أسبوعها الثاني، بدأت ملامح الكلفة الحقيقية للصراع تتضح تدريجيا داخل دوائر صنع القرار في واشنطن. فبحسب تقديرات أولية قُدمت في إحاطة مغلقة داخل الكونغرس الأمريكي، تجاوزت النفقات العسكرية الأمريكية خلال الأيام الستة الأولى من الحرب 11.3 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم العمليات وكثافة الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل منذ نهاية فيفري.
ورغم أن هذا الرقم يمثل تقديرا جزئيا يقتصر على بعض التكاليف التشغيلية المباشرة، إلا أنه يقدم مؤشرا مبكرا على أن الحرب قد تتحول سريعا إلى واحدة من أكثر المواجهات العسكرية تكلفة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة وفق وبدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية في 28 فيفري عبر سلسلة ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت داخل إيران. وتشير البيانات التي عرضها مسؤولون من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الأيام الأولى من العمليات شهدت استخداما مكثفا للذخائر الموجهة بدقة والصواريخ بعيدة المدى.
فخلال أول يومين فقط من الغارات، استخدمت القوات الأمريكية ذخائر تُقدَّر قيمتها بنحو 5.6 مليار دولار، أي ما يقارب نصف الإنفاق المسجل خلال الأيام الستة الأولى من الحرب.ويعكس هذا الرقم حجم الاعتماد على أسلحة عالية الكلفة مثل الصواريخ الموجهة والذخائر الذكية التي تستخدم عادة في الضربات الدقيقة ضد الأهداف.
ويرى خبراء عسكريون أن هذا المعدل المرتفع من الاستهلاك يشير إلى أن العمليات الجوية كانت واسعة النطاق ، في محاولة لتحقيق تفوق سريع وتقليص قدرة إيران على الرد أو إعادة تنظيم قواتها.
تكلفة تتجاوز الأرقام الأولية
لكن الرقم المعلن لا يمثل سوى جزء من الصورة الكاملة، فالتكلفة الفعلية لأي حرب تشمل عناصر متعددة مثل نقل القوات، تشغيل حاملات الطائرات، الدعم اللوجيستي، عمليات الاستخبارات، إضافة إلى تكاليف إعادة تزويد المخزونات العسكرية.
وبحسب تقديرات غير رسمية داخل الكونغرس، قد تطلب الإدارة الأمريكية قريبا حزمة تمويل إضافية قد تصل إلى 50 مليار دولار لدعم العمليات العسكرية واستمرارها خلال الأشهر المقبلة. ويعتقد بعض المسؤولين أن هذا الرقم قد يكون مجرد تقدير أولي، خصوصا إذا طال أمد المواجهة أو توسعت جغرافيا.
ويؤكد محللون أن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بتكلفة العمليات المباشرة، بل أيضا بتكلفة إعادة بناء المخزون العسكري الذي يُستنزف بسرعة خلال الصراعات عالية الكثافة.ومع تصاعد الاستهلاك العسكري، تتزايد المخاوف داخل واشنطن من تأثير الحرب على المخزونات الأمريكية من الذخائر المتقدمة. فقد عبّر عدد من المشرعين عن قلقهم من أن استمرار العمليات بنفس الوتيرة قد يؤدي إلى استنزاف سريع لمخزون الأسلحة الدقيقة.
وفي محاولة لمعالجة هذه المخاوف، عقد البيت الأبيض اجتماعا مع كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية، بينما يعمل البنتاغون على تسريع خطط إعادة التوريد وزيادة الإنتاج. لكن التحدي -وفق مراقبين - يكمن في أن الصناعات الدفاعية الأمريكية تواجه بالفعل ضغوطا إنتاجية منذ عدة سنوات بسبب الطلب المرتفع على الذخائر والصواريخ في عدد من مناطق التوتر حول العالم.
تداعيات إقليمية
كما أدى التصعيد إلى حالة من الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية، حيث تزايدت المخاوف من تعطل الإمدادات في المنطقة ، التي تعد أحد أهم مراكز إنتاج النفط والغاز في العالم. وقد انعكس ذلك سريعا على أسعار الطاقة وأسواق النقل والشحن الدولي.
ويرى اقتصاديون أنّ أي تصعيد طويل الأمد قد يؤدي إلى موجة جديدة من التقلبات في الاقتصاد العالمي، خصوصا إذا تأثرت طرق الملاحة البحرية أو البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
سياسيا، بدأت الحرب تثير نقاشا واسعا داخل الولايات المتحدة. فقد طالب مشرعون من الحزب الديمقراطي بعقد جلسات استماع علنية يقدم خلالها مسؤولو الإدارة تفاصيل واضحة حول أهداف الحرب ومدتها المتوقعة والإستراتيجية السياسية لما بعد القتال. ويرى هؤلاء المشرعون أن الكونغرس بحاجة إلى فهم كامل لخطة الإدارة قبل الموافقة على أي تمويل إضافي قد يكلف دافعي الضرائب عشرات المليارات من الدولارات.
حرب قصيرة أم صراع طويل؟
ويبقى السؤال الأهم الذي يشغل صناع القرار في واشنطن هل ستكون هذه الحرب قصيرة ومحدودة، أم أنها بداية صراع أطول وأكثر تكلفة؟ ويشير التاريخ العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط إلى أنّ التقديرات الأولية غالبا ما تكون أقل بكثير من الكلفة النهائية للحروب. فالصراعات التي تبدأ بعمليات جوية محدودة يمكن أن تتطوّر بسرعة إلى مواجهات أوسع تتطلب موارد مالية وعسكرية ضخمة.وفي ظلّ الغموض الذي يحيط بمدة الحرب وأهدافها النهائية يبدو أنّ الرقم المعلن حتى الآن 11.3 مليار دولار خلال أقل من أسبوع قد يكون مجرد بداية لحساب أكبر بكثير لم تُكتب فصوله بعد.