خطيراً مع تحول المواجهات العسكرية إلى حرب متعددة الجبهات تضع أمن الطاقة العالمي في دائرة الاستهداف المباشر. في وقت يتصاعد فيه خطر تحول الجنوب اللبناني إلى جبهة مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.
يتناول هذا الملف أبعاد التصعيد الراهن، بدءاً من العدوان البري الإسرائيلي في جنوب لبنان، وصولاً إلى التهديدات المحيطة بمضيق هرمز وجزيرة خارك. إضافة الى استعراض المواقف الدولية المتباينة تجاه دعوات واشنطن لتأمين الممرات البحرية الحيوية في ظل انسداد أفق الحل السياسي.
صراع الطاقة
لم يعد المشهد العسكري في الشرق الأوسط مجرد سلسلة من الضربات المتبادلة، بل تحول إلى مساحة اختبار حقيقية لقدرة الأطراف المتصارعة على إدارة حرب متعددة الجبهات، تمتد من المدن الكبرى إلى أهم الممرات البحرية في العالم. ومع دخول المواجهة يومها الثامن عشر، تبدو ملامح صراع أوسع في طور التشكل.. صراع تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع حسابات الطاقة والاقتصاد العالمي.
ففي وقت تتزايد فيه وتيرة الانفجارات في مدن مثل طهران وتل أبيب وبيروت، كانت الرسائل السياسية والعسكرية تتقاطع بسرعة لافتة. ووفق مراقبين فالهجمات الصاروخية التي طالت الداخل الإسرائيلي، لم تكن مجرد رد عسكري تقليدي، بل جزء من محاولة توسيع نطاق الضغط وإظهار القدرة على فتح أكثر من جبهة في وقت واحد.
ووفق مراقبين فإنّ التطور الأكثر حساسية كان التوتر المتصاعد حول "مضيق هرمز" أعاد إلى الواجهة المخاوف القديمة المرتبطة بأمن الطاقة العالمي. إذ دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدول المستفيدة من المضيق إلى المشاركة في تأمينه، حيث بدا واضحا أنّ واشنطن لا تنظر إلى المواجهة فقط كصراع عسكري، بل كمعركة تتعلق أيضا بضمان استمرار تدفق النفط عبر واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
من جهتها، لم تتأخر طهران في الرد سياسيا، حيث حذر الحرس الثوري الإيراني من أن استهداف ''جزيرة خارك'' قد يفرض "معادلة جديدة" في أسعار الطاقة ، وهو ما اعتبر محللون أنه لم يكن مجرد تهديد إعلامي. فالجزيرة تمثل نقطة محورية في شبكة تصدير النفط الإيراني، وأي تصعيد حولها قد يدفع بأسواق الطاقة إلى مرحلة من التقلبات الحادة، وهو سيناريو يدرك العالم حساسيته في ظل اقتصاد عالمي هش.
جبهة لبنان تشتعل
في الوقت ذاته، عادت الجبهة اللبنانية لتتحرك بوتيرة متسارعة مع اشتداد الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت، إضافة إلى بلدات جنوبية مثل الخيام وبنت جبيل، مما يعكس محاولة الاحتلال تقليص هامش المناورة أمام القوى المتحالفة مع إيران. غير أنّ هذه الضربات تحمل في طياتها خطرا دائما يتمثل في احتمال تحول الجنوب اللبناني إلى جبهة مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.
أما في الخليج، فقد أظهرت المواقف الصادرة عن قطر والسعودية إدانة واضحة للهجمات التي استهدفت دول المنطقة. وبينما تحاول دول الخليج تجنب الانزلاق المباشر إلى الصراع، فإن استمرار التوتر في محيطها الاستراتيجي يضعها أمام معادلة دقيقة وهي حماية أمنها الداخلي من جهة، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة من جهة أخرى.
عملية برية
ميدانيا توغلت ''إسرائيل'' في مناطق جديدة من جنوب لبنان أمس الاثنين، ونشرت قوات لاستهداف مواقع حزب الله في إطار تصعيد عدوانها.
وقال المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي في إفادة صحفية إن الجنود موجودون في "مواقع جديدة لم تكن قواتنا تعمل فيها أمس".
ووصف أحدث عمليات برية بأنها "محدودة وموجهة"، ورفض تحديد إلى أي مدى توغلت القوات الإسرائيلية داخل لبنان أو ما إذا كانت ستتمركز في مواقع جديدة.
وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي سيطر على خمسة مواقع في جنوب لبنان منذ اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله في نوفمبر 2024، أرسل قوات إضافية إلى لبنان بعدما أطلقت الجماعة وابلا من الصواريخ في الثاني من مارس مما جر لبنان إلى حرب إقليمية متصاعدة.
وقال حزب الله إنه يشن هجمات ردا على قتل الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في 28 فيفري، في أول أيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وردت إسرائيل بحملة قصف مكثفة على لبنان وفق الاناضول. وقتل أكثر من 800 شخص في لبنان، ونزح ما يربو على 800 ألف معظمهم من الجنوب ومن مناطق قريبة من العاصمة بيروت.
وقالت مصادر أمنية لبنانية وفق ''رويترز'' إن قوات إسرائيلية حاصرت في مطلع الأسبوع بلدة الخيام الإستراتيجية في جنوب لبنان والتي تقع على بعد حوالي ستة كيلومترات شمال الحدود.
ردود فعل دولية
ودعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع الأسبوع دولا حليفة إلى المساعدة في تأمين مضيق هرمز، في وقت تواصل فيه القوات الإيرانية هجماتها على الممر المائي الحيوي وسط استمرار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران للأسبوع الثالث. وقال ترامب إن إدارته تواصلت بالفعل مع سبع دول، لكنه لم يكشف عنها. وفي منشور سابق على وسائل التواصل الاجتماعي، عبر عن أمله في أن تشارك الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا ودول أخرى في هذه الجهود.
وأغلقت إيران فعليا المضيق، وهو ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عمان، مما أدى إلى تعطل 20 بالمائة من إمدادات النفط العالمية في أكبر اضطراب من نوعه على الإطلاق.
وذكرت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي أمس الاثنين أنّ اليابان لا تعتزم حاليا إرسال سفن حربية لمرافقة السفن في الشرق الأوسط.وقالت تاكايتشي أمام البرلمان "لم نتخذ أي قرارات على الإطلاق بشأن إرسال سفن مرافقة. ونواصل بحث ما يمكن أن تفعله اليابان بشكل مستقل وما يمكن فعله في الإطار القانوني".وستسافر تاكايتشي إلى واشنطن هذا الأسبوع لإجراء محادثات مع ترامب قالت إنها ستتناول الحرب مع إيران.
وذكرت الوزيرة كاثرين كينغ امس الاثنين أن أستراليا لن ترسل سفنا حربية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.وقالت كينغ، العضو في حكومة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، في مقابلة مع هيئة الإذاعة الأسترالية "لن نرسل أي سفينة إلى مضيق هرمز. ندرك مدى أهمية ذلك، لكن هذا ليس شيئا طُلب منا أو سنشارك فيه".
كما قال مكتب الرئاسة في كوريا الجنوبية أمس الاول الأحد "سنتواصل عن كثب مع الولايات المتحدة بشأن هذه المسألة وسنتخذ قرارا بعد مراجعة دقيقة".
وبموجب الدستور في البلاد، يتطلب نشر قوات في الخارج موافقة البرلمان، وقالت شخصيات معارضة إن أي إرسال لسفن حربية إلى المضيق سيتطلب موافقة من السلطة التشريعية.
وقالت متحدثة باسم داونينغ ستريت أمس الأول الأحد إن رئيس الوزراء كير ستارمر ناقش مع ترامب الحاجة إلى إعادة فتح المضيق لإنهاء الاضطرابات التي لحقت بحركة الملاحة البحرية العالمية.وأضافت المتحدثة أن ستارمر تواصل أيضا مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، واتفقا على مواصلة المحادثات بشأن الصراع في الشرق الأوسط في اجتماع يعقد اليوم الاثنين.
وقال دبلوماسيون ومسؤولون إن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سيناقشون امس الاثنين دعم بعثة بحرية صغيرة في الشرق الأوسط، لكن من غير المتوقع التطرق إلى توسيع مهامها لتشمل المضيق المغلق.وأُنشئت بعثة أسبيدس التابعة للاتحاد الأوروبي في عام 2024 لحماية السفن من هجمات الحوثيين اليمنيين في البحر الأحمر.
وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أمس الأول الأحد إن بعثة أسبيدس، التي سُميت على اسم الكلمة اليونانية التي تعني "دروع"، لم تكن فعالة حتى في تنفيذ مهمتها الحالية.وذكر فاديفول في مقابلة مع تلفزيون إيه.آر.دي الألماني "لهذا السبب فأنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن".
إيران تعلن إسقاط مسيرتين أمريكية إسرائيلية
من جهتها أعلنت إيران إسقاط طائرتين مسيرتين، الأولى أمريكية من طراز "هرميس" والثانية إسرائيلية من طراز "هيرون"، في سماء العاصمة طهران ومحافظة بوشهر مساء أمس الأول الأحد.
وأفادت وكالة "فارس" شبه الرسمية امس الاثنين، أن الحرس الثوري الإيراني أعلن إسقاط طائرتين بدون طيار ليلة أمس.
وأوضحت أن إحدى المسيرتين أسقطت فوق العاصمة طهران، والأخرى في محافظة بوشهر جنوبي البلاد.وكانت القوات الإيرانية أعلنت سابقا أن الدفاعات الجوية أسقطت بحلول 11 مارس 104 طائرات أمريكية إسرائيلية مسيرة، من طرازات هيرميس وهيرون وأوربيتر و"إم كيو 9".
خيارات الاتحاد الأوروبي
في الأثناء قال الاتحاد الأوروبي أمس الاثنين إنه سيدرس كيفية المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحا في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والسلع خلال الأسبوع الثالث من الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وقالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي قبل اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الـ27 في بروكسل أمس الاثنين" من مصلحتنا إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، ولذلك نحن نناقش ما يمكننا أن نفعله تجاه هذا الشأن من الجانب الأوروبي".وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد طلب من الحلفاء - من بينها فرنسا والصين واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا- المساعدة في تأمين المضيق من أجل الشحن العالمي.
وأضاف كالاس أنّ الاتحاد الأوروبي يمكن أنّ يمدّد مهمّة اسبيديس البحرية لحماية الشحن في البحر الأحمر عبر الخليج، أو قد يشكل " ائتلاف الراغبين" مع الدول الأعضاء.ويذكر أنّ الحرب في إيران، التي اندلعت في 28 فيفري الماضي بشن هجمات جوية إسرائيلية-أمريكية ، رفعت أسعار الطاقة في أنحاء العالم، حيث ارتفع خام برنت بأكثر من 40%. ولكن الصراع عرقل أيضا سلاسل الإمداد العالمية الأوسع نطاقا بخلاف النفط، ليؤثر على كل شيء من المنتجات الدوائية من الهند وأشباه الموصلات من آسيا والمنتجات المشتقة من النفط مثل الأسمدة التي تأتي من الشرق الأوسط.
جهود لوقف التصعيد بالمنطقة
من جانبها أكد سلطان عمان، هيثم بن طارق، ووزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، امس الاثنين، على أهمية توحيد الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوتر وتهدئة الأوضاع، والعمل على وقف التصعيد بالمنطقة.
وأفادت وكالة الأنباء العمانية،أمس الاثنين بأن السلطان هيثم بن طارق استقبل عبد العاطي، بقصر البركة العامر في العاصمة مسقط، دون تحديد مدة الزيارة.
وجرى خلال اللقاء "استعراض مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة والتأكيد على أهمية توحيد الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوتر وتهدئة الأوضاع، والعمل على وقف التصعيد، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي".وهذه ثالث محطة للوزير المصري في جولة على بلدان عربية غير محددة المدة بدأت الأحد بقطر والإمارات.