منذ الإعلان عنه في اكتوبر المنقضي ، في ظلّ تصعيد إسرائيلي دموي متواصل، أوقع عشرات الشهداء والجرحى، وأعاد شبح الانفجار الشامل إلى الواجهة، وسط تحذيرات فلسطينية واضحة وإدانات عربية وإسلامية متصاعدة، تعكس حجم القلق الإقليمي من انهيار المسار السياسي والأمني القائم.
فمنذ آخر الأسبوع المنقضي، شهد القطاع واحدة من أعنف موجات القصف، أسفرت عن استشهاد أكثر من 32 فلسطينيا، بينهم نساء وأطفال، في غارات استهدفت مناطق متفرقة، قبل أن تتواصل الهجمات يوم أمس الأول الأحد، موقعة شهداء وجرحى جدد، في مشهد أعاد إلى الأذهان سيناريوهات التصعيد السابقة التي لطالما أطاحت باتفاقات التهدئة المؤقتة.
من جانبها حذّرت حركة المقاومة الإسلامية حماس، للمرة الأولى منذ توقيع اتفاق التهدئة، من أنّ استمرار الصمت إزاء المجازر الإسرائيلية ليس مضمونا، وأن التزامها بالاتفاق مشروط بمدى التزام الاحتلال ببنوده.وقال رئيس الحركة في غزة خليل الحية، خلال اتصالات مكثفة مع الوسطاء وجهات دولية، إنّ ''التزام المقاومة واحترامها للاتفاق ليس شيكا على بياض"، مؤكدًا أن استمرار المجازر يضع التهدئة ''في مهب الريح''.
ووفق مراقبين يُفهم من هذا الموقف أنه رسالة مزدوجة، موجهة للاحتلال من جهة، وللأطراف الدولية من جهة أخرى، مفادها أن المقاومة لن تبقى رهينة تفاهمات لا تحمي المدنيين ولا توقف آلة القتل.
إدانات إقليمية وتحذيرات
بالتوازي مع التحذيرات الفلسطينية، أصدرت مجموعة من الدول العربية والإسلامية بيانا مشتركا، عبّرت فيه عن ''إدانتها الشديدة للانتهاكات المتكررة التي ترتكبها إسرائيل لوقف إطلاق النار في غزة''، في موقف يعكس اتساع دائرة القلق من التداعيات السياسية والأمنية للتصعيد.
وشارك في البيان وزراء خارجية مصر والأردن والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان، مؤكدين أن ''تكرار هذه الانتهاكات يشكل تهديدا مباشرا للمسار السياسي، وقد يعرقل الجهود الرامية إلى تهيئة الظروف للانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارا على المستويين الأمني والإنساني''.ويحمل هذا البيان دلالات سياسية مهمة، أبرزها أن التصعيد الإسرائيلي لم يعد يُنظر إليه كحدث عابر، بل كعامل تقويض مباشر لأي ترتيبات مستقبلية تخص غزة، سواء على صعيد التهدئة أو إعادة الإعمار أو تحسين الوضع الإنساني.
وفي السياق ذاته، شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، على ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، مع التأكيد القاطع على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.
فعلى الأرض، لم تقتصر خروقات الاحتلال على الجانب العسكري، بل امتدت إلى الملف الإنساني، وتحديدًا معبر رفح البري. فعلى الرغم من الطلب الإسرائيلي بالحصول على مهلة طويلة لتجهيز المعبر لفتح تجريبي محدود، تعمّدت إسرائيل، بحسب مصادر فلسطينية، إعاقة العملية في يومها الأول.
وأفادت تقارير أن الاحتلال أخّر وصول موظفي السلطة الفلسطينية وبعثة المراقبة الأوروبية إلى الجانب الفلسطيني من المعبر، ما حال دون خروج أول فوج من مرضى غزة المحتاجين للعلاج في الخارج، كما لم يسمح بدخول رئيس وأعضاء ''اللجنة الوطنية لإدارة غزة''.
وأكد مصدر فلسطيني على صلة بتشغيل المعبر أن الطواقم الفلسطينية واصلت حتى ساعات الفجر الأولى من يوم أمس الأول الأحد اتصالات وتحضيرات مكثفة لتسلّم إدارة المعبر، إلا أن الإجراءات الإسرائيلية حالت دون ذلك، في مشهد يعكس استخدام المعابر كورقة ضغط سياسية وأمنية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن التهدئة في غزة تبدو أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن تُمارس ضغوط دولية حقيقية تلزم الاحتلال بوقف عدوانه واحترام بنود الاتفاق، أو أن تستمر سياسة الحرب والدم الصهيونية.
فتح معبر رفح.. خطوة منقوصة
على صعيد متصلا أعادت سلطات الاحتلال الإسرائيلية، امس الاثنين، فتح معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر أمام حركة الأفراد، بعد إغلاق استمر منذ ماي 2024، غير أن هذه الخطوة جاءت محاطة بقيود أمنية مشددة، ما يثير تساؤلات واسعة حول جدّيتها وجدواها الإنسانية، في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية الفعلية على حركة العبور.
وبحسب الترتيبات المعلنة، سيكون فتح المعبر محدودا من حيث الأعداد والفئات المسموح لها بالسفر، مع اشتراط إخضاع الفلسطينيين الداخلين والخارجين لإجراءات فحص أمني تفرضها إسرائيل، إلى جانب قيود متوقعة على أعداد المسافرين بالتنسيق مع الجانب المصري. ويعني ذلك عمليًا أن المعبر، الذي يُفترض أن يكون شريانا إنسانيا مستقلا لغزة، لا يزال خاضعًا لمنظومة التحكم الإسرائيلية.
وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلية قد سيطرت على معبر رفح في ماي الماضي، بعد نحو تسعة أشهر من اندلاع الحرب على غزة، وأغلقت كذلك محور فيلادلفيا الحدودي، ما أدى إلى شلل شبه كامل للحركة عبر البوابة الجنوبية الوحيدة للقطاع.
ورغم دخول وقف إطلاق نار هش حيّز التنفيذ في أكتوبر بوساطة أمريكية، فإن إعادة فتح معبر رفح جاءت كجزء من الترتيبات السياسية للمرحلة الأولى من الخطة الأمريكية، لا استجابةً مباشرةً للاحتياجات الإنسانية المتفاقمة في القطاع.
وطوال الأشهر الأولى من الحرب، تمكّن عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مغادرة غزة عبر رفح، ويقدّر مسؤولون فلسطينيون عددهم بنحو 100 ألف شخص، غالبيتهم خلال الشهور التسعة الأولى. إلا أن هذا الخروج لم يكن متاحا للجميع، إذ اضطر بعضهم إلى دفع مبالغ طائلة، فيما تكفلت منظمات إغاثة بتغطية نفقات آخرين.
ومع إغلاق المعبر، انقطع الطريق الرئيسي أمام الجرحى والمرضى، الذين كانوا يعتمدون عليه للعلاج خارج القطاع. ورغم السماح لعدد محدود منهم بمغادرة غزة إلى دول ثالثة، لا يزال آلاف المرضى بحاجة ماسة إلى رعاية طبية غير متوفرة داخل القطاع، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
وعلى الرغم من إعادة فتح المعبر، تواصل سلطات الاحتلال منع الصحفيين الأجانب من دخول غزة، في سياسة بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، وأسهمت في عزل القطاع إعلاميا، وحرمان العالم من مصادر مستقلة لتوثيق ما يجري على الأرض.
ويعيش اليوم نحو مليوني فلسطيني في غزة وسط دمار واسع، بين خيام مؤقتة ومنازل متضررة، وعلى أنقاض أحياء سكنية دُمّرت بفعل القصف المستمر. وفي هذا السياق، يبدو فتح معبر رفح، بقيوده المشددة، خطوة محدودة الأثر أمام حجم الكارثة الإنسانية.وفي الوقت الذي تتحدث فيه الخطة الأمريكية، في مرحلتها الثانية، عن ترتيبات سياسية تشمل إدارة تكنوقراطية للقطاع ونزع سلاح المقاومة، تلوّح إسرائيل بإمكانية العودة إلى الحرب، مشككة في أي مسار سياسي لا يضمن تفوقها الأمني.
ووفق مصادر طبية في غزة، أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار عن استشهاد أكثر من 500 فلسطيني، في مقابل مقتل أربعة جنود إسرائيليين، فيما شهدت الأيام الأخيرة أعنف غارات منذ الاتفاق، راح ضحيتها عشرات المدنيين.
ووفق متابعين يُنظر إلى إعادة فتح معبر رفح على أنها خطوة شكلية ما لم تُرفع القيود المفروضة، ويُعاد المعبر إلى إدارته الفلسطينية الكاملة، بعيدا عن التحكم الإسرائيلي. فبين فتح مقيّد، وحصار مستمر، وتصعيد عسكري قابل للانفجار في أي لحظة، يبقى سكان غزة عالقين بين وعود سياسية وواقع إنساني يزداد قسوة.
اكتمال الترتيبات لتسليم السلطة
في الأثناء أعلنت حركة "حماس"، أمس الاثنين، اكتمال الترتيبات لتسليم السلطة في غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع الفلسطيني.
وقال المتحدث باسم حماس حازم قاسم، في تصريح وفق الأناضول: "تم استكمال كل الإجراءات والترتيبات اللازمة لدى الجهات الحكومية والإدارية في قطاع غزة لتسليم كل السلطات والمقدرات إلى اللجنة الوطنية المستقلة لإدارة قطاع غزة".وأضاف قاسم أنه "فور دخول اللجنة إلى أرض قطاع غزة تبدأ عملية التسليم بشكل شفاف وشامل وفي جميع المجالات".
و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" هي هيئة غير سياسية مسؤولة عن إدارة شؤون الخدمة المدنية اليومية، وتتألف من 11 شخصية فلسطينية، إضافة إلى رئيسها علي شعث.
وبدأت اللجنة منتصف جانفي الماضي أعمالها من العاصمة المصرية القاهرة، فيما لم تبدأ بعد من قطاع غزة.وهذه اللجنة واحدة من أربعة هياكل خُصصت لإدارة المرحلة الانتقالية بغزة، إضافة إلى "مجلس السلام"، و"مجلس غزة التنفيذي"، و"قوة الاستقرار الدولية"، بحسب خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة.وتابع قاسم: "هناك لجنة عليا تشرف على عملية التسليم مكونة من الفصائل الفلسطينية وجهات عشائرية وقيادات من المجتمع المدني وأيضا شخصيات تابعة للمؤسسات الدولية".وأردف: "سنكون أمام عملية تسليم شفافة وكاملة وراقية للسلطة".
ودعا "جميع الأطراف إلى تسهيل عمل اللجنة حتى نكون أمام بدء تعافي القطاع من الكارثة خلال عامين من حرب الإبادة".
مصر تستقبل جرحى غزة
ومن جانبها تتأهب مصر، لبدء استقبال جرحى ومرضى من قطاع غزة عبر تجهيز 300 سيارة إسعاف و150 مستشفى و12 ألف طبيب.
وقالت وزارة الصحة المصرية عبر بيان: "ترأس خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، اجتماع اللجنة التنسيقية المعنية باستقبال المرضى والجرحى الوافدين من قطاع غزة".وحضر الاجتماع وزير الشباب والرياضة أشرف صبحي، ووزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي، وممثلون عن الوزارات والجهات المعنية والهلال الأحمر المصري، في مقر وزارة الصحة بالعاصمة الجديدة شرقي القاهرة، بحسب البيان.
وأوضح متحدث الصحة حسام عبدالغفار في البيان أن الاجتماع يأتي في "إطار تفعيل الخطة القومية للخدمات الصحية الطارئة، ورفع درجة الاستعداد بكافة منشآت الرعاية الصحية، بالتزامن مع فتح معبر رفح من الجانب الآخر لحركة استقبال المرضى والجرحى وعودة مَن تم شفاؤهم".وتشمل الخطة مشاركة نحو 150 مستشفى على مستوى الجمهورية، مع إمكانية التوسع حسب تطورات الموقف، وتوفير مختلف الخدمات الطبية والعلاجية والجراحية اللازمة، وتجهيز ما بين 250 و300 سيارة إسعاف عالية التجهيز، وفق لعبد الغفار.وأضاف أن الخطة تتضمن توفير كوادر بشرية مدربة تضم قرابة 12 ألف طبيب بمختلف التخصصات الحرجة، وأكثر من 18 ألف ممرض وممرضة، و30 فريق انتشار سريع تابعين للإدارة المركزية للطوارئ والرعاية الحرجة.
عبد الغفار أفاد بتشغيل غرفة تحكم مركزية بديوان عام الوزارة تعمل على مدار 24 ساعة، مرتبطة بـ27 غرفة طوارئ في مديريات الشؤون الصحية، وأكثر من 90 نقطة طبية ومستشفى طوارئ، بما يضمن سرعة الاستجابة ودقة التنسيق، واتخاذ القرار في التوقيت المناسب.ووجّه وزير الصحة برفع درجة الاستعداد في المستشفيات المحيطة والأقرب إلى معبر رفح، وتوفير وسائل الانتقال المناسبة للمرضى ومرافقيهم، وفقا للبيان.
وفي وقت سابق أمس الاثنين، بدأ تشغيل محدود لمعبر رفح في الاتجاهين، بعد تدمير مرافقه من قبل إسرائيل وإغلاقه منذ 21 شهرا.وذكرت قناة "القاهرة الإخبارية" أن السلطات المصرية فتحت بوابة المعبر من جانبها، في انتظار وصول جرحى ومرضى فلسطينيين من غزة.ونقلت عن مصدر لم تسمه إنه وفقا لآلية تشغيل المعبر، فإن عدد المغادرين من مصر إلى غزة سيكون 50 شخصا، وعدد الجرحى المرضى القادمين من القطاع 50 شخصا خلال أول أيام تشغيل المعبر.
كارثة إنسانية
ميدانيا كشفت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة عن حاجة 6 آلاف جريح إلى إجلاء عاجل لتلقي العلاج، محذرة من حالات طبية طارئة تستدعي الإجلاء الفوري.
وأكدت الوزارة في بيان لها، أن الآلية الحالية للإجلاء الطبي "ستتطلب سنوات لإجلاء المرضى والجرحى"، مشددة على ضرورة إجلاء 500 مريض يوميا على الأقل ''لوضع حد لمعاناتهم''.من جهته، أعلن مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن 22 ألف جريح ومريض بحاجة ماسة لمغادرة القطاع للعلاج في الخارج، في ظل تدهور الأوضاع الصحية بالقطاع.وأوضح مدير المكتب الإعلامي أنهم ''يراقبون عن كثب ما يجري في معبر رفح''، مشيرا إلى وجود أطراف عدة ستشرف على حركة المرور عبر المعبر، لافتا إلى أن لديهم ''معلومات عن رغبة أكثر من 80 ألف فلسطيني في العودة إلى غزة''.وتأتي هذه التصريحات في وقت يعاني فيه القطاع الصحي في غزة من انهيار شبه كامل، ما يهدد حياة آلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طبية متخصصة غير متوفرة داخل القطاع المحاصر.