Print this page

تونس تراهن على الصناعات الإلكترونية: ميثاق 2030 بين طموح التحول الصناعي وضغط النماذج الدولية الناجحة

لم يعد موقع الدول في الاقتصاد العالمي ثابتًا

في عالم تتسارع فيه إعادة توزيع سلاسل الإنتاج بفعل التوترات الجيوسياسية وثورة التكنولوجيا،بل أصبح رهين قدرتها على التموقع داخل سلاسل القيمة ذات المردودية العالية. في هذا السياق، جاءت المصادقة على ميثاق التنافسية للنهوض بقطاع الصناعات الإلكترونية في تونس، خلال اجتماع رسمي ترأسته وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة فاطمة الثابت شيبوب مؤخرا ، كمؤشر على وعي متزايد بضرورة التحول. هذا التحرك لا يعكس فقط طموحًا داخليًا، بل هو أيضًا استجابة لضغط نماذج دولية نجحت في تحويل نفس القطاع إلى قاطرة نمو، ما يضع تونس أمام اختبار حقيقي فهل يمكنها اللحاق بهذا الركب؟

يستند الميثاق إلى قاعدة موجودة، حيث يضم القطاع حوالي 150 مؤسسة ويوفر 70 ألف موطن شغل، ويساهم بنسبة 15% في الناتج الخام الصناعي. غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تكشف أيضًا عن تموقع تونس في الحلقة الوسطى من سلاسل القيمة، حيث تهيمن أنشطة التجميع والمناولةو نسبة الإدماج التي لا تتجاوز 35% مع موفى 2025 تؤكد هذا المعطى، إذ لا تزال مكونات الإنتاج الأساسية مستوردة. هذه الوضعية ليست استثناءً، فقد مرت بها دول عديدة قبل أن تنجح في تجاوزها.
من التجميع إلى الإدماج
يبدو ان الهدف المعلن برفع نسبة الإدماج إلى 55% بحلول 2030 يضع تونس على مسار مشابه لما حققته دول مثل المغرب والمكسيك. ففي المغرب، لم تكن نسبة الإدماج في قطاع السيارات تتجاوز 40% قبل عقد من الزمن، لكنها ارتفعت تدريجيًا إلى أكثر من 60% بفضل سياسات تستهدف جذب المصنعين الكبار وربطهم بشبكة موردين محليين. أما المكسيك، فقد نجحت في قطاع الإلكترونيات تحديدًا في التحول من منصة تجميع إلى مركز تصنيع متكامل، مستفيدة من القرب الجغرافي للسوق الأمريكية واتفاقيات التجارة.

هذه التجارب تُظهر أن رفع نسبة الإدماج ليس هدفًا تقنيًا فقط، بل هو نتيجة سياسة صناعية متكاملة تربط الاستثمار الأجنبي بالتنمية المحلية.

يعكس إعلان تونس عن إنشاء أربعة مراكز بحث وتطوير مختصة محاولة للانتقال إلى مستوى أعلى من التنافسية وهنا تبرز تجربة كوريا الجنوبية كمرجع لافت، حيث لم يكن قطاع الإلكترونيات في سبعينات القرن الماضي متقدمًا، لكنه تحول خلال عقود قليلة إلى أحد أقوى القطاعات عالميًا بفضل استثمار مكثف في البحث والتطوير وربط وثيق بين الدولة والمؤسسات الصناعية. كذلك في فيتنام، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزًا عالميًا لصناعة الإلكترونيات، لعبت مراكز البحث دورًا حاسمًا في جذب شركات كبرى ونقل التكنولوجيا. بالنسبة لتونس، يبقى التحدي في ضمان ألا تبقى هذه المراكز معزولة، بل أن تتحول إلى محركات فعلية للابتكار الصناعي.

التشغيل والاستثمار بين الطموح وضغط المنافسة

يترجم هدف إحداث 30 ألف موطن شغل إضافي رغبة واضحة في جعل القطاع رافعة اجتماعية، لكن تحقيقه يرتبط بقدرة تونس على استقطاب استثمارات جديدة في بيئة تنافسية هنا تبرز تجربة أوروبا الشرقية، حيث نجحت دول مثل رومانيا وبولندا في استقطاب استثمارات إلكترونية ضخمة بفضل مزيج من الحوافز الضريبية وتوفر اليد العاملة المؤهلة. هذه الدول لم تكتفِ بعرض الكلفة المنخفضة، بل عملت على تطوير منظومات تكوين متخصصة، وهو ما مكّنها من جذب صناعات ذات قيمة مضافة أعلى، في المقابل تونس، مطالبة بتطوير رأس مالها البشري بنفس الوتيرة، خاصة في المجالات التكنولوجية الدقيقة.

يسعى الميثاق إلى مضاعفة الصادرات من 3،5 مليون دينار إلى 7 مليون دينار، ورفع رقم المعاملات إلى 3% مقابل 1% حاليًا. ورغم أهمية هذه الأهداف، فإنها تظل متواضعة مقارنة بتجارب مثل فيتنام، التي تحولت في أقل من عقدين إلى أحد أكبر مصدري الإلكترونيات عالميًا. السر في ذلك لم يكن فقط في حجم الاستثمارات، بل في القدرة على الاندماج في سلاسل إنتاج عالمية تقودها شركات كبرى. بالنسبة لتونس، فإن التحدي لا يكمن فقط في زيادة الصادرات، بل في تغيير طبيعتها نحو منتجات أكثر تعقيدًا وتكنولوجيا.
العامل الحاسم في سباق طويل

يشدد الميثاق على دعم التجديد، وهو عنصر مشترك في جميع التجارب الناجحة. ففي كوريا الجنوبية مثلًا، لم يكن التفوق قائمًا على الكلفة، بل على الابتكار المستمر، وفي ألمانيا، يقوم قطاع الصناعات الإلكترونية على قاعدة صلبة من البحث العلمي والتطوير الصناعي و هذه النماذج تؤكد أن التنافسية المستدامة لا تتحقق إلا بالاستثمار في المعرفة

فعليا اذا أرادت تونس، تحقيق أهدافها، فهي مطالبة ببناء منظومة ابتكار متكاملة، لا تقتصر على المشاريع الكبرى فقط، بل تشمل أيضًا دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

يلاحظ المتابع للشأن الدولي أن أحد أهم الدروس المستخلصة من التجارب الدولية هو أن نجاح الاستراتيجيات الصناعية لا يرتبط فقط بجودة التخطيط، بل بفعالية التنفيذ ففي دول مثل سنغافورة، كانت الحوكمة الصارمة والمتابعة الدقيقة هي العامل الحاسم في نجاح السياسات الصناعية بالمقابل، فشلت استراتيجيات مشابهة في دول أخرى بسبب ضعف التنسيق و بالنسبة لتونس، فإن وجود لجنة قيادة يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى آليات واضحة للتقييم والمساءلة.

خلاصة القول ان الميثاق التونسي للصناعات الإلكترونية قد يضع البلاد على مسار طموح، مدعوم بأرقام واضحة مثل رفع نسبة الإدماج إلى 55%، وإحداث 30 ألف موطن شغل،و مضاعفة الصادرات، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج الصناعي غير أن التجارب الدولية تُظهر أن الطريق إلى تحقيق هذه الأهداف ليس خطيًا، بل يتطلب إصلاحات عميقة واستمرارية في السياسات.
وبين نموذج المغرب في الإدماج الصناعي، وتجربة فيتنام في التصدير، ومسار كوريا الجنوبية في الابتكار، تمتلك تونس خارطة طريق غير مباشرة، لكنها واضحة المعالم. ويبقى السؤال الحقيقي الذي يطرح بشدة هل تتحول هذه الأهداف إلى واقع، أم تظل أرقامًا طموحة في وثيقة رسمية؟

 

 

المشاركة في هذا المقال