Print this page

من الطوابير إلى الخوارزميات: هل تدخل تونس عصر الدولة الرقمية قبل فوات الأوان؟

لم يعد التحوّل الرقمي للإدارة مجرّد خيار إصلاحي أو

مشروع تحديث تقني، بل أصبح معيارًا حاسمًا لقياس قدرة الدول على مواكبة الاقتصاد العالمي المتسارع. فالدولة التي تعجز إدارتها عن مجاراة سرعة المعاملات الرقمية تخاطر بفقدان جاذبيتها الاستثمارية وباتساع فجوة الثقة بينها وبين مواطنيها. في هذا السياق، يبرز المسار الذي تسلكه تونس اليوم بوصفه تجربة انتقالية حاسمة فهل تنجح في تحويل منظومتها الإدارية إلى نموذج رقمي فعّال يختصر الزمن والتكلفة ويعزّز الشفافية؟ أم أن التحديات التنفيذية قد تعرقل مشروعًا يُفترض أن يكون ركيزة الإصلاح الاقتصادي الشامل؟ هذه الأسئلة تفرض نفسها مع تسارع نسق المشاريع الحكومية المندرجة ضمن رؤية وطنية ترعاها أعلى مؤسسات الدولة

رؤية الدولة والسياسة الاقتصادية

تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحكومة تتعامل مع الرقمنة باعتبارها سياسة اقتصادية متكاملة وليست برنامجًا معلوماتيًا معزولًا. فمتابعة 192 مشروعًا رقميًا في وقت واحد تعكس انتقالًا واضحًا من مرحلة التصوّر النظري إلى مرحلة التنفيذ الواسع. وتشمل هذه المشاريع منصات خدمات إدارية، وأنظمة دفع إلكتروني، وقواعد بيانات مترابطة، وخدمات رقمية موجهة للأفراد والمؤسسات. هذا التوجه يدل على اعتماد مقاربة شمولية تهدف إلى إعادة هندسة المسار الإداري بالكامل بدل الاكتفاء برقمنة واجهاته.
اقتصاديًا، تراهن الدولة على أن تؤدي هذه المشاريع إلى خفض الكلفة غير المباشرة للإجراءات، وهي الكلفة التي غالبًا ما تثقل كاهل المؤسسات أكثر من الضرائب نفسها. فالإجراء الذي يُنجز إلكترونيًا في دقائق يختصر ساعات عمل ويقلّص نفقات تنقّل ويحدّ من الأخطاء البشرية، ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية الوطنية.
أحد المفاهيم المركزية في المشروع الرقمي هو “الترابط البيني”، أي قدرة الأنظمة المعلوماتية الحكومية على تبادل البيانات تلقائيًا. هذا المفهوم يمثل جوهر التحول الحقيقي، لأن الإدارة التقليدية تقوم على تنقل المواطن بين المصالح حاملاً الوثائق، بينما الإدارة الرقمية تنقل البيانات بين المؤسسات دون تدخّل بشري. وعندما يتحقق هذا الترابط، تختفي الحاجة إلى نسخ الوثائق وتكرار التصاريح، ويصبح القرار الإداري أسرع وأكثر دقة، إذ يعتمد على بيانات أصلية ومحدّثة.
هذا التحول لا يختصر الزمن فحسب، بل يغيّر طبيعة السلطة الإدارية نفسها، إذ تنتقل من منطق التحقق اليدوي إلى منطق المعالجة الآلية، ومن ثقافة الإجراءات إلى ثقافة النتائج. وهنا تحديدًا تكمن القيمة الإصلاحية العميقة للرقمنة، لأنها تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والإدارة على أساس الخدمة لا السلطة.
تؤكد تجارب الاقتصاد المعاصر أن سرعة الإجراءات الإدارية أصبحت عنصرًا حاسمًا في قرارات الاستثمار. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الامتيازات الجبائية، بل إلى الزمن اللازم للحصول على ترخيص أو تسجيل شركة أو تحويل أموال. وكل يوم تأخير إداري يُترجم فعليًا إلى خسارة مالية. لذلك فإن نجاح التحول الرقمي في تونس يمكن أن يشكّل عامل جذب قوي لرؤوس الأموال، لأنه يبعث رسالة واضحة مفادها أن الدولة قادرة على إدارة عملياتها بالكفاءة نفسها التي تتطلبها الأسواق الحديثة.
كما أن الرقمنة تعزّز الشفافية الجبائية عبر تحسين تتبّع المعاملات وتقليص هامش التلاعب، وهو ما يوسّع القاعدة الضريبية دون الحاجة إلى رفع الضرائب. بهذا المعنى، تصبح الرقمنة أداة مالية غير مباشرة تدعم ميزانية الدولة وتحسّن عدالة النظام الجبائي.

تجارب عالمية ودروس من دول سبقت
يبين النظر إلى التجارب الدولية حجم الإمكانات الكامنة في هذا المسار، فقد تحوّلت بعض الدول إلى نموذج عالمي بعد أن رقمنت تقريبًا جميع خدماتها الحكومية، حتى بات المواطن يستطيع تأسيس شركة أو التصويت أو الاطلاع على ملفاته الصحية إلكترونيًا خلال دقائق و نجاح التجربة لم يكن تقنيًا فقط، بل مؤسساتيًا، إذ اعتمدت بعض الدول مبدأ “البيانات مرة واحدة”، أي أن المواطن لا يقدّم المعلومة نفسها مرتين لأي إدارة.
وفي الشرق الأوسط، استطاعت الإمارات العربية المتحدة تحويل خدماتها الحكومية إلى منظومة رقمية متكاملة تعتمد التطبيقات الموحدة والهوية الرقمية، ما جعلها ضمن الدول الأولى عالميًا في مؤشرات الحكومة الإلكترونية. أما سنغافورة فقد بنت نموذجًا متقدمًا يقوم على التكامل بين الرقمنة والسياسات الاقتصادية، حيث تُستخدم البيانات الحكومية لتحسين التخطيط الحضري والنقل والخدمات العامة في الزمن الحقيقي.
القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن النجاح لم يتحقق بإطلاق منصات فقط، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل التشريعات، والبنية التحتية، وتأهيل الموارد البشرية، وترسيخ ثقافة رقمية لدى المواطنين.
رغم المؤشرات الإيجابية، يبقى التحدي الحقيقي في التنفيذ العملي. فالمشاريع الرقمية الكبرى تتطلب تنسيقًا عاليًا بين الوزارات، وتوحيدًا للمعايير التقنية، وتدريبًا مستمرًا للإطارات، إضافة إلى استثمارات في الأمن السيبراني، كما أن مقاومة التغيير داخل بعض الهياكل الإدارية قد تعرقل الانتقال السلس نحو النظم الرقمية، خاصة عندما تمسّ الرقمنة أنماط عمل تقليدية مترسخة منذ عقود.
عامل الثقة يمثل بدوره عنصرًا حاسمًا، فالمواطن لن يعتمد الخدمات الإلكترونية ما لم يطمئن إلى حماية بياناته الشخصية وسهولة استخدام المنصّات، لذلك فإن نجاح المشروع لا يقاس بعدد التطبيقات التي تُطلق، بل بنسبة استعمالها الفعلي وتأثيرها على الحياة اليومية.

أفق 2026 ونقطة التحول

يضع قرار تحديد سنة 2026 كبداية للرقمنة الشاملة البلاد أمام موعد مفصلي، فهذا الأفق الزمني لا يحمل دلالة تقنية فقط، بل يعكس رهانًا سياسيًا واقتصاديًا على تحقيق نقلة نوعية في أداء الإدارة. وإذا تحقق هذا الهدف، فإن الدولة ستنتقل من نموذج إداري تقليدي بطيء إلى منظومة خدمات رقمية متكاملة قادرة على دعم النمو وتحسين ترتيب البلاد في مؤشرات التنافسية الدولية.
إن التحوّل الرقمي إذا احسن تنفيذه واعتماد هو بالأساس ليس فقط مشروع حواسيب وبرمجيات، بل مشروع إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. إنه انتقال من إدارة تعتمد الورق إلى إدارة تعتمد البيانات، ومن سلطة إجرائية إلى خدمة خوارزميات ذكية، وتونس تقف اليوم عند مفترق طريق تاريخي فإما أن تنجح في تحويل هذا المسار إلى واقع ملموس يلمسه المواطن والمستثمر، فتدخل عصر الدولة الرقمية بثقة، أو أن يتباطأ التنفيذ فتفقد فرصة اللحاق بركب عالمي يتقدم بسرعة هائلة.
في عالم تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على إدارة المعلومات، قد لا يكون السؤال الأهم هل ستنجح الرقمنة، بل هل يمكن لأي دولة أن تنجح دونها.

 

المشاركة في هذا المقال