Print this page

أزمة مضيق ''هرمز'' تتصاعد وفرص التهدئة تضيق تهديدات أمريكية بضرب منشآت حيوية داخل إيران

منذ انطلاق الحرب الأمريكية على ايران تحول

مضيق هرمز الى ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات . وصعّد الرئيس الأمريكي ترامب من لغة التصعيد تجاه ايران من "خنق الاقتصادات" عبر العقوبات إلى "محو المنشآت" عبر القوة العسكرية الغاشمة، مما يضع طهران وأمن الخليج برمته أمام اختبار غير مسبوق.
في هذا الملف، نعرض أبعاد التحول الدراماتيكي في الاستراتيجية الأمريكية التي لم تعد تكتفي بالتلويح بإغلاق الممرات، بل باتت تستهدف "القلب النابض" للاقتصاد الإيراني، أي جزيرة خرج. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو ، هل نحن أمام فصل أخير من فصول المواجهة التقليدية، أم أن العالم يستعد لولادة نظام إقليمي جديد يكتب بلهيب النيران فوق آبار النفط ؟
تغير الاستراتيجية الأمريكية
في ظل تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الدولي بتصريحات حادة تجاه إيران، واضعا ملف مضيق هرمز في قلب معادلة الصراع. هذا الممر البحري الحيوي، الذي يمثل شريانا أساسيا لتدفق النفط العالمي، تحوّل مرة أخرى إلى نقطة اشتعال محتملة في ظل تهديدات متبادلة تعكس هشاشة التوازنات الإقليمية والدولية.
ووجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الاثنين تحذيرا جديدا إلى إيران بضرورة ‌فتح مضيق هرمز، وإلا فإنها ستواجه هجمات أمريكية على آبار النفط ومحطات الكهرباء.وكتب ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي "لقد تحقق تقدم كبير، لكن إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريبا لأي سبب كان، وهو ما سيحدث على الأرجح، وإذا لم "يفتح" مضيق هرمز فورا، فسننهي ''إقامتنا'' الجميلة في إيران عبر تفجير جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط و جزيرة خرج، ومحوها تماما" وفق ''رويترز''.
ولم تقتصر تصريحات ترامب، التي حملت نبرة تصعيدية قوية ،على التحذير من إغلاق المضيق، بل ذهبت إلى حد التلويح باستهداف منشآت حيوية داخل إيران، بما في ذلك آبار النفط ومحطات توليد الكهرباء وجزيرة خرج. ووفق مراقبين يعكس هذا النوع من الخطاب تحولا في أسلوب الضغط، من التلويح بالعقوبات الاقتصادية إلى التهديد المباشر باستخدام القوة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة.
ويرى خبراء أنه لا يمكن فصل هذه التصريحات عن السياق الأوسع للعلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران، حيث شكل مضيق هرمز على الدوام ورقة ضغط إستراتيجية بيد إيران. فإغلاق هذا الممر أو حتى التهديد بذلك كفيل بإرباك الأسواق العالمية ورفع أسعار الطاقة، وهو ما يمنح طهران نفوذا كبيرا. في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن ضمان حرية الملاحة في هذا المضيق مسألة أمن قومي، ليس لها فقط، بل لحلفائها أيضًا.
ورغم حدة الخطاب، يرى مراقبون أنّ مثل هذه التصريحات قد تندرج ضمن إطار الضغط التفاوضي، خاصة إذا كانت هناك محادثات غير معلنة أو جهود دبلوماسية جارية في الخلفية. فاللجوء إلى لغة التهديد غالبا ما يكون وسيلة لرفع سقف المطالب أو دفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات. غير أن خطورة هذا النهج تكمن في احتمالية سوء التقدير، حيث قد تؤدي التصريحات المتشددة إلى ردود فعل غير محسوبة، تخرج عن إطار السيطرة.
من جهة أخرى، فإن أي تصعيد عسكري محتمل-سيناريو التدخل البري الأمريكي مثلا- لن يقتصر تأثيره على طرفي النزاع، بل سيمتد ليشمل الاقتصاد العالمي بأسره.
في المحصلة، تعكس تصريحات دونالد ترامب مرحلة جديدة من التوتر المتصاعد، حيث تختلط الرسائل السياسية بالتهديدات الجدية بتوسيع رقعة الحرب في مشهد معقد ومفتوح على عدة احتمالات.

تحذيرات وتهديدات
هذا وحذّر ترامب من أن الولايات المتحدة قد "تدمر تماما" محطات توليد الكهرباء وآبار النفط، إضافة إلى جزيرة خارك، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.ولوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف كل منشآت الطاقة في إيران وجزيرة خارك في حال لم تُعد طهران فتح مضيق هرمز ولم تسفر المحادثات التي وصفها بـ"الجادة" عن نتيجة "سريعة".
وشدد ترامب في منشور عبر منصته تروث سوشال على أن المسار التفاوضي لا يزال قائمًا ويشهد تطورًا ملحوظًا، مؤكدًا أن هناك "تقدمًا كبيرًا" تحقق في المحادثات الرامية إلى إنهاء العمليات العسكرية.وأوضح أن واشنطن تتواصل مع أطراف وصفها بـ"الأكثر عقلانية"، في محاولة للوصول إلى اتفاق يضع حدًا للحرب، ما يعكس استمرار الجهود الدبلوماسية بالتوازي مع التصعيد الميداني.
وفي لهجة تصعيدية، حذّر ترامب من أن الولايات المتحدة قد "تدمر تمامًا" محطات توليد الكهرباء وآبار النفط، إضافة إلى جزيرة خارك، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، مؤكدًا أن الرد سيكون انتقامًا لجنود أمريكيين قُتلوا خلال عقود سابقة.وأضاف: "إذا لم نتوصل لاتفاق فسنفجر أهدافًا حيوية لم نمسسها من قبل"، في إشارة إلى خيارات عسكرية أكثر حدة.وقال: إذا لم يُفتح مضيق هرمز على الفور، فسوف نختتم إقامتنا الممتعة في إيران بتفجير ومحو جميع محطات الطاقة وآبار النفط وجزيرة خارك وربما جميع محطات تحلية المياه!".
بنك الأهداف
وفي وقت سابق، كشف الرئيس الأمريكي ترامب أن بلاده نفذت ضربات واسعة داخل إيران، مشيرا إلى أن عدد الأهداف التي تم قصفها بلغ "13 ألف هدف في إيران"، فيما لا يزال ضمن بنك الأهداف نحو 3 آلاف موقع إضافي.
وجاءت تصريحات ترامب في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز"، حيث تطرق أيضًا إلى مسار التفاوض، مؤكدًا أن "المحادثات مع إيران عبر مبعوثين باكستانيين تسير على نحو جيد ويمكن إبرام صفقة بسرعة كبيرة"، في إشارة إلى تسارع وتيرة الاتصالات غير المباشرة.وبشأن المفاوضات، جدّد ترامب التأكيد على التقدم المحرز، قائلاً: "أستطيع القول إننا نحرز تقدما"، معربًا عن ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب، رغم إقراره بأن ذلك "من الممكن ألا يحدث" أيضًا. وأشار إلى أن الاتصالات مع طهران تجري "بشكل مباشر وغير مباشر"، دون تقديم تفاصيل إضافية.
القلب النابض للاقتصاد الإيراني
وفي إطار التصعيد، قال ترامب: "يمكننا الاستيلاء على جزيرة خارك الإيرانية بسهولة بالغة"، في تأكيد على الخيارات العسكرية المطروحة، بالتوازي مع المسار الدبلوماسي. وتُعد جزيرة خارك أحد أهم المفاصل الحيوية في الاقتصاد الإيراني، إذ تمثل الشريان الرئيسي الذي تعتمد عليه طهران في تصدير النفط وتأمين مواردها المالية وفق ''يورونيوز''.
وتُصنّف الجزيرة كالمحطة الأساسية لتصدير الخام الإيراني إلى الأسواق العالمية، حيث يمر عبرها ما بين 90% و95% من إجمالي الصادرات النفطية.كما تحتضن بنية تحتية متطورة تشمل أرصفة عملاقة قادرة على استقبال ناقلات النفط الضخمة، إلى جانب منشآت تخزين كبيرة تتيح استمرار التصدير حتى في حال تعطل بعض خطوط الإمداد البرية.
وتستمد الجزيرة أهميتها أيضا من موقعها الجغرافي الاستراتيجي في شمال الخليج العربي، على بعد نحو 25 كيلومترًا من الساحل الإيراني، ما يمنح طهران قدرة على مراقبة وتأمين خطوط الملاحة في تلك المنطقة الحساسة.

وترتبط خارك بشبكة معقدة من خطوط الأنابيب البحرية التي تنقل النفط من أبرز الحقول البرية، مثل أهواز وغشساران، ما يعزز دورها كمركز تجميع وتصدير رئيسي.وبالنظر إلى هذا الثقل الاقتصادي، عززت إيران الوجود العسكري في الجزيرة، حيث تضمّ منظومات دفاع جوي متقدمة مثل S-300 و"باور 373"، لحمايتها من أيّ هجمات محتملة.كما تُستخدم كقاعدة بحرية تنطلق منها زوارق الحرس الثوري لمراقبة التحرّكات في الخليج، ما يضفي عليها بعدا أمنيا إضافيا.
كما أوضح، في تصريحات أدلى بها للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية أثناء توجهه إلى واشنطن، أنّ إيران وافقت على السماح بمرور 20 ناقلة نفط عبر مضيق هرمز ابتداءً من صباح يوم أمس الاثنين، واصفًا ذلك بأنه "كبادرة احترام". وأضاف: "ناقلات نفط ضخمة ستعبر مضيق هرمز ".
من جهته، أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن بلاده تحظى بثقة كل من واشنطن وطهران لتهيئة الظروف المناسبة لإجراء مفاوضات بين الطرفين، معربًا عن ترحيبه "باستضافة وتمهيد الطريق لإجراء محادثات جادة بين الطرفين في الأيام المقبلة، بهدف التوصل إلى حل شامل ودائم للنزاع القائم".
إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام المقاتلات الأمريكية
أعلنت الحكومة الإسبانية إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المرتبطة بالهجمات التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ 28 فيفري الماضي.
وبحسب ما أوردته صحيفة "إل باييس" أمس الاثنين، وهو ما أكدته لاحقًا مصادر في وزارة الدفاع عبر وكالة الأنباء الرسمية "إي أف أي"، فإن القرار يأتي ضمن موقف مدريد الرافض للحرب.وكانت السلطات الإسبانية قد اتخذت في وقت سابق إجراءات مماثلة، من خلال حظر استخدام القوات الأمريكية لقاعدتي روتا في قادس ومورون دي لا فرونتيرا في إشبيلية، سواء البحرية أو الجوية.وفي سياق تبنيها موقفًا واضحًا ضد النزاع، صعّدت إسبانيا خطواتها عبر إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الأمريكية.كما أشارت التقارير إلى أن واشنطن دخلت في مشاورات مع مدريد عقب القرار، قبل أن تتراجع عن خطة نشر قاذفات B-52 وB-1 في قاعدة مورون دي لا فرونتيرا الإسبانية.

ويستثني القرار حالات الطوارئ فقط، حيث يمكن السماح للطائرات الأمريكية بالعبور أو الهبوط عند الضرورة.وفي المقابل، تواصل الطائرات الأمريكية، أثناء عودتها من إيران، التحليق عبر مضيق جبل طارق الخاضع للسيادة البريطانية، دون المرور عبر الأجواء الإسبانية.
وقالت وزيرة الدفاع الإسباني مارغريتا روبليس للصحفيين: "تم توضيح هذا الأمر بشكل تام للجيش الأمريكي وقواته منذ البداية".وأضافت: "لذلك، لا يُسمح باستخدام القواعد، وبالتأكيد لا يُسمح باستخدام المجال الجوي الإسباني لأي أعمال تتعلق بالحرب في إيران".وتابعت قائلةً: "أعتقد أن الجميع يعرف موقف إسبانيا. إنه واضح جدًا"، واصفةً الحرب بأنها "غير قانونية بشكل عميق وغير عادلة بشكل عميق".
بدوره، قال وزير الاقتصاد كارلوس كويربو خلال مقابلة مع إذاعة كادينا سير ردا على سؤال حول ما إذا كان قرار إغلاق المجال الجوي الإسباني ربما يؤدي إلى تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة: "هذا القرار جزء من القرار الذي اتخذته الحكومة الإسبانية بالفعل بعدم المشاركة أو المساهمة في حرب بدأت من جانب واحد وبما يخالف القانون الدولي".
وتُعد حكومة إسبانيا اليسارية بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الصوت الأوروبي الأكثر انتقادًا للحرب على إيران التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل".
الموقف الإسباني
ومنذ بداية الحرب، عبّر سانشيز عن رفض بلاده بشكل فوري، واصفًا الهجمات بأنها "تجاوز خطير للشرعية الدولية". كما بادرت مدريد إلى استدعاء سفيرها من تل أبيب للتشاور، في خطوة دبلوماسية تعكس اعتراضها على التصعيد.
وتزامن ذلك مع خروج تظاهرات حاشدة في مدينتي مدريد وبرشلونة تحت شعار "لا للحرب"، ما وفر دعمًا شعبيًا واضحًا لموقف الحكومة.ومع استمرار العمليات العسكرية، اتخذت إسبانيا إجراءات عملية على الأرض، حيث رفضت وزارة الدفاع الإسبانية تقديم أي دعم لوجستي أو استخباراتي للولايات المتحدة أو إسرائيل، مؤكدة تمسكها بموقفها الرافض للحرب.

وعلى مستوى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قادت مدريد توجهًا يعارض انخراط الحلف في نزاع لا يندرج ضمن مهامه الدفاعية، مشددة على أن مبدأ الدفاع المشترك لا ينطبق على مثل هذه العمليات الهجومية.وتبرر الحكومة الإسبانية موقفها بضرورة الالتزام بالقانون الدولي ورفض أي عمل عسكري لا يحظى بتفويض من مجلس الأمن.
كما تعكس هذه السياسة مخاوف متزايدة من تداعيات الحرب على أمن الطاقة وارتفاع أسعار الغاز، إلى جانب اعتبارات داخلية مرتبطة بتوازنات الائتلاف الحاكم، الذي يضم قوى سياسية تعارض التدخلات العسكرية في الشرق الأوسط.

المشاركة في هذا المقال