Print this page

تقرير الكوميسا 2025 أفريقيا تصنع الفارق الاستثماري ومصر تقود الكوميسا إلى أرقام قياسية

في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تباطؤًا واضحًا في تدفقات

الاستثمار الأجنبي المباشر، تبرز منطقة السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا الكوميسا وهي منظمة إقليمية تهدف إلى تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بين دولها الأعضاء وتعمل على تسهيل التبادل التجاري من خلال إزالة الحواجز الجمركية، وتشجيع الاستثمار، كاستثناء لافت، محققة قفزة غير مسبوقة في حجم الاستثمارات خلال عام 2024، وفق تقرير الاستثمار لعام 2025 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).

غير أن هذه الطفرة تطرح جملة ن الإشكاليات الجوهرية هل يعكس هذا النمو تحسنًا هيكليًا مستدامًا في اقتصادات المنطقة؟ أم أنه مجرد انتعاش ظرفي تقوده مشاريع ضخمة مركزة جغرافيًا؟ وما هو موقع دول شمال أفريقيا في هذه المعادلة؟ وهل تمثل قاطرة تنمية إقليمية أم مصدر اختلال في توزيع الاستثمارات؟

يكشف التقرير عن ارتفاع قياسي في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى دول الكوميسا، حيث بلغت نحو 65 مليار دولار خلال عام 2024، مسجلة نموًا يتجاوز 150% مقارنة بالعام السابق. هذه القفزة تكتسب أهمية خاصة في ظل تراجع الاستثمارات عالميًا، ما يعكس جاذبية متزايدة للمنطقة.
كما شهد تمويل المشاريع الدولية تضاعفًا ملحوظًا، ليصل إلى نحو 79 مليار دولار، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من إجمالي التمويل الموجه إلى القارة الأفريقية. وقد ساهمت مشاريع الاستثمار الجديدة (Greenfield) بدور أساسي في هذا الأداء، بقيمة قاربت 77 مليار دولار.
غير أن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تكشف أن هذا النمو لم يكن متوازنًا، بل تركز بشكل كبير في عدد محدود من الدول، وعلى رأسها مصر، ما يثير تساؤلات حول استدامته وعدالته.
شمال أفريقيامحرك النمو الاستثماري
يبرز التقرير بوضوح أن دول شمال أفريقيا، وخاصة مصر، لعبت دورًا محوريًا في تحقيق هذه الطفرة الاستثمارية. فقد استحوذت هذه المنطقة على الحصة الأكبر من تدفقات الاستثمار، ما جعلها بمثابة القاطرة التي دفعت أداء الكوميسا إلى مستويات قياسية.
هذا التمركز يعكس عدة عوامل، من بينها تحسن بيئة الأعمال نسبيًا، وتوفر بنية تحتية أفضل، إضافة إلى قدرة هذه الدول على استقطاب مشاريع ضخمة ذات تمويل دولي. إلا أن هذا الدور القيادي يطرح في المقابل إشكالية التفاوت الإقليمي داخل الكوميسا، حيث تبقى العديد من الدول الأخرى خارج دائرة الاستفادة الحقيقية.

تتصدر مصر المشهد الاستثماري في الكوميسا بشكل واضح، حيث استحوذت على النسبة الأكبر من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. ويرجع ذلك أساسًا إلى إطلاق وتنفيذ مشاريع عملاقة في مجالات البنية التحتية والطاقة والتطوير العمراني.
هذه المشاريع، التي تُصنف ضمن “الميغا بروجيكتس”، ساهمت بشكل حاسم في رفع إجمالي الاستثمارات في المنطقة. غير أن الاعتماد المفرط على هذا النوع من المشاريع يثير مخاوف بشأن استدامة النمو، خاصة إذا ما تراجعت وتيرة هذه الاستثمارات مستقبلاً.
كما أن التركيز على قطاعات مثل العقارات والبنية التحتية، رغم أهميتها، قد لا يحقق بالضرورة نفس الأثر في خلق فرص العمل مقارنة بالاستثمار في القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة.
ليبيا عودة حذرة إلى خارطة الاستثمار
إلى جانب مصر، يشير التقرير إلى تحسن نسبي في أداء ليبيا من حيث جذب الاستثمارات، مدفوعًا بشكل رئيسي بقطاع الطاقة. هذا التحسن يعكس بوادر استقرار نسبي، لكنه لا يزال هشًا ومحدودًا.
فالوضع السياسي والأمني في ليبيا يظل عاملًا حاسمًا في تحديد قدرتها على جذب استثمارات مستدامة. وبالتالي، فإن أي تقدم في هذا المجال يظل مرتبطًا بمدى نجاح البلاد في تحقيق استقرار طويل الأمد.

أحد أبرز ما خلص إليه التقرير هو أن الاستثمارات في الكوميسا تظل شديدة التركز، حيث تستحوذ خمس دول فقط على نحو 90% من إجمالي التدفقات. هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين دول المنطقة، ويطرح تحديًا كبيرًا أمام تحقيق تنمية متوازنة.
في هذا السياق، يبدو أن هيمنة شمال أفريقيا، رغم إيجابياتها، قد تسهم في تعميق هذا الاختلال، إذا لم تُصاحب بسياسات إقليمية تعزز توزيع الاستثمارات بشكل أكثر عدالة.
القطاعات الرائدة: بين البنية التحتية والتنمية المستدامة
يركز الاستثمار في دول شمال أفريقيا ضمن الكوميسا بشكل أساسي على قطاعات الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى التطوير العقاري. وقد شهد قطاع البناء نموًا لافتًا، مدفوعًا بالمشاريع الكبرى.
في المقابل، يكشف التقرير عن تراجع الاستثمار في قطاعات حيوية مثل الزراعة والمياه، رغم أهميتها لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة. هذا التباين يعكس خللاً في توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي الأوسع.
ضعف التكامل الإقليمي فرصة ضائعة

على الرغم من النمو القوي، يظل الاستثمار البيني داخل الكوميسا ضعيفًا للغاية، حيث لا يتجاوز نسبة ضئيلة من إجمالي المشاريع. ويعني ذلك أن دول شمال أفريقيا، رغم قوتها الاستثمارية، لا تزال مرتبطة بشكل أكبر بالاقتصاد العالمي مقارنة بارتباطها بجيرانها في القارة.
هذا الواقع يمثل فرصة ضائعة لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، الذي يمكن أن يسهم في تحقيق نمو أكثر شمولًا واستدامة.

يكشف تقرير الكوميسا لعام 2025 عن مفارقة لافتة فهي من جهة منطقة تحقق نموًا استثماريًا استثنائيًا، لكنها في الوقت ذاته تعاني من اختلالات هيكلية عميقة. وفي قلب هذه المفارقة تقف دول شمال أفريقيا، وعلى رأسها مصر، باعتبارها محرك هذا النمو من جهة، وأحد أسباب عدم توازنه من جهة أخرى.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في جذب المزيد من الاستثمارات فحسب، بل في توجيهها نحو تحقيق تنمية شاملة ومتوازنة. فهل تنجح دول شمال أفريقيا في تحويل ريادتها الاستثمارية إلى رافعة للتكامل الإقليمي؟ أم ستظل الطفرة الحالية مجرد رقم قياسي عابر في سجلات الاقتصاد؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل الكوميسا، ليس فقط كوجهة استثمارية واعدة، بل ككتلة اقتصادية قادرة على تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.

 

 

المشاركة في هذا المقال