Print this page

الحرب الثانية على إيران وإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية (2)

أصبح مضيق هرمز -باعتباره نقطة عبور استراتيجية

للملاحة الدولية يمر عبره 20 بالمئة من تدفقات النفط العالمية- حديث الساعة؛ وذلك في ضوء المواقف الإيرانية وتصريحات الرئيس ترامب، وتذبذب أسعار النفط. ويُلاحظ أن من أبرز تصريحات ترامب حديثه عن مساعي حل مشكلة الارتفاعات المتتالية لتأمين السفن وتطبيق بوالص تأمين جديدة. إذ وعد بوضع نظم تأمين مدعومة من "هيئة المعونة الأمريكية" بحجم 20 مليار دولار، مع احتمالات توفير مرافقة من البحرية الأمريكية لناقلات النفط والغاز. كما صرح ترامب بأنه قد يلجأ لاستخدام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي للمساعدة في خفض أسعار النفط التي تثير قلق قطاعات واسعة في الولايات المتحدة جراء ارتفاع تكلفة المعيشة.

ويبدو أن ترامب وجد في تصريح بوتين بشأن استعداده للعمل مع الأوروبيين بخصوص إمدادات النفط والغاز مدخلاً مناسباً لبدء الحديث عن إمكانية منح النفط الروسي مزيداً من الاستثناءات. وجاء ذلك بعد أن منحت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً للهند لمدة 30 يوماً لتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات البترولية الروسية المُحملة على السفن اعتباراً من 5 مارس 2026. وتحول التوجه الترامبي إلى واقع ملموس حين أصدرت وزارة الخزانة في 13 مارس تصريحاً مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي "العالق في البحر" لتوسيع نطاق الإمدادات. وهو قرار يصب في مصلحة الاقتصاد الروسي الذي يعاني جراء العقوبات وتأثيرها على العائدات. علماً بأن وكالة "بلومبيرغ" كانت قد نشرت خبراً في 25 فيفري الماضي -أي قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب الثانية على إيران- يفيد بنية روسيا خفض توقعات النمو لهذا العام، ودراسة خفض سعر النفط في الموازنة إلى ما بين 45 و50 دولاراً للبرميل.
وفي سياق موازٍ، وفي ظل تعطل جزء كبير من الصادرات النفطية العراقية عبر الخليج، تناولت وسائل الإعلام تصريحات لمسؤولي قطاع النفط العراقي تشير إلى أن وزارة النفط طلبت من حكومة إقليم كردستان الموافقة على ضخ ما لا يقل عن 100 ألف برميل يومياً من نفط كركوك عبر خط الأنابيب إلى ميناء جيهان التركي. ويبدو أن القلق من تراجع الإنتاج والصادرات يمثل ضغطاً مباشراً على الموازنة العراقية، بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد على مبيعات النفط الخام التي تشكل نحو 90 بالمئة من دخل الدولة؛ حيث تراجع الإنتاج العراقي بنحو 70بالمئة، ويُعد العراق من أبرز المتضررين من هذه الحرب نظراً لمرور أغلب صادراته عبر مضيق هرمز.
كما يُلاحظ أن الهند تتحسب هي الأخرى لنقص الإمدادات واستمرار اضطرابات السوق، حيث قامت شركات التكرير الهندية بشراء نحو 30 مليون برميل من شحنات النفط الروسي مستفيدة من الإعفاء الأمريكي. ويظل المرور عبر مضيق هرمز أولوية قصوى للاقتصاد الهندي الذي يستورد نحو 90 بالمئة من احتياجاته النفطية، يمر نصفها عبر المضيق.
تأسيساً على هذه التحديات، يمكن القول إنه بالرغم من السياسات الدافعة نحو "التحول الطاقي" والبحث عن مصادر بديلة، فإن الأحداث الجارية تبرز بقوة دور النفط كضامن رئيسي لاستقرار الأسواق وفقاً لوجهة نظر مراقبين ومراكز فكر؛ خاصة وأن الفترة التي سبقت إعلان الحرب قد شهدت ضغوطاً مكثفة على قطاع النفط الإيراني وتشديداً للعقوبات، مما أسفر عن ارتفاع كميات النفط المخزنة في الناقلات العائمة.

المشاركة في هذا المقال