورفضها لأي مقاربة تفصل بين الساحات.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة دقيقة تتسم بعدم اليقين، حيث تتداخل المسارات العسكرية بالدبلوماسية، وتبقى احتمالات التصعيد قائمة رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.

ردود افعال
وشهدت الساعات الأخيرة موجة واسعة من ردود الفعل الدولية عقب الغارات الإسرائيلية المكثفة على لبنان، والتي أسفرت عن استشهاد وجرح المئات، وفق حصيلة أولية.
وأدانت عدة أطراف هذه الضربات، حيث أعربت تركيا عن "إدانة شديدة" ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف ما وصفته بـ"الاحتلال الإسرائيلي".
كما نددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بحجم "الموت والدمار" في المناطق السكنية، فيما دعا العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى وقف "الاعتداءات ودعم استقرار لبنان".
من جهتها، أدانت الأمم المتحدة الضربات التي أوقعت عدداً كبيراً من الضحايا، وسط تصاعد المخاوف من تفاقم الوضع الإنساني.
وفي المقابل، أكدت الولايات المتحدة أن وقف إطلاق النار بينها وبين إيران لا يشمل العمليات الإسرائيلية في لبنان، مع استمرار المشاورات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن التطورات.

إقليميا، اتهمت إيران إسرائيل بخرق التهدئة، ولوّح الحرس الثوري بالرد في حال استمرار الهجمات، ما يهدد بانهيار الهدنة بين طهران وواشنطن.
في المقابل، شكك مسؤولون إسرائيليون في صمود الاتفاق، مؤكدين استعدادهم لمواصلة المواجهة إذا لزم الأمر. وتعكس هذه المواقف تباينا دوليا حادا، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة التصعيد في المنطقة
محادثات في باكستان
من جهتها اعلنت السلطات الباكستانية عطلة رسمية لمدة يومين في إسلام آباد ابتداء من أمس الخميس، عشية المحادثات المقررة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة.
وقد اتفقت واشنطن وطهران على وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين، إذ من المقرر أن تبدأ المحادثات في باكستان اليوم الجمعة بهدف التوصل إلى اتفاق طويل الأمد.
وأشار البيت الأبيض إلى أن نائب الرئيس جاي دي فانس سيقود وفدا الى إسلام آباد خلال عطلة نهاية الأسبوع. ولم يُذكر سبب العطلة في الإشعار الصادر عن إدارة مقاطعة إسلام آباد، إلا أن سلطات العاصمة غالباً ما تُعلن عن العطلات أو القيود لأسباب أمنية قبل الفعاليات الدبلوماسية رفيعة المستوى. وتقتصر العطلة يومي الخميس والجمعة على العاصمة فقط، وفقا للإشعار الصادر امس الاول الأربعاء عن مفوض مقاطعة إسلام آباد.
وأفاد مكتب نائب المفوض في منشور عبر منصة إكس بأن "الخدمات الأساسية ستبقى مفتوحة"، ناصحاً السكان بـ"تخطيط أنشطتهم وفقاً لذلك". وستبقى المكاتب التي تُقدم الخدمات الأساسية مفتوحة، بما في ذلك الشرطة والمستشفيات وشركات الكهرباء والغاز.
الأمم المتحدة تدين
من جانبه أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، "بشكل قاطع الضربات الكبيرة التي شنتها إسرائيل على لبنان في 8 أفريل، مطالبا جميع الأطراف بـ "وقف الأعمال العدائية على الفور"، بحسب بيان للمتحدث باسمه.
وجاء في البيان أن هذه الضربات "أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين، بمن فيهم الأطفال، فضلاً عن إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية".
وأضاف غوتيريش أنه "يشعر بقلق بالغ إزاء ارتفاع عدد الضحايا المدنيين"، وقدّم تعازيه للحكومة اللبنانية.
وحذّر غوتيريش من أن النشاط العسكري في لبنان "يشكل خطراً جسيماً على وقف إطلاق النار والجهود المبذولة لتحقيق سلام دائم وشامل في المنطقة"، مضيفاً أنه "لا يوجد حل عسكري للصراع".

تصريحات مقلقة
واكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة تروث سوشل أن القوات العسكرية الأمريكية ستبقى متمركزة في محيط إيران، إلى حين الالتزام الكامل بما وصفه بـ"الاتفاق الحقيقي".
وأوضح ترامب أن هذا الانتشار يشمل السفن والطائرات والعسكريين، إضافة إلى تعزيزات من الذخيرة والأسلحة، مشدداً على أن الهدف هو "مواصلة التعامل الحاسم مع عدو تضرر بشكل كبير"، على حد تعبيره.
وأضاف أنه في حال عدم الالتزام بالاتفاق، فإن العمليات العسكرية قد تتصاعد بشكل غير مسبوق، قائلاً إن "إطلاق النار سيبدأ بشكل أكبر وأقوى مما شهدناه سابقاً"، معتبراً أن هذا السيناريو "غير مرجح".
كما شدد على أن الاتفاق يتضمن منع امتلاك أسلحة نووية، وضمان بقاء مضيق مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً أمام الملاحة الدولية.
وفي ختام منشوره، أشار ترامب إلى أن الجيش الأمريكي في "حالة استعداد"، معتبرا أن "الولايات المتحدة عادت بقوة".
6 هجمات على أهداف إسرائيلية
أعلن "حزب الله"، امس الخميس، تنفيذ 6 هجمات جنوبي لبنان وشمالي إسرائيل استهدفت مستوطنات وقوة عسكرية وآلية للجيش الإسرائيلي.
وقال الحزب، في سلسلة بيانات، إن هجماته جاءت ردا على "خرق العدو (الإسرائيلي) لاتفاق وقف إطلاق النار، بعدما التزمت المقاومة بوقف النار ولم يلتزم به العدو".
وأضاف: "هذا الرد سيستمر إلى أن يتوقف العدوان الإسرائيلي الأمريكي على بلدنا وشعبنا".
وأوضح الحزب، في بيانات متتالية، أنه استهدف بصواريخ مستوطنات المنارة وكريات شمونة (مرتين) والمطلة شمالي إسرائيل.
كما أعلن استهداف آلية "نمر" العسكرية بصاروخ موجه في بلدة الطيبة جنوبي لبنان، إضافة إلى استهداف قوة إسرائيلية بمسيّرة في البلدة ذاتها.
وأثارت الضربات غضبا شعبيا إقليميا وعالميا، بما فيهم زعماء غربيون دعوا المجتمع الدولي لإدانة هذا الانتهاك الجديد للقانون الدولي، وطلبوا من الاتحاد الأوروبي تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل.
فيما قالت إيران إنه "على الولايات المتحدة أن تختار بين وقف إطلاق النار أو مواصلة الحرب عبر إسرائيل، ولا يمكنها اختيار الأمرين معا".
حداد وبحث عن ضحايا في لبنان

ويستكمل عمال الانقاذ البحث عن ضحايا وناجين محتملين تحت الأنقاض في مواقع عدة بينها مبانٍ سكنية دمّرتها غارات إسرائيلية في بيروت ومناطق لبنانية أخرى أوقعت قرابة مئتي شهيد ونحو ألف جريح بحسب السلطات التي أعلنت يوم حداد وطني.
وشنّ كيان الاحتلال عشرات الغارات بشكل متزامن على بيروت وضاحيتها الجنوبية، إضافة الى جنوب البلاد وشرقها، قالت إنها طالت نحو "100 مقرّ وبنية تحتية عسكرية مزعومة تزعم انها تابعة" لحزب الله.
وفي محلة تلة الخياط في بيروت، واصل عمال الانقاذ صباح امس الخميس رفع الأنقاض، بينما عملت آليات على إزالة الركام في وقت كان سكان يحصون خسائرهم، بحسب ما أفادت وكالة فرانس براش، عقب غارة إسرائيلية دمّرت نصف مبنى سكني في هذا الحي الراقي.
وفي ضاحية بيروت الجنوبية، حيث استهدفت غارة أخرى فجر الخميس مبنى في محلة الشياح أسفرت عن تدميره بالكامل وانهيار مبنى مجاور له، شاهد شهود عيان جرافات تعمل على رفع الركام بينما كان سكان يتفقدون منازلهم المجاورة، وأصحاب محال يخرجون ما سلم من بضائعهم.
ونفذت إسرائيل غارات دامية امس الخميس على جنوب لبنان، طالت إحداها بلدة العباسية في منطقة صور وأسفرت عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل، وفق ما افاد مصدر محلي في الدفاع المدني فرانس براس.

وأدت ضربات اسرائيلية منذ ليل الأربعاء في محيط جسر حيوي على نهر الليطاني في منطقة صور، الى قطعه جزئيا. وقالت فرانس برس إن محاولات جارية لرفع جسر حديدي انهار في وسطه.

وكان الجيش اللبناني أعلن في وقت سابق إخلاء الجسر بعد تهديد اسرائيلي بقصفه، وهو أسلوب اتبعته القوات الاسرائيلية منذ بدء الحرب مع حزب الله في الثاني من مارس.

ويعد هذا الجسر الحيوي الأخير الذي يربط مدينة صور بمدن ساحلية أخرى أهمها بيروت وصيدا. ومن شأن قطعه كليا أن يفصل المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني عن تلك الواقعة جنوبه، حيث يخوض حزب الله مواجهات متقطعة مع القوات الإسرائيلية.
وليل الثلاثاء الأربعاء، أعلنت باكستان التي أدت دور الوسيط بين طهران وواشنطن، هدنة لأسبوعين في الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية، قائلة أنها تشمل لبنان. الا أن الدولة العبرية وواشنطن قالتا في وقت لاحق إن هذا الاتفاق لا يشمل لبنان.
ومنذ ذلك الحين، تتضاعف الجهود الدبلوماسية لتوسيع نطاق وقف إطلاق النار، مع تحذير طهران من انتهاكه على وقع الغارات الدامية على لبنان.
شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لنظيريه الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بيزشكيان الأربعاء على ضرورة أن يشمل اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لبنان، معتبرا ذلك بمثابة "شرط أساسي" ليكون الاتفاق "مستداما".

كما دعت النائبة الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي ياسمين أنصاري، إلى إدراج لبنان في الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران.وقالت أنصاري، في تدوينة على منصة شركة "إكس" الأمريكية: "يجب إدراج لبنان في هذه الهدنة الهشة".
وأضافت: "يجب أن يتوقف فورا القصف المروع وقتل مئات المدنيين في بيروت ومناطق أخرى على يد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو". وشددت على ضرورة أن يضمن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس هذا الأمر.

جهود تحقيق السلام

هذا وادانت وزارة الخارجية الباكستانية، امس الخميس، الهجمات الإسرائيلية على لبنان، مؤكدة أنها تضر بالجهود الدولية الرامية لتحقيق السلام والاستقرار.

جاء ذلك في تدوينة للمتحدث باسم وزارة الخارجية طاهر حسين أندرابي، عبر منصة شركة "إكس" الأمريكية.وعبر عن إدانة بلاده للهجمات الإسرائيلية على لبنان، ما أدى إلى خسائر بالأرواح بين الأبرياء ودمار في البنية التحتية.
وشدد على أن هذه الهجمات تضر بالجهود الدولية الرامية لتحقيق السلام والاستقرار، وتعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي والمبادئ الإنسانية الأساسية.
كما دعا المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات "عاجلة وملموسة" لإنهاء الهجمات الإسرائيلية على لبنان. وأكد على تضامن بلاده مع لبنان حكومة وشعبا، ودعمها لسيادتها وسلامة أراضيه.

 

 

المشاركة في هذا المقال