يجد الشرق الأوسط نفسه عالقاً في "توازن هش" بين مسارات تفاوضية تنفيها طهران وتحركات عسكرية أمريكية تضع "خيار الإنزال المباشر" على الطاولة. وبينما تُسرب أروقة "البنتاغون" سيناريوهات هجومية تستهدف شريان النفط الإيراني في جزيرة "خارك" عبر قوات النخبة ، تشتعل الجبهة الشمالية بإصرار إسرائيلي على فرض منطقة أمنية جنوب الليطاني، مما يضع لبنان أمام "الخطر الوجودي".
بين إنكار المفاوضات والتحضير لسيناريوهات الاجتياح، يقف العالم مترقباً: فهل تنجح القنوات الخلفية في احتواء التصعيد، أم أن المنطقة تتجه نحو صدام مباشر يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ؟
رسائل دبلوماسية وعسكرية
ووفق مراقبين فإنّ هذا التناقض الظاهري بين الخطاب العلني للطرفين لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة العلاقات المعقدة التي حكمت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تاريخيا، حيث لطالما كانت القنوات الخلفية والوساطات غير المباشرة جزءا من إدارة الصراع.
إذ تتجاوز القضية مسألة وجود مفاوضات من عدمها، لتطرح سؤالا أكثر أهمية: من يملك زمام المبادرة في هذه المرحلة؟ فالمشهد لا تحكمه فقط إرادة واشنطن أو طهران، بل تتداخل فيه عوامل متعددة، من بينها موازين القوة على الأرض، وحسابات الردع، وحجم الانخراط الدولي فضلا عن تأثير الفاعلين الآخرين الذين باتوا يشكلون جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمي.
الولايات المتحدة من جهتها، تعمل على إعادة ضبط إيقاع حضورها في المنطقة، عبر مزيج من الضغط العسكري والتحركات الدبلوماسية. وتعكس هذه المقاربة -وفق خبراء-إدراكا متزايدا لتعقيدات المشهد، ورغبة في إدارة التوتر بدلا من تفجيره، خاصة في ظل انشغالات دولية أخرى وتغير أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
في المقابل، يرى مراقبون أن إيران تعتمد إستراتيجية تقوم على توزيع التخطيط، من خلال شبكة تحالفات إقليمية وأدوات نفوذ متعددة، ما يمنحها قدرة على المناورة والضغط غير المباشر. ويجعل هذا النهج من الصعب عزل أي تصعيد في ساحة معينة عن سياقه الإقليمي الأوسع، ويمنح طهران هامشا واسعا لفرض سياستها، سواء على طاولة التفاوض أو في الميدان.
في هذا السياق، تبدو المنطقة وكأنها تعيش حالة "توازن هش"، حيث لا توجد حرب شاملة، لكن في المقابل لا يلوح في الأفق اتفاق مستقر.ما يجعل الحديث عن مفاوضات محتملة بين واشنطن وطهران غير مختزل في التصريحات الرسمية، بل يتطلب قراءة أعمق لمسار الأحداث وتقاطعات المصالح. ويقف الشرق الأوسط عند مفترق طرق حقيقي، حيث تتقاطع احتمالات التهدئة مع مخاطر التصعيد، وتبقى جميع الأطراف في حالة ترقب حذر.
سيناريو إنزال جوي
في الأثناء تتسارع وتيرة المؤشرات على تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، مع تسريب معطيات جديدة تكشف عن نقاشات داخل أروقة وزارة الدفاع الأمريكية ''البنتاغون'' بشأن خيارات عسكرية أكثر تقدما، تتجاوز الضربات المحدودة إلى سيناريوهات تدخل ميداني مباشر.
ووفق ما أوردته ''نيويورك تايمز''، فإن مسؤولين عسكريين يدرسون إمكانية نشر وحدة إنزال جوي قوامها نحو 3 آلاف جندي، تحسبا لأي تطورات قد تستدعي تصعيدا سريعا في المواجهة مع طهران. ورغم عدم صدور أوامر تنفيذية حتى الآن، فإن مجرد طرح هذا الخيار يعكس تحوّلا في طبيعة التفكير الاستراتيجي داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.
ووفق متابعين لا يقتصر السيناريو المطروح على الانتشار الدفاعي، بل يتضمن احتمالات عمليات هجومية محددة، من بينها استهداف جزيرة "خارك"، التي تعد شريانا حيويا لصادرات النفط الإيرانية. مما يجعل أي تحرك عسكري تجاه هذه الجزيرة يحمل أبعادا تتجاوز البعد التكتيكي، ليصل إلى مستوى التأثير المباشر على الاقتصاد الإيراني وأسواق الطاقة العالمية.
وتشير المعطيات-وفق نفس الصحيفة- إلى أن الوحدة قيد الدراسة تنتمي إلى الفرقة 82 المحمولة جوا، وهي من أبرز تشكيلات التدخل السريع في الجيش الأمريكي، وغالبا ما تستخدم في العمليات التي تتطلب سرعة انتشار وقدرة على السيطرة الميدانية في بيئات معقدة. وهو مايجعل إدراج هذه الوحدة في سيناريو محتمل يعكس جدية الطرح، حتى وإن ظل في إطار التخطيط النظري حتى الآن.
بالتوازي، يجري بحث خيار آخر يعتمد على تدخل بحري عبر الفرقة البحرية 31، المنتشرة في المنطقة، والتي تتمتع بقدرات هجومية وبرمائية تتيح تنفيذ عمليات إنزال سريعة. هذا التعدد في الخيارات يعكس سعي واشنطن إلى الاحتفاظ بهوامش مرونة واسعة، تتيح لها التكيف مع تطورات الميدان دون الالتزام بمسار واحد.
ورغم أن هذه السيناريوهات لم تتحول بعد إلى قرارات سياسية، فإنها تكشف عن مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تقوم على توسيع بنك الأهداف والخيارات، مع إبقاء القرار النهائي رهناً بحسابات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع التوازنات الإقليمية والدولية.
فيما يرى البعض أن الإقدام على خطوة من هذا النوع لا يخلو من مخاطر كبيرة، إذ قد يفتح الباب أمام ردود فعل إيرانية غير تقليدية، سواء عبر استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة أو من خلال تحريك حلفائها الإقليميين. كما أن أي هجوم على منشأة حيوية مثل جزيرة ''خارك'' قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في أسواق النفط، وهو ما يضيف بعدا اقتصاديا حساسا إلى المعادلة.
وتعكس هذه التسريبات انتقال النقاش داخل واشنطن من مرحلة الردع إلى دراسة خيارات التأثير المباشر في العمق الإيراني، دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب المواجهة الشاملة. فالمشهد لا يزال محكوما بتوازن دقيق بين التصعيد المحسوب والرغبة في تجنب حرب مفتوحة، في وقت تترقب فيه المنطقة والعالم ما إذا كانت هذه الخطط ستبقى حبرا على ورق، أم تتحول إلى واقع يعيد رسم خرائط القوة في المنطقة.
خطر وجودي
من جهته قال حسن فضل الله أحد أبرز النواب عن حزب الله وفق "رويترز" امس الثلاثاء إن الجماعة ستقاتل من أجل منع القوات الإسرائيلية من احتلال جنوب لبنان، وأكد أن مثل هذا الاحتلال سيشكل "خطرا وجوديا على لبنان كدولة".
وكان وزير الحرب الإسرائيلي قال في وقت سابق امس الثلاثاء إنه أصدر تعليمات للجيش بإنشاء "منطقة أمنية" جنوب نهر الليطاني، الذي يقع على بعد حوالي 30 كيلومترا إلى الشمال من الحدود.
المجلس الأوروبي يرد على واشنطن
من جانبه قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إن الولايات المتحدة شنت للمرة الأولى حربا في الشرق الأوسط دون إبلاغ حلفائها الأوروبيين أو حلف شمال الأطلسي "الناتو".جاء ذلك في كلمة ألقاها كوستا،أمس الثلاثاء، في معهد "سيانس بو" للعلاقات الدولية في العاصمة الفرنسية باريس.
وشدد على ضرورة خفض التوتر في الشرق الأوسط، وإبداء أقصى درجات ضبط النفس، والالتزام الكامل بالقانون الدولي.كما لفت إلى أهمية أمن الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدا ضرورة احترام حرية التجارة البحرية.
وشدد المسؤول الأوروبي على أن أي تهديد لحرية التجارة البحرية "غير مقبول".وفي 2 مارس الجاري، أعلنت طهران تقييد حركة الملاحة بمضيق هرمز الاستراتيجي، عقب الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران.وفي رده على سؤال، قال كوستا إن واشنطن "صديق وحليف" لأوروبا، لكن يجب أخذ الأولويات الجيوسياسية المتغيرة في الاعتبار.
وأضاف: "لا يمكننا تجاهل أن الولايات المتحدة، في الشرق الأوسط، أي في جوارنا، شنت حربا دون إبلاغ حلفائها الأوروبيين أو الناتو مسبقا، وهذه سابقة. كما أنها تواصل ذلك دون مراعاة الآثار الجانبية على الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأوروبي وأمننا".
قطر: نرحب بأي اتصالات لإنهاء الحرب
في الأثناء رحبت قطر،أمس الثلاثاء، بأي اتصالات تهدف إلى إنهاء الحرب في المنطقة، مؤكدة في الوقت ذاته عدم انخراطها بوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.
أفاد بذلك متحدث وزارة الخارجية ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحفي، تعليقا على تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إجراء اتصالات مع إيران.وقال الأنصاري إن قطر ترحب بأي اتصالات لإنهاء الحرب بالمنطقة، مؤكدا أنها "غير منخرطة بوساطة بين واشنطن وطهران".
وأضاف أن "موقف قطر واضح بضرورة إنهاء الحرب عبر السبل الدبلوماسية"، مشددا على أن "وصول الأطراف إلى طاولة المفاوضات هو الخيار الأفضل".وتابع: "ندعم الحلول الدبلوماسية دائما، سواء عبر الاتصالات أو قنوات التواصل، وكل ما ينهي الحرب دبلوماسيا".
وشدد على أن لا جهد مباشرا لقطر في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، مشيرا إلى أنها تركز فقط على حماية البلاد.لكن متحدث الخارجية أشار إلى أن قطر تواصل اتصالاتها الإقليمية "لوقف الحرب والعدوان على بلادنا".
وقال الرئيس ترامب إن "محادثات جادة" تجري بين واشنطن وطهران، وإن الطرفين توصلا إلى "تفاهمات" بشأن 15 نقطة رئيسية تمهيداً لاتفاق محتمل.فيما نقلت تقارير، عن مصادر لم تسمها أن محادثات تجرى لعقد اجتماع خلال الأسبوع الجاري بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد في محاولة لإنهاء الحرب.
فيما نفى مسؤول إيراني صحة ما أعلنه ترامب، حيث نقلت وكالة "تسنيم" شبه الرسمية في إيران عن مسؤول فضل عدم الكشف عن هويته، قوله إن تصريحات ترامب تندرج في إطار "عملية نفسية" تهدف إلى تحسين وضع أسواق الطاقة.
موقف ايراني
من جهته قال المتحدث باسم القيادة العسكرية الإيرانية العليا، إن القوات المسلحة ستقاتل "حتى النصر التام".وبدت تصريحات اللواء علي عبد الله علي آبادي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، مرتبطة بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن وجود مفاوضات حالية بين طهران وواشنطن.
ونفت إيران أن تكون هناك أي محادثات جارية، رغم أن وزير خارجيتها يجري مباحثات مع نظرائه في المنطقة.ونقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن علي آبادي قوله إن "القوات المسلحة الإيرانية القوية فخورة ومنتصرة وثابتة في الدفاع عن وحدة إيران ، وسوف تستمر في هذا المسار حتى تحقيق النصر التام".
ولم يوضح علي آبادي ما هو "النصر التام"، ولكن يبدو أن الجيش الإيراني كان يحاول التحذير من تقديم تنازلات في أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة.