Print this page

وساطات دولية متسارعة ..أطراف جديدة على خط الأزمة... وسيناريو عملية برية أمريكية في الواجهة

يقف الشرق الأوسط، بعد شهر من الانفجار العسكري

في الثامن والعشرين من فيفري، أمام منعطف استراتيجي هو الأكثر خطورة منذ عقود. فالمواجهة التي بدأت ثنائية بين واشنطن وطهران سرعان ما تحولت إلى 'حرب ساحات' أعادت صياغة توازنات القوة في الإقليم، بدءاً من مضيق هرمز الذي هزّ أسواق الطاقة، وصولاً إلى دخول 'خيار التوغل البري' الأمريكي في جزيرة خارك دائرة التنفيذ المحتمل.
يقدم هذا الملف حوصلة للمشهد المعقد عبر ثلاثة مسارات متوازية: مسار عسكري تقوده البنتاغون لاستعادة الردع بضربات نوعية، ومسار دبلوماسي تقوده باكستان عبر اجتماع رباعي يضم قوى وازنة مثل مصر والسعودية وتركيا في محاولة أخيرة لاحتواء الانفجار، ومسار إعلامي يشهد صراعاً حاداً في السرديات بين المفاوضات البنّاءة التي تروج لها واشنطن وتبادل الرسائل الذي تكتفي به طهران. هي جردة حساب لشهر من النار، واستشراف لمرحلة ضبابية تتأرجح بين تسوية قسرية أو انزلاق نحو فوضى شاملة.
صراع إقليمي وتعدد الجبهات
بعد مرور شهر على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 فيفري، تبدو الحرب وقد تجاوزت إطارها الثنائي لتتحول إلى صراع إقليمي متعدد الساحات. فقد توسعت رقعة العمليات سريعا مع استهداف طهران مواقع في دول الخليج مرتبطة بالمصالح الأمريكية، تزامنا مع انخراط أطراف حليفة لها مثل حزب الله في لبنان وفصائل عراقية، وصولا إلى دخول الحوثيين مؤخرا على خط المواجهة. ولم يقتصر التصعيد على الجانب العسكري، بل امتد ليشمل حربا إعلامية مكثفة وتنافسا في السرديات، إلى جانب ضغوط اقتصادية حادة، خاصة بعد إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز أمام سفن تعتبرها مرتبطة بخصومها، ما انعكس بشكل مباشر على حركة التجارة وأسواق الطاقة العالمية.
ورغم استمرار العمليات دون مؤشرات حاسمة على قرب انتهائها، بدأ الحديث يتزايد عن إمكانية فتح قنوات سياسية لاحتواء التصعيد. ففي حين تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تقدم في "مفاوضات بنّاءة" وطرح تصورا يتضمن عدة بنود لإنهاء الأزمة، تنفي طهران وجود مفاوضات مباشرة، مؤكدة أن ما يجري لا يتعدى تبادل رسائل عبر وسطاء. ويعكس هذا التباين في توصيف الحراك الدبلوماسي عمق الفجوة بين الطرفين، ففي وقت برزت فيه باكستان كوسيط محتمل يسعى لتقريب وجهات النظر. ظهرت في الواجهة ايضا سيناريوهات عملية برية أمريكية محتملة في ايران .مما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الضبابية بين تسوية مرجوة وحرب قد تتسع رقعتها واساليبها ايضا.

عملية برية
في ظل المعطيات المتسربة من دوائر القرار الأمريكية، تتصدر احتمالات العملية البرية المحدودة داخل إيران واجهة المشهد العسكري، باعتبارها الخيار الأكثر حساسية في هذه المرحلة من التصعيد. ووفق ما نقلته تقارير إعلامية عن مسؤولين أمريكيين، فإن وزارة الدفاع تستعد لعمليات قد تمتد لأسابيع، دون أن تصل إلى مستوى الغزو الشامل، ما يشير إلى نمط عملياتي قائم على الضربات النوعية والتوغل المحدود، بهدف تحقيق أهداف محددة دون الانخراط في حرب طويلة ومكلفة.
ووفق صحيفة "واشنطن بوست" فإن هذا التوجه يعكس محاولة أمريكية لإعادة ضبط ميزان الردع ميدانيا عبر الضغط المباشر داخل العمق الإيراني، مع تجنب سيناريوهات التوسع غير المحسوب. غير أن هذا الخيار، رغم محدوديته المعلنة يحمل في طياته مخاطر تصعيد كبيرة، خصوصا إذا ما قوبل برد إيراني مباشر أو عبر الأذرع الإقليمية.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين لم تسمهم أن وزارة الحرب (البنتاغون) تستعد لشن عملية برية محتملة في إيران، قد تهدف لاحتلال جزيرة خارك الإيرانية.
وقالت الصحيفة إن العملية التي تجري دراستها قد تستغرق شهرين ولن تكون غزوا شاملا، وربما تقتصر على هجمات مشتركة لقوات العمليات الخاصة ووحدات المشاة.
ومن الأهداف المحتملة للعملية -حسب ما نقلته الجزيرة - السيطرة على جزيرة خارك التي يجري تصدير 90% من النفط الإيراني منها، والتي تمنح طهران أيضا قدرة على وقف الملاحة بمضيق هرمز.
كما تهدف العملية -وفق الصحيفة الأمريكية- إلى تدمير الأسلحة الإيرانية الموجودة على الساحل الإيراني، والتي سبق أن أعلن الرئيس دونالد ترمب تدميرها بشكل كامل.
وتحدثت الصحيفة عن المخاطر التي سيواجهها الجنود الأمريكيون خلال تنفيذ العملية، في حين قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن البنتاغون يضع خيارات أمام الرئيس، وإن هذه الاستعدادات لا تعني أن الرئيس اتخذ قرارا.
وكان ترمب قال في وقت سابق إنه لم يتخذ قرار التدخل البري في إيران بعد، وإنه لن يبلغ أحدا في حال قرر الإقدام على هذه الخطوة.كما قال وزير خارجيته ماركو روبيو لنظرائه في مجموعة السبع إن الولايات المتحدة لا تخطط لأي عمل بري في إيران.
تنامى خطر اتساع رقعة الحرب الإيرانية بعد أن شن الحوثيون في اليمن، المتحالفون مع إيران، أمس الاول أول هجماتهم على إسرائيل منذ اندلاع الصراع، في الوقت الذي وصلت فيه قوات أمريكية إضافية إلى الشرق الأوسط.
وأرسلت واشنطن آلاف من مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط. وقال الجيش الأمريكي أمس الأول إن أول فرقتين وصلتا يوم الجمعة على متن سفينة هجومية برمائية.
اجتماع رباعي
تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا متسارعًا يترافق مع حراك دبلوماسي مكثف على المستويين الإقليمي والدولي، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاقها إلى مواجهة أوسع. وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن الاجتماع الرباعي ،الذي انعقد مساء أمس، وتقوده باكستان بمشاركة قوى إقليمية فاعلة، في مسعى لتنسيق المواقف وفتح قنوات تهدئة محتملة. ويأتي هذا التحرك بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية وتعدد جبهات الصراع، ما يعكس تعقيد المشهد وتشابك مصالح الأطراف المعنية. وبينما تسعى بعض الدول إلى فرض مسارات تفاوضية، لا تزال الحسابات الميدانية والتوازنات الاستراتيجية تلقي بظلالها على فرص التهدئة، ما يجعل المشهد مفتوحًا على سيناريوهات متعددة تتراوح بين الاحتواء التدريجي أو مزيد من التصعيد.
وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الباكستاني إسحاق دار، امس الأحد، مساعي خفض التصعيد وتشجيع مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك قُبيل اجتماع وزاري رباعي مرتقب بين وزراء خارجية مصر، وباكستان، والسعودية وتركيا في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
وذكر بيان للخارجية المصرية أعقب اللقاء، أن عبد العاطي شدد خلال اللقاء على ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف، مؤكداً أن "مسار التهدئة وخفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية، يمثّل السبيل الوحيد لاحتواء الأزمة الراهنة".
وأعرب الوزير المصري عن أمله أن تُسفر الجهود المشتركة إلى خفض التصعيد وإنهاء الحرب، بهدف تجنيب الإقليم "الانزلاق لفوضى شاملة وتداعياتها الوخيمة على الاقتصاد العالمي".
تصعيد ميداني
في هذا السياق، جاء الهجوم الصاروخي الإيراني على جنوب الاراضي المحتلة، وتفعيل صفارات الإنذار في ديمونة، كجزء من نمط رد محسوب يعكس قدرة طهران على إيصال رسائل عسكرية دون تجاوز عتبة المواجهة الشاملة، حيث أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي سقوط الصواريخ في مناطق مفتوحة. ووفق مراقبين هذا السلوك يعني أن إيران لا تزال توازن بين التصعيد والاحتواء مع إبقاء خياراتها مفتوحة.
على الجبهة اللبنانية، تتواصل وتيرة الاشتباك بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث أعلن الأخير مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان، بالتزامن مع تنفيذ الحزب هجمات استهدفت مواقع عسكرية في شمال الاراضي المحتلة. في المقابل كثف الاحتلال الإسرائيلي غاراته على مناطق الجنوب والبقاع، ما يعكس حالة اشتباك مستمر قابل للتوسع خاصة في ظل تكرار الضربات وتداخل نطاق العمليات.
استهداف الجامعات
أما على مستوى الخطاب العسكري، فقد برز إعلان الحرس الثوري الإيراني اعتبار الجامعات الأمريكية والإسرائيلية "أهدافا مشروعة"، بعد استهداف جامعتين في طهران، كمؤشر على تحول محتمل في طبيعة الأهداف ضمن هذا الصراع. هذا التصريح يفتح الباب أمام توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مؤسسات ذات طابع مدني أو شبه مدني، وهو ما قد يعيد تشكيل قواعد الاشتباك القائمة.
انصار الله على الخط
إقليميا يضيف دخول جماعة أنصار الله إلى خط المواجهة بعدا إضافيا مع تأكيدها استمرار العمليات خلال الأيام المقبلة. هذا التطور يعزز من فرضية تعدد الجبهات، ويزيد من تعقيد المشهد العسكري سواء من حيث الانتشار الجغرافي أو طبيعة الأهداف المحتملة.
في المحصلة، تشير هذه التطورات إلى أن الصراع يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدا، عنوانها عمليات محدودة عالية التأثير، وتوسع جغرافي مدروس، ضمن توازن دقيق بين التصعيد ومحاولات الاحتواء، مع بقاء احتمالات الانفلات قائمة في حال تغيرت قواعد الاشتباك بشكل مفاجئ.
وأعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عن الهجوم بما قالت إنها صواريخ مجنحة وباليستية على إسرائيل.

 

موقف ايراني
من جهته قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إن طهران سترد بقوة إذا تم استهداف البنية التحتية والاقتصاد في إيران.
وكتب بزشكيان، على حسابه الرسمي عبر منصة "إكس"، تويتر سابقا: "لقد قلنا مرارا وتكرارا إن إيران لا تشن هجمات استباقية، لكننا سنرد بقوة إذا استُهدفت بنيتنا التحتية أو مراكزنا الاقتصادية".
وفي رسالة وجهها إلى "دول المنطقة"، أضاف الرئيس الإيراني: "إذا كنتم تريدون التنمية والأمن، فلا تدعوا أعداءنا يديرون الحرب من أراضيكم"، حسب قوله.
وكان الحرس الثوري الإيراني أصدر بيانا، طالب فيه المدنيين في دول المنطقة بمغادرة المناطق التي تتمركز فيها القوات الأمريكية، بشكل عاجل وفوري، حسبما أفادت وكالة "فارس" شبه الرسمية الإيرانية للأنباء، الجمعة.
وقالت وكالة "فارس" نقلا عن بيان الحرس الثوري: "تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل استخدام الأبرياء دروعا بشرية. وبما أن واجبنا يقتضي استهداف القوات الإرهابية الأمريكية، فإننا وحرصاً على سلامتكم نهيب بكم بترك الأماكن المجاورة لمواقع تموضعهم بشكل فوري حتى لا يلحق بكم أي أذى".
فعالية احتجاجية في أمريكا ضد ترامب

من جهة اخرى شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن، وعشرات الولايات الأمريكية، مظاهرات "لا للملوك" المناهضة للرئيس دونالد ترامب، وركّز المشاركون على ثلاثة أسباب رئيسية لتظاهرهم، هي رفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، ورفض سياسات ترامب الداخلية ضد المهاجرين، والاعتراض على ارتفاع تكاليف المعيشة.
وشارك المتظاهرون، في أكثر من 3200 فعالية في مختلف الولايات الأمريكية، وقدّر المنظمون أن الأعداد بلغت 7 ملايين شخص، معتبرين أنها أكبر تجمع سلمي في يوم واحد في تاريخ البلاد. وتعد هذه الفعالية الثالثة منذ تنصيب الرئيس ترامب التي تحمل شعار "لا للملوك"، حيث شارك الملايين في فعاليتين عُقدتا العام الماضي ضد سياسات الهجرة لإدارة ترامب وضد سياساته المتعلقة بحقوق المواطنين وإغلاق مؤسسات ووظائف فيدرالية.
وفي العاصمة واشنطن، شارك آلاف الناشطين في عدة فعاليات، تحركت إحداها من ولاية فيرجينيا إلى العاصمة واشنطن التي تقع في مقاطعة كولومبيا، بينما نظم ناشطون مسيرة أخرى إلى مقر إقامة عدد من أعضاء إدارة ترامب، بينهم مستشاره ستيفن ميلر ووزير الحرب بيت هيغسيث ووزيرة العدل بام بوندي، للمطالبة بإنهاء تواجد الحرس الوطني في واشنطن والقوات الفيدرالية، وإقالة ستيفن ميلر. كما توجهت مسيرة ثالثة إلى مقر إدارة إنفاذ قوانين الهجرة اعتراضاً على سياساتها ضد المهاجرين، فيما انطلقت مسيرة رابعة إلى مبنى الكونغرس، إضافة إلى مسيرات متفرقة في ولايتي ميريلاند وفيرجينيا.
وشهدت مدن في ولايات كاليفورنيا ونيويورك وماساتشوستس وفيرمونت وميشيغان ومينيسوتا مسيرات حاشدة في عدد من المدن الكبرى والضواحي والبلدات الصغيرة، إلى جانب عروض موسيقية وهتافات ضد ترامب. وشارك أعضاء في الكونغرس ومسؤولون محليون وناشطون وفنانون في هذه الفعاليات.
فصائل عراقية تعلن استهداف "مواقع أمريكية"
أعلنت جماعات عراقية مسلحة حليفة لطهران، تنفيذ عمليات قصف جديدة بواسطة طائرات مسيرة، قالت إنها استهدفت مواقع أمريكية في عدد من دول المنطقة، من دون أن تسميها، وسط تأكيدات أمنية عراقية وفق "العربي الجديد"، عن استهداف هذه الجماعات الكويت والأردن وسورية خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، تزامناً مع جهود للجيش العراقي بهدف إيقاف تلك الهجمات ومنعها.
وأصدرت كل من "سرايا أولياء الدم"، والمقاومة الإسلامية"، وهما فصيلان يرتبطان بجماعة "كتائب سيد الشهداء"، و"كتائب حزب الله"، بيانين منفصلين أعلنا فيه قصف "أهداف أمريكية" في المنطقة، مع نشر لقطات مصورة لعمليات إطلاق الطائرات المسيرة الانتحارية.
من جهته، قال مسؤول أمني عراقي بارز في بغداد، وفق نفس المصدر، إن الجيش العراقي كثّف وجوده في مناطق الرطبة والقائم، وربيعة والبصرة غرب وشمال وجنوبي البلاد، لعرقلة عمليات جماعات مسلحة ضد دول مجاورة للعراق. وأضاف المسؤول العراقي، أن "الجيش بدأ الانتشار منذ يومين، بناء على توجيهات حكومية، لكن الجماعات التي تنفذ الهجمات، تستخدم غطاء الحشد الشعبي، من سيارات وهويات ومقدرات عسكرية، لذا فإن مهمة إيقافها أو منع وصولها للمناطق الحدودية تبقى شبه مستحيلة". وحول الأهداف التي تقصدها تلك الجماعات قال "نعتقد أن الكويت والأردن وسوريا، كانت هدفا لإطلاق الطائرات المسيرة، وفقاً لتقارير أمنية وصلت من وحدات ميدانية بالأنبار والبصرة ونينوى".

 

المشاركة في هذا المقال