Print this page

"الكبوط"لأمير العيوني تفتتح أيام قرطاج لفنون العرائس: في معنى أن نكون أحياء... دون أن نعيش !

"كلّنا خرجنا من معطف غوغول" لا تزال هذه

العبارة الشهيرة التي قالها "دوستويفسكي" تتداول على الألسنة حتى اليوم، في دلالة على أنّ نص "المعطف" للكاتب الروسي نيقولاي غوغول عزف على وتر الوجع الخالد، وترك معطفه معلّقا ليس كلباس بل كدلالة على حالة وجودية يلفّ بها الإنسان نفسه ليحتمي من قسوة العالم وبرد الحياة. غير أن هذا "المعطف" الذي يُفترض أن يمنح الدفء، يتحوّل مع الوقت إلى عبء، يثقل الجسد والروح معا.وفي "الكبوط" منح المخرج أمير العيوني قصة "المعطف"روحا عرائسية معاصرة ، أخرجت الدمية من فضائها الترفيهي المعتاد إلى منطقة فلسفية وإنسانية عميقة.

تمثل مسرحية "الكبوط" آخر إنتـاجات المركز الوطني لفنّ العرائس، في اقتبـاس وإخراج لأميـر العيوني عن قصة" المعطف" للكاتب الروسي نيكولاي ڤوڤول. و"االكبوط" من تصميم حسان السلامي في السينوغرافيا، وتصوّر وتصميم العرائس وليد الوسيعي، وأداء وتحريك عبد السلام الجمل وفاطمة الزهراء مرواني وأسامة الماكني وهيثم الوناسي وخلود الثابت وخلود الناعس. وقد ساعد في الإخراج كلّ من أميمة المجادي وأسامة الماكني.

خيوط مرئية وخفية تحرك المصائر

تحلّق مسرحية "الكبوط" بجمهورها على أجنحة الواقعية الساخرة إلى أفق وجودي قاتم. ينطلق العرض من روح النص الأصلي بعنوان "المعطف" للكاتب غوغول في سرد لحكاية الموظف البسيط المسحوق داخل آلة بيروقراطية، إنه موظف بائس ومعدم يحلم بشراء معطف جديد بعد اهتراء معطفه القديم وانتهاء مدة صلوحيته. لكن هذا الحلم صعب المنال ويستوجب تضحيات جسام من أجل توفير ثمنه. وفي "الكبوط" لا يستعيد المخرج أمير العيوني هذه القصة الروسية بوصفها متنا سرديا، بل بوصفها مناخا وجوديا. لا تتخذ الشخصية المحورية ملامح البطل التراجيدي، وفي المقابل تصوّر يوميات إنسان عادي يعيش روتينا مملا وتكرارا يوميا قاتلا مابين الطريق والمكتب والأوراق والنوم ... في دورة حياة مكررة دون أن تهب السعادة أو حتى أن تمنح الكرامة.

إذا كان غوغول قد كشف في قصته "المعطف" عن هشاشة الفرد أمام البيروقراطية القاسية، فإنّ مسرحية "الكبوط" تمضي خطوة أبعد، فهي لا تكتفي بإظهار الإنسان مسحوقا، بل تقدمه فاقدا لذاتيته من الأساس. لم يعد هناك بطل مأساوي واضح المعالم مثل "أكاكي أكاكيفيتش" بطل "المعطف"، بل كائنات مسرحية بلا ملامح نفسية عميقة، هي عرائس تتحرّك بفعل فاعل، توجهها أوامر وتتحكم في مصائرها خيوط تُرى .. وقد لا تُرى !

دراما بصرية وعرائس صامتة

اعتمدت الرؤية الإخراجية لمسرحية "الكبوط" على بناء العرض كنظم قصيدة بصرية. فالإيقاع بطيء عن قصد، والتكرار مقصود، والفراغات الزمنية ليست ثغرات، بل أدوات ضغط نفسي. فيجد المتفرّج نفسه متورطا في اللعبة، وفي الإحساس بثقل الزمن والعبء الذي تحمله الشخصيات العرائسية على الخشبة.
بمنتهى البراعة والمهارة، كان تصميم الدمى يميل إلى الواقعية الصادمة، بملامح بشرية جامدة نسبيا، كأنها فقدت دهشتها الأولى. هذا الجمود الظاهري يفتح المجال أمام التفاصيل الدقيقة في التحريك، حيث تصبح الارتجافة الصغيرة دلالة خوف، والانحناءة الطويلة علامة انكسار، والتكرار الحركي تعبيرا عن سجن داخلي.
وقد تماهى تحريك الدمى مع البعد النفسي للشخصيات في تذكير بصري دائم بأن الشخصية ليست سيّدة حركتها بل ثمة دائما قوى خارجية تمسك بالخيوط وتحكم في اللعبة.

السينوغرافيا ولعبة الفراغ

على ركح "الكبوط" توزعت مكاتب ضخمة، كراس تبتلع الجالس، تفاصيل يومية متضخّمة، وفراغات واسعة توحي بالعزلة. هذا التوزيع البصري في السينوغرافيا التي أبدعها حسان السلامي ليس عبثيا بل يحمل رؤية وجودية للعالم تشير إلى أنّ الحياة المعاصرة صارت أكبر من الإنسان، ومطالبها أكبر من طاقته، وضغوطها أوسع من قدرة احتماله.فحتى التحولات بين الفضاءات (البيت، العمل، الشارع...) لا تقدّم اختلافا حقيقيا في الجوهر، بل تؤكّد أن "القفص" قد يتغيّر شكله، لكن القضبان باقية.

وقد لعبت الإضاءة دورا دراميا بالغ التأثير، فبقع الضوء الضيقة تعزل الشخصية داخل مساحتها الصغيرة، فيما تمتد الظلال طويلا، فتضاعف الإحساس بالوحدة والهشاشة. كانت الانتقالات البطيئة بين الضوء والعتمة تشبه تحوّلات النفس على مقاس تحولات الزمن في تأكيد على معنى الفراغ.

حين صمتت العرائس، نطقت الموسيقى في سخرية خفية أو في إيقاعات قلقة أو في أمنيات قلقة بصوت الروح حين تعجز الشخصية عن التعبير.

التشييء وفقدان الهوية

في شكل دراما بصرية، تُجسّد "الكبوط" مفهوم التشييء بأبعاده الوجودية والاجتماعية. فالشخصيات لا تمتلك فرديتها، ولا يظهر لها تاريخ شخصي واضح، ما يعكس ذوبان الذات في منظومة تسحق الفوارق وتطمس منطقة الذاتية. والأخطر أنّ الإنسان أصبح مجرد وظيفة أو شكلا أو رقما.... لا تتحدث المسرحية عن زمن أو مكان محددين بل عن الإنسانية في العصر الحديث، حيث تتحوّل العلاقات إلى آليات ميكانية، واللغة إلى صيغ جاهزة، والوجود إلى أداء ميكانيكي متكرر.

ولعل الاعتماد على "عرائس صامتة" يتجاوز الخيار الفني ليحمل أطروحة فكرية مكثفة. وكأننا بالمخرج أراد أن يقول إنّ العرائس كائنات بلا إرادة، أما الصمت فليس غيابا للصوت فحسب، بل غياب القدرة على الاحتجاج والاختيار.
يتحول الصمت بهذا المعنى من حالة نفسية فردية، ليصبح نتاج بنية قهر شاملة تفرغ الإنسان حتى من قدرته على التعبير بسبب منظومة قمعٍ طويل الأمد وخوف متراكم واستسلام وُلد من العجز....

بالرغم من صمت لسانها ، فقد نطقت العرائس بلغة جسدها بما عجزت عن حمله الكلمات من وجع واستلاب واغتراب... وقد نجح فريق العمل، كل من موقعه في جعل هذا الصمت يصرخ أكثر مما يصرخ الكلام، ليكشف خواء عالم يضج بالحركة لكنه يفتقر إلى المعنى !

أبدا لا يخرج المتفرج بعد مشاهدة "الكبوط" كما دخل، بل يغادر وهو يلعن ربما المعطف الذي قيّد حريته، وربما يتهدد ويتوعد في قرارة نفسه بألا يترك وقته يضيع هباء مقابل أجر لا يسمح له حتى بشراء معطف ! وفي النهاية ليست "الكبوط" إعادة كتابة لـ «المعطف» لغوغول، بل هي استعارة في زمن أشد قسوة. فبينما حذّر غوغول من مجتمع قادر على قتل إنسان بسبب معطف، تكشف المسرحية عن عالم متوحش لم يعد يحتاج حتى إلى معطف كي يسحق الإنسان، إذ يكفي أن يضعه في موقع ثم يسلبه صوته ويتركه يتحرك كدمية.
أمام مرآة وجودية معاصرة، تقول "الكبوط" بوضوح موجع: الخطر ليس أن نفقد أشياءنا، بل في أن نفقد إنسانيتنا دون أن ننتبه !

 

المشاركة في هذا المقال