Print this page

غدا يعقد هيئته الإدارية الوطنية...بعد إيقاف الاقتطاع المباشر: اتحاد الشغل بين ضغط الأزمة المالية والبحث عن بدائل تمويلية قبل مؤتمر مارس 2026

تتجه الأنظار إلى ما يعيشه الاتحاد العام التونسي للشغل من

وضع مالي دقيق على خلفية تعطّل تحويل معاليم الانخراطات المقتطعة من أجور المنخرطين، وما رافق ذلك من حديث متزايد عن إيقاف آلية الاقتطاع المباشر من الأجور لفائدة المنظمة الشغيلة، وفي ظل غياب توضيح رسمي من قبل رئاسة الحكومة بشأن مصير الاقتطاع المباشر، وجد الاتحاد نفسه أمام تحديات مالية وتنظيمية غير مسبوقة، دفعته إلى الدعوة لعقد اجتماع للهيئة الإدارية الوطنية يوم غد الثلاثاء 10 فيفري الجاري للنظر في جملة من البدائل والخيارات الممكنة، وذلك قبل أسابيع من موعد مؤتمره الوطني المقرر أيام 25 و26 و27 مارس المقبل.

ينعقد غدا اجتماع الهيئة الإدارية الوطنية بمقر الاتحاد، ويتصدر جدول أعماله البحث في وضعية الانخراطات والبدائل والخيارات المطروحة لمجابهة الأزمة المالية، إلى جانب مسائل تنظيمية ولوجستية من بينها تغيير مكان عقد المؤتمر بسبب الكلفة المرتفعة للنزل بجهة تونس، وعرض حول اسهم الاتحاد في مؤسسة التأمينات وآخر حول وضعية دار الاتحاد بحي الخضراء، اجتماع الهيئة يأتي على خلفية غياب المنشور السنوي الصادر عن رئاسة الحكومة والمتعلق باستخلاص معلوم الانخراط لفائدة الأعوان العموميين، وهو ما فتح باب الجدل والتأويلات حول مصير آلية الاقتطاع المباشر من الأجور وخلفيات هذا التعطل، وانعكاساته المحتملة على مستقبل المنظمة الشغيلة.

"إجراء سياسي عقابي"

اعتبر الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، سامي الطاهري، أن قرار إيقاف العمل بآلية الخصم المباشر من الأجور بعنوان الانخراط النقابي يعد "إجراء سياسيا عقابيا"، مشبها ما يحدث بما أقدمت عليه حكومة محمد مزالي في ثمانينات القرن الماضي، قبيل الشروع في ما عرف حينها بـ"الإصلاح الهيكلي"، بهدف إضعاف المنظمة الشغيلة. وأوضح الطاهري، في تدوينة نشرها على صفحته الرسمية بموقع فايسبوك، أن هذا الإجراء لا يندرج في إطار تنظيم الإدارة بقدر ما يهدف، وفق تقديره، إلى إضعاف القدرة التنظيمية للنقابة وانتهاك الحق النقابي، معتبرا أنه حلقة جديدة في سلسلة من التضييقات التي شملت، حسب قوله، إلغاء التفرغ النقابي وغلق باب التفاوض الاجتماعي والتراجع عن الاتفاقيات المبرمة، وصولا إلى محاكمة نقابيين. وشدد الطاهري على أن الخصم المباشر "مكسب تاريخي" ناتج عن نضالات طويلة، وليس "منة من أحد".

الخصم المباشر هو إجراء طوعي واختياري

هذا وأكد سامي الطاهري أن الخصم المباشر هو إجراء طوعي واختياري يعبر عن الإرادة الحرة للعامل، ويتماشى مع الاتفاقيتين الدوليتين عدد 87 و151 المتعلّقتين بالحقوق النقابية وتقديم التسهيلات للمنظمات النقابية، معتبرا أن إيقافه يشكل خرقا لالتزامات الدولة تجاه معايير العمل الدولية. كما استنكر الطاهري ما وصفه بازدواجية المعايير، مذكرا بأن الخصم المباشر لا يزال معمولا به لفائدة التعاونيات والوداديات وسداد القروض وفواتير الخدمات، مثل الكهرباء والماء، معتبرا أن دور الإدارة يتمثّل في خدمة المواطن وتسهيل تصرفه في أجره، لا في التضييق على خياراته النقابية.

المنشور الحكومي لم يصدر

بالعودة إلى المعطيات المتوفرة والأخبار المتداولة، يتبيّن أن الحديث عن إيقاف رسمي ونهائي لآلية الاقتطاع المباشر من الأجور لا يستند، إلى حد الآن، إلى قرار رسمي معلن، إذ درجت رئاسة الحكومة مع مطلع كل سنة جديدة على إصدار منشور موجه إلى الوزراء وكتّاب الدولة تُكلف بموجبه المؤسسات والمنشآت العمومية باستخلاص معلوم الانخراط النقابي من أجور الأعوان المنخرطين وتحويله إلى حسابات المنظمات النقابية المعنية، غير أن هذا المنشور لم يصدر منذ شهر جانفي الماضي إلى حدود الآن، وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول مصير الاقتطاع المباشر. ورغم ذلك، تشير معطيات إلى أن الاقتطاع من الأجور تم فعليا خلال شهر جانفي غير أن المبالغ المقتطعة لم يقع تحويلها لفائدة الاتحاد أو غيره من المنظمات النقابية، وغياب التوضيح الرسمي من قبل الحكومة ساهم في التأويل وتوتير المناخ الاجتماعي.

الفرق بين الاقتطاع المباشر والخصم الآلي

الاقتطاع من الأجور لفائدة الاتحاد العام التونسي للشغل يعد اقتطاعا مباشرا طوعيا وغير إجباري ولا يشمل جميع الأجراء بل يقتصر على الأعوان المنخرطين الذين قدموا تفويضا كتابيا للإدارة يسمح بقطع معلوم الانخراط من أجورهم. أما الخصم الآلي، فهو اقتطاع إجباري يتم دون الحاجة إلى تفويض أو موافقة على غرار المساهمات الاجتماعية لفائدة صناديق الضمان الاجتماعي، وهو ما لا ينطبق على الانخراط النقابي. وقد شدد الخبير لدى قسم الشؤون القانونية بالاتحاد العام التونسي للشغل عبد السلام النصيري في تصريح لديوان أف أم على أنه لا يوجد إلى حد الآن أي نص قانوني يلزم الدولة بالقيام بالاقتطاع المباشر من الأجور لفائدة الاتحاد، مبرزا أن هذه الآلية تندرج في إطار معايير منظمة العمل الدولية التي تنص على تقديم تسهيلات للعمل النقابي، شريطة أن تكون حرّة وطوعية. وبين النصيري أن فرضية إيقاف الاقتطاع المباشر تبقى مطروحة بقوة في ظل التوتر القائم بين الحكومة والمنظمة الشغيلة، محذّرا من التداعيات المالية الخطيرة التي قد تنجرّ عن ذلك.

3 دنانير شهريا للقطاع العام والوظيفة العمومية و15 دينارا سنويا في القطاع الخاص

وبحسب الخبير لدى قسم الشؤون القانونية في الاتحاد فإن معاليم الانخراطات في القطاع العام والوظيفة العمومية تبلغ 3 دنانير شهريا للمباشرين، و15 دينارا سنويا في القطاع الخاص في حين يدفع المتقاعدون 6 دنانير سنويا. وتعد هذه الموارد من الركائز الأساسية لتمويل أنشطة الاتحاد وأجور أعوانه وتسيير مقراته المركزية والجهوية والجامعية، حيث تنتفع قرابة 280 عائلة مباشرة بهذه الأجور، فضلا عن مصاريف الماء والكهرباء والهاتف والصيانة.

انتقادات داخلية

في المقابل، عبرت أصوات نقابية معارضة داخل الاتحاد عن موقف شديد الانتقاد لخيارات القيادة الحالية، واعتبرت أن الدعوة إلى الهيئة الإدارية المقررة في 10 فيفري الجاري ليست سوى "هيئة طوارئ مالية استعجالية" تهدف إلى التكيّف مع الأمر الواقع بعد توقف موارد الانخراطات دون التوجه نحو التصعيد أو الضغط السياسي، الانتقادات شملت أيضا تغيير مكان المؤتمر والتفكير في التفريط في بعض ممتلكات الاتحاد . وبذلك تتجه الأنظار إلى مخرجات اجتماع الهيئة الإدارية المرتقب، وما إذا كان الاتحاد سيتجه إلى اعتماد آليات بديلة لتمويله، من بينها تكثيف حملات الانخراط المباشر دون المرور عبر مؤسسات الدولة بالتوازي مع مواصلة النضال من أجل استعادة مكسب الاقتطاع الآلي، الذي يعتبره استحقاقا نضاليا لا يتعارض مع استقلالية المنظمة.

المشاركة في هذا المقال