الوطني أيام 25 و26 و27 مارس الجاري بالمنستير، على وقع أزمة داخلية عميقة تعد من أخطر ما عرفته المنظمة منذ سنوات، وعوض أن يمثل هذا الاستحقاق محطة لتجديد الهياكل وضخ دماء جديدة في شرايين العمل النقابي، تحول إلى محور جدل واسع وصراع مفتوح بين أطراف نقابية متباينة، تتنازع حول شرعيته القانونية وجدواه التنظيمية ومآلاته، وقد تصاعدت في الأسابيع الأخيرة أصوات معارضة من داخل هياكل الاتحاد، عبرت عن رفضها لما تعتبره "مؤتمرا غير قانوني"، مستندة إلى جملة من الإخلالات المتعلقة بتوقيت انعقاده وشروطه، معتبرة أن تقديم موعده قبل استكمال العهدة النيابية يمثل خرقًا صريحا للقانون الأساسي والنظام الداخلي.
لم يقتصر التنازع على البيانات والتصريحات، بل تطور إلى تحركات ميدانية ووقفات احتجاجية، إلى جانب تقديم طعون قانونية من قبل بعض الجامعات القطاعية، في خطوة تعكس حجم الاحتقان داخل المنظمة، وتعتبر هذه الأطراف إلى أن المؤتمر، في صورته الحالية، لن يكون قادرا على إفراز قيادة جديدة تعبر عن تطلعات القواعد النقابية، بل قد يكرس نفس التوازنات القائمة، وهو ما من شأنه تعميق الأزمة بدل حلها.
حسابات قانونية وطموحات متضاربة
يدخل الاتحاد أياما حاسمة تسبق انعقاد مؤتمره الوطني المقرر وسط جدل حاد حول شرعية هذا الاستحقاق وقدرته على إنقاذ المنظمة أو تعميق أزمتها، ليتحول المؤتمر المرتقب من محطة تنظيمية دورية إلى ساحة صراع مفتوحة بين مكونات نقابية متباينة الرؤى، تتجاذبها حسابات قانونية وطموحات متضاربة، أمام تصاعد الطعون المقدمة من هياكل نقابية والاحتجاجات الميدانية تقودها تنسيقيات معارضة، في ظل اتهامات بخرق القانون الأساسي والنظام الداخلي مقابل إصرار أطراف أخرى على المضي قدما في عقده باعتباره ضرورة تنظيمية لا تحتمل التأجيل، وترى أن تأجيله قد يزيد من حالة الفراغ ويعطل السير العادي للمنظمة. كما تشير هذه الأطراف إلى وجود توافقات وتحالفات واسعة بين عدد من الاتحادات الجهوية والجامعات القطاعية، تمهيدا لخوض غمار المنافسة على قيادة المرحلة القادمة، وهو ما يعكس حركية داخلية رغم حدة الخلافات.
طعون قانونية وتحديات تنظيمية
تقدمت الجامعة العامة للبريد بطعن رسمي في قانونية المؤتمر، استند إلى جملة من الإخلالات والمخالفات للأحكام المنصوص عليها في الفصلين 8 و19 من القانون الأساسي، بالإضافة إلى الفصلين 190 و220 من النظام الداخلي للاتحاد خاصة ما يتعلق بمدة العهدة النيابية وشروط عقد مؤتمر انتخابي استثنائي. وأشار الطعن إلى أن تقديم موعد المؤتمر قبل استكمال المدة القانونية يعد خرقًا واضحا، في غياب مبررات استثنائية كاستقالة جماعية أو سحب ثقة من القيادة الحالية، وهو ما قد يفتح الباب أمام إبطال نتائجه لاحقًا. كما شددت الجامعة على ضرورة احترام الأطر القانونية المنظمة للعمل النقابي، معتبرة أن أي تجاوز من شأنه أن يهدد شرعية الهياكل ويضعف ثقة القواعد النقابية. من جهته، دعا الاتحاد الجهوي للشغل بالكاف إلى تأجيل المؤتمر، معتبرا أنه يفتقد للشرعية القانونية ويأتي في ظرف داخلي دقيق يتسم بانقسام حاد داخل القيادة الوطنية. وحذّر من أن المضي في عقد المؤتمر قد يؤدي إلى مزيد تفكك الصفوف وضرب وحدة المنظمة، داعيا إلى الإعداد لمؤتمر توافقي جامع يمر عبر مراجعة جدية للنظام الداخلي وتعميق النقاش حول مضامين الإصلاح.
مراجعة دقيقة وجدية
ودعا الهيئة الإدارية الوطنية التي أقرت إنجاز المؤتمر إلى العدول عن ذلك نظرا لعدم قانونية هذا المؤتمر وشرعيته وإلى العمل على مزيد الإعداد لمؤتمر جامع عبر مراجعة دقيقة وجدية للنظام الداخلي والقانون الأساسي وتعميق النقاش حول مضامين لوائح المؤتمر. كما دعا إلى العمل على تعصير قسم الإدارة والمالية عبر منحه استقلاليته بعيدا عن كل أشكال النفوذ والتجاذبات النقابية وتكريس مبادئ الحوكمة وتعزيز الشفافية.
احتجاجات وتصعيد ميداني
هذا ونظّمت تنسيقية المعارضة النقابية الديمقراطية، أمس وقفة احتجاجية أمام المقر المركزي للاتحاد، عبّرت خلالها عن رفضها لعقد المؤتمر في صيغته الحالية. واعتبر منسق المعارضة طيب بوعائشة أن هذا المؤتمر "سيعمّق الانقسام داخل المنظمة ويضرب وحدة الحركة النقابية"، مشيرا إلى ما وصفه بسيطرة "تيار بيروقراطي" أثّر سلبا على صورة الاتحاد ومصالح منظوريه. وأكد بوعائشة أن المؤتمر المرتقب لن يفرز قيادة قادرة على إحداث تغيير حقيقي، في ظل ما اعتبره عزوفًا متزايدا عن الانخراط في المنظمة، ملوحا باللجوء إلى القضاء للطعن في شرعيته.
تحالفات انتخابية بارزة
رغم هذه الأجواء المتوترة، تتواصل الاستعدادات لعقد المؤتمر، حيث تشكلت تحالفات انتخابية بارزة إضافة إلى تشكل قائمات من بينها قائمة يقودها فاروق العياري وقائمة أخرى بقيادة عثمان الجلولي، هذا وفي إطار الإعداد للمؤتمر تم اقتراح حسان العرفاوي الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بمنوبة لرئاسة المؤتمر، في حين تم ترشيح حافظ الربعي، الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بباجة، لخطة نائب رئيس، في انتظار استكمال بقية التركيبة خلال أشغال المؤتمر. ومن المنتظر أن يحتضن المؤتمر 614 نائبا، موزعين بين 539 ممثلا عن النقابات الأساسية و75 عضوا من الهيئة الإدارية الوطنية، وهو ما يعكس حجم المشاركة. كما سجلت الترشحات للمؤتمر أرقاما غير مسبوقة، حيث بلغ عدد المترشحين 92 مترشحا، موزعين بين مختلف الهياكل القيادية، من بينهم حوالي 46 مترشحا للمكتب التنفيذي الوطني و25 مترشحا لهيئة النظام الداخلي و21 مترشحا لهيئة المراقبة المالية.
يبقى مؤتمر مارس 2026 لحظة مفصلية ستحدد مستقبل الاتحاد بين خيار التوافق وإعادة ترتيب البيت الداخلي، أو مزيد الانقسام والصراعات الداخلية، علما وأنه سيتم في اليوم الأول أي غدا الأربعاء انتخاب رئيس المؤتمر ونائبيه والمقررين وتشكيل لجان المؤتمر، لجنة فحص النيابات وفرز الأصوات ولجنة اللائحة العامة ولجنة اللائحة المهنية ولجنة اللائحة الداخلية ولجنة الصراع العربي الصهيوني إلى جانب تلاوة التقريرين الأدبي والمالي وعرض مشروع إعادة الهيكلة.