Print this page

مفاوضات على حافة التصعيد واشنطن تضغط لفرض قيود دائمة وطهران تتمسك بالضمانات

في تطور لافت في مسار المفاوضات النووية الجارية

بين الولايات المتحدة وإيران والتي استأنفت جولتها الثالثة يوم أمس الخميس في جنيف ، كشف موقع "اكسيوس" الأمريكي أن واشنطن تسعى لأن تكون القيود الواردة في أي اتفاق نووي جديد "سارية إلى أجل غير مسمى"، في تحول يعكس-وفق مراقبين- توجها أمريكيا لتفادي ما تصفه بالثغرات التي ميّزت اتفاق عام 2015. وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية تضغط باتجاه اتفاق لا يتضمن تاريخا لانتهاء القيود الأساسية المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، بما يعني عمليا التزاما دائما بعدم تطوير سلاح نووي.

ويأتي ذلك عشية جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين في جنيف، وسط أجواء دولية مشحونة وتوازنات إقليمية دقيقة، ما يطرح تساؤلات حول فرص نجاح مقاربة ''القيود المفتوحة زمنيا'' في ظل تعقيدات السياسة الداخلية لدى الطرفين.

ونص الاتفاق النووي الموقع عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، تم التوصل إليه في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، نصّ على قيود مؤقتة تتراوح بين 8 و25 عاما على جوانب مختلفة من البرنامج النووي الإيراني، مقابل رفع تدريجي للعقوبات. غير أن تلك البنود – التي تحدد آجالا زمنية لانتهاء بعض القيود – كانت هدفا لانتقادات حادة من الرئيس الأمريكي السابق والحالي دونالد ترامب، الذي اعتبر أن تحديد سقف زمني للقيود يفرغ الاتفاق من مضمونه الاستراتيجي على المدى البعيد.
وخلال ولايته الأولى، أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، معتبرا أنه ''لا يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل دائم، بل يؤجل ذلك فقط''. واليوم، يبدو أن إدارته تسعى لتكريس تصور مغاير بالكامل من خلال اتفاق لا يتضمن أي ''تواريخ انتهاء''، بل يقوم على التزام مفتوح زمنيا بعدم التخصيب لأغراض عسكرية وعدم الاقتراب من العتبة النووية.

دوافع واشنطن

ويرى خبراء أن الطرح الأمريكي الجديد يستند – وفق ما نقلته المصادر – إلى هدف وهو منع إيران من تطوير سلاح نووي. ومن وجهة نظر واشنطن، فإن أي اتفاق يتيح لطهران بعد سنوات محددة توسيع أنشطتها النووية سيعيد إنتاج الأزمة نفسها ولكن في توقيت مؤجل، وربما في ظروف دولية أكثر تعقيدا وفق رؤية أمريكية.
كما أن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطا داخلية، سواء من الجمهوريين المتشددين أو من حلفاء إقليميين لواشنطن، يطالبون باتفاق ''أقوى وأطول أمدا''. وبالتالي، فإن طرح القيود غير محددة المدة يمنح الإدارة ورقة سياسية في الداخل، باعتبارها لا تكرر ما تصفه بـ''أخطاء الماضي''.

إيران: السيادة والضمانات

في المقابل، يرى متابعون أن طهران تنظر بعين الريبة إلى أي مقترح يتضمن التزامات مفتوحة زمنيا دون أفق واضح لرفع شامل ومستدام للعقوبات. إذ يشكل الطابع المؤقت للقيود جزءا من فلسفة التفاوض الأصلية وهي قيود مقابل مكاسب اقتصادية، ضمن جدول زمني محدد.

وقد تعتبر إيران أن القبول بقيود دائمة يعني عمليا تجميد جزء من برنامجها النووي السلمي إلى أجل غير مسمى، وهو ما قد يُفسّر داخليا كتنازل استراتيجي يمسّ ''الحقوق السيادية''. كما أن تجربة الانسحاب الأمريكي السابق من الاتفاق ستظل حاضرة في حسابات صناع القرار الإيرانيين، ما يعزز مطلبهم بضمانات قانونية وسياسية تحول دون تكرار السيناريو ذاته.

اختبار النوايا
انطلقت في مدينة جنيف، أمس الخميس، الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عُمانية، وسط تصعيد سياسي وعسكري متسارع، ومهلة زمنية ضاغطة أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام، ملوّحاً بإمكانية الانتقال إلى الخيار العسكري إذا أخفق المسار الدبلوماسي.
وقد وصل الفريق الإيراني إلى جنيف برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي والذي يضم مجيد تخت- روانجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية وعددا من كبار الدبلوماسيين والخبراء الفنيين في الشؤون النووية والقانونية، من بينهم نواب في وزارة الخارجية معنيون بالملف السياسي والدولي.ويرأس الوفد الأمريكي المبعوث الخاص إلى المفاوضات ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مستشار البيت الأبيض وصهر ترامب، بمشاركة فريق من مستشاري الأمن القومي والخبراء التقنيين المعنيين بملف الحد من الانتشار النووي.

ويعكس المشهد المحيط بالمفاوضات حالة ترقب ثقيل على وقع تعزيزات عسكرية أمريكية مستمرة في المنطقة، خطاب تهديدي متصاعد من واشنطن وتل أبيب، وحديث متزايد في دوائر غربية عن اقتراب ''لحظة الحسم''. في المقابل، تؤكد طهران أنها تتحرك على مسارين متوازيين أولا إبقاء باب التفاوض مفتوحا، وثانيا الاستعداد في الوقت نفسه لكل سيناريوهات التصعيد.

وعلى صعيد متصل يرى محللون أن انعقاد الجولة الجديدة من المحادثات في جنيف أمس يمنح المسار التفاوضي زخما دبلوماسيا، لكنه في الوقت ذاته يضع الطرفين أمام اختبار حقيقي للنوايا. فالفجوة بين ''القيود المؤقتة'' و''القيود الدائمة'' ليست تقنية فحسب، بل سياسية بامتياز.فالولايات المتحدة تريد إطارا يمنع إيران من الاقتراب من العتبة النووية إلى الأبد، بينما تسعى طهران إلى اتفاق يعترف بحقها في برنامج نووي مدني متطور، مع جدول زمني واضح لرفع القيود والعقوبات. وبين هذين التصورين، تتحرك الوساطات الأوروبية في محاولة لتقريب وجهات النظر عبر حلول وسط، قد تشمل تمديدا طويلا للقيود بدلا من جعلها غير محددة المدة.

ويبقى السؤال المطروح هل يمكن فرض قيود دائمة على برنامج نووي لدولة ذات سيادة دون أن يتحول ذلك إلى عنصر توتر مستمر؟ إذ تشير التجارب السابقة إلى أن الاتفاقات الدولية الناجحة تقوم على توازن دقيق بين الردع والحوافز، وبين الالتزامات والضمانات.

لكن الطرح الأمريكي هنا يعكس طموحا لخلق إطار ردع طويل الأمد، لكنه يصطدم بواقع سياسي إيراني وإقليمي معقد. وفي ظل انعدام الثقة المتراكم منذ الانسحاب الأمريكي السابق، فإن أي اتفاق جديد – مهما كان شكله – سيحتاج إلى أكثر من نصوص قانونية .ومع انطلاق جولة جنيف، تبدو الساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، يتراوح مداها بين اختراق دبلوماسي يعيد رسم معادلة الردع في الشرق الأوسط، أو جمود تفاوضي يمدد حالة اللايقين النووي لسنوات أخرى.

 

تحركات دبلوماسية مكثفة

وعشية انطلاق الجولة، عقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقاء مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي، في إطار التنسيق مع الوسيط الذي يتولى نقل الرسائل بين الوفدين. ووفق ما أوردته وكالة وكالة إرنا الرسمية، نقل عراقجي إلى الجانب العُماني تصور بلاده للعناصر الأساسية التي تراها ضرورية لأي اتفاق محتمل، لا سيما ما يتعلق برفع العقوبات والملف النووي، تمهيداً لطرحها في المحادثات غير المباشرة مع المبعوثين الأميركيين.
هذه التحركات تعكس إدراكا إيرانيا لحساسية المرحلة، وحرصا على ضبط إيقاع الرسائل السياسية قبل الدخول في تفاصيل تقنية معقدة، في ظل أجواء يختلط فيها التفاوض بالضغط الميداني.
كما أشارت مصادر إيرانية مطلعة إلى أن الوفد الإيراني يحمل إلى جنيف "حزمة مقترحات" تصفها بأنها تمثل أقصى درجات المرونة الممكنة ضمن حدود ما تعتبره طهران خطوطاً حمراء غير قابلة للتجاوز. وتركز هذه الحزمة – بحسب المصادر – على معالجة الهواجس الأمريكية المرتبطة بطبيعة البرنامج النووي، مقابل معالجة جوهرية لمسألة رفع العقوبات وفق مانشرته ''العربي الجديد''.
وتتضمن المقترحات أفكارا حول مستويات تخصيب اليورانيوم، وحجم المخزون من المواد المخصبة، وآليات رقابة وتحقق إضافية لضمان الطابع السلمي للبرنامج. غير أن المصادر شددت على أن أي مرونة تقنية لن تكون قابلة للتحول إلى خطوات عملية ما لم تقترن برفع ملموس للعقوبات، معتبرة أن هذه النقطة تمثل حجر الزاوية في أي اتفاق قابل للاستمرار.

ورغم الحديث عن مرونة، لا تخفي طهران شكوكها حيال جدية الطرف الأمريكي. فالتصريحات الصادرة عن مسؤولين في واشنطن، من الرئيس ترامب إلى المبعوثين المعنيين بالملف، ساهمت – وفق المصادر – في تعميق الريبة الإيرانية بشأن نوايا الولايات المتحدة، خصوصا في ظل التهديد العلني باللجوء إلى القوة.

تمركز 11 مقاتلة "إف-22" أمريكية

في الأثناء قالت تقارير إعلامية أمس الخميس، إن صور أقمار صناعية تظهر تمركز 11 مقاتلة أمريكية من طراز "إف-22" في قاعدة عوفدا جنوبي الأراضي المحتلة.

ومنذ أسابيع، تقوم الولايات المتحدة بتحريض من ''إسرائيل''، بتعزيز قواتها في الشرق الأوسط، وتلوح بتنفيذ عمل عسكري ضد إيران لإجبارها على التخلي عن برنامجيها النووي والصاروخي وعن حلفائها بالمنطقة.

وأضافت التقارير أن "شركة خدمات الأقمار الصناعية الصينية ميزارفيجن بثت اليوم صور أقمار صناعية من قاعدة القوات الجوية عوفدا تظهر 11 مقاتلة شبحية من طراز إف-22 منتشرة داخلها".وأفادت بأن ذلك "يؤكد ما كشفته مساء الأحد، بأن الولايات المتحدة أرسلت سربا كاملا من تلك المقاتلات في إحدى قواعد القوات الجوية في الجنوب".

بزشكيان يدعو العالم للثقة بتعهد خامنئي

من جهته دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى الثقة بتصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي بشأن عدم سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية.وبحسب التلفزيون الرسمي الإيراني، أوضح بزشكيان أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، مستشهدا بتصريحات لخامنئي بهذا الشأن. وقال بهذا الصدد: "قائد المجتمع لا يكذب مثل السياسيين، وعندما يقول إننا لن نمتلك سلاحا نوويا فهذا يعني فعلا أننا لن نمتلكه".
وفيما يتعلق بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي قال فيها إن "على إيران أن تعلن أنها لن تمتلك سلاحا نوويا"، أجاب بزشكيان قائلا: "لقد أعلنا ذلك مرارا بالفعل".وكان علي خامنئي صرح في أكثر من مناسبة بأن إيران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي.
تحذيرات دولية بشأن السفر إلى الشرق الأوسط
على صعيد متصل بدأت عدة دول في سحب أفراد عائلات الدبلوماسيين والموظفين غير الأساسيين من بعض المواقع في الشرق الأوسط، أو توجيه النصيحة لمواطنيها بتأجيل السفر إلى إيران، وسط تصاعد ‌التوتر بين واشنطن وطهران.ونشرت "رويترز'' قائمة في الدول التي اتخذت بعض الإجراءات . فقد نصحت وزارة الخارجية الفنلندية مواطنيها بتجنب السفر إلى إيران ومغادرة اليمن وليبيا على الفور في تحذيرات سفر تم تحديثها.
كما طلبت الحكومة من أفراد عائلات الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة. كما عرضت على أفراد عائلات الدبلوماسيين الأستراليين في الإمارات والأردن وقطر المغادرة الطوعية. وتواصل نصح مواطنيها في إسرائيل ولبنان بالنظر في المغادرة بينما لا تزال خيارات (رحلات الطيران) التجارية متاحة.
وطلبت صربيا من رعاياها في إيران مغادرة البلاد في أقرب وقت ممكن بسبب تزايد التوترات وخطر تدهور الوضع الأمني.

كما حثت بولونيا المواطنين البولونيين مغادرة إيران على الفور وفق تصريحات عن رئيس الوزراء دونالد توسك.
وسحبت الولايات المتحدة الموظفين غير الأساسيين وأفراد أسرهم المؤهلين من سفارتها في لبنان وسط التوترات مع إيران وفق ماادلى به مسؤول رفيع في وزارة الخارجية.

من جانبها نصحت وزارة الخارجية المواطنين بتجنب السفر إلى إيران ومغادرة البلاد على الفور في 12 جانفي 2026. وقال وزير الخارجية في فيفري إن الأشخاص الذين قرروا البقاء لا ينبغي أن ‌يتوقعوا مساعدة من الحكومة لإجلائهم وفق وزارة الخارجية.

ونصحت السفارة الهندية في إيران المواطنين الموجودين حاليا في إيران بمغادرة ‌البلاد بوسائل النقل المتاحة، بما في ذلك الرحلات الجوية التجارية. ونصحت قبرص مواطنيها بتجنب السفر إلى إيران ‌ومغادرة البلاد فورا في 13 جانفي 2026. ومن جهتها نصحت سنغافورة مواطنيها بمواصلة تأجيل جميع الرحلات إلى إيران.
وحثت ألمانيا مواطنيها على مغادرة إيران، مشيرة إلى أن الرحلات الجوية التجارية المغادرة لا تزال تعمل وأن المغادرة برا ممكنة أيضا. ومن جهتهاأوصت البرازيل الأسبوع الماضي مواطنيها بمغادرة إيران، بعد أن أصدرت تحذيرا مماثلا لمواطنيها في لبنان في جانفي. ونصحت الحكومة البرازيلية العام الماضي مواطنيها بعدم السفر إلى هذين البلدين.

 

المشاركة في هذا المقال