كل التوقعات؛ فقد تداولت أونصة الذهب في حدود 5,500 دولار أمريكي تقريبًا، بينما بلغ سعر غرام الذهب عيار 24 نحو 168 – 177 دولارًا، وهو ما يُترجم بقيمة غير مسبوقة مقارنة بالفترات السابقة.
وفي تونس، وصل سعر الغرام من الذهب عيار 24 إلى حوالي 482 – 485 دينار تونسي، وبلغ سعر الغرام عيار 21 نحو 422 – 424 دينارًا، ما يعكس ارتفاعًا حادًا في الأسعار المحلية يتوازى مع المسار العالمي للذهب.
ارتفاعًا غير مسبوق
أفاد حاتم بن يوسف، رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ، ، بأن سنة 2025 شهدت ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الذهب، حيث بلغت نسبة الزيادة 66%، فيما سجّل شهر جانفي وحده ارتفاعًا قُدّر بـ14%، ما يعني زيادة إجمالية تقارب 80% خلال 13 شهرًا.
وفي تصريح للمغرب ، أوضح بن يوسف أن سعر الغرام من الذهب عيار 18 وصل حاليًا إلى 347 دينارًا، بعد أن كان في حدود 310 دنانير منذ أسابيع قليلة فقط، مشيرًا إلى أن سعر الأونصة عالميًا تجاوز عتبة 5 آلاف دولار، مع توقعات ببلوغه 7 آلاف دولار خلال الفترة القادمة.
وبيّن أن هذا الارتفاع العالمي ستكون له انعكاسات مباشرة على السوق التونسية، حيث يُتوقع أن يتراوح سعر غرام الذهب عيار 18، دون احتساب كلفة الصياغة، بين 470 و480 دينارًا مع نهاية السنة، في حين قد يتجاوز السعر المعروض بمحلات بيع المصوغ 600 دينار للغرام الواحد.
ودعا رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ المواطنين إلى اعتبار الذهب خيارًا استثماريًا أفضل من الادخار النقدي، معتبرًا إياه من أكثر الوسائل أمانًا للحفاظ على القيمة في ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية، كما حثّ التجار على التريث في البيع نظرًا لمواصلة الأسعار منحاها التصاعدي.
تحول عميق
هذه الأرقام ليست مجرد تقلبات سعرية عابرة، بل علامة على تحول عميق في ديناميكية السوق المالية والاقتصاد العالمي. الأداء القياسي للذهب في الأيام الأخيرة، مع تجاوز مستويات تاريخية، يعكس حالة من عدم الاستقرار والثقة المتزعزعة في الأصول التقليدية، وهي ظاهرة تستحق التحليل من عدة زوايا.
فالارتفاع الكبير في أسعار الذهب على المستوى العالمي لا يمكن فهمه بمعزل عن السلوك الاستثماري للمؤسسات والأفراد. فقد شهد عام 2025 وحده ارتفاعًا قياسيًا في الطلب العالمي على الذهب وصل إلى رقم غير مسبوق بلغ 5,002 طن، وهو رقم يعكس تزايد الاقبال على المعدن كوسيلة للتحوط من المخاطر، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية وانتشار عدم اليقين الاقتصادي حول العالم.
ومن اللافت أن الزيادة في الطلب لم تكن محصورة فقط في شراء المجوهرات أو الاستخدام الصناعي، بل كان الطلب الاستثماري هو المحرك الأساسي؛ إذ ازدادت التدفقات إلى صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب وسجّلت مستويات قياسية، وهو مؤشر قوي على تحول الذهب إلى أحد الأصول الأساسية التي يلجأ إليها المستثمرون عندما تتراجع الثقة في الأصول التقليدية مثل الأسهم أو السندات.
سياسات البنوك المركزية وضعف العملات
من بين الأسباب المركزية لصعود الذهب تأتي السياسات النقدية والتوترات في أسعار الفائدة، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. ففي الوقت الذي يواجه فيه نظام السياسة النقدية الدولي ضغوطًا متعددة من ارتفاع مديونية الحكومات إلى تباطؤ النمو تتجه البنوك المركزية في عدة دول إلى زيادة مشترياتها من الذهب كأداة لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي. هذا التوجه ليس صدفة؛ فهو رد فعل على ضعف الثقة في العملات الورقية وتصاعد مخاطر التضخم، مما يجعل الذهب خيارًا جاذبًا لحماية القيمة في أوقات عدم اليقين.
كما أن ضعف الدولار الذي يُعد العملة الأساسية في تسعير الذهب يجعل المعدن أرخص للمشترين القادمين من خارج الولايات المتحدة، ما يزيد الطلب العالمي عليه بشكل غير مباشر، ويضغط على الأسعار نحو الأعلى. وهذه العوامل تتفاعل معًا في سوق معولم لا يمكن عزله عن التحولات الكبرى في السياسات النقدية والمالية الدولية.
ارتفاع محلي يعكس تأثيرًا عالميًا مباشرًا
تظهر الأرقام المحليةفي تونس، انعكاسًا مباشرًا لهذه التحولات العالمية، لكن مع خصائص محلية إضافية تساهم في تفاقم الوضع. وفق آخر بيانات الأسعار، سجل غرام الذهب عيار 24 في تونس نحو 482 – 485 دينارًا تونسيًا، بينما بلغ عيار 21 حوالي 422 – 424 دينار، وهو مستوى أعلى بكثير مما كان عليه قبل عام، عندما كان سعر الغرام أقل بكثير.
في الحقيقة ان زيادة الأسعار المحلية في تونس لا تنبع فقط من ارتفاع الأسعار العالمية، بل تتأثر أيضًا بـ سعر صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية، لا سيما الدولار. ففي بيئة يتقلّب فيها سعر صرف العملة المحلية، يصبح الذهب وسيلة يلجأ إليها المواطن لحماية مدخراته من فقدان القيمة، ما يزيد الطلب المحلي على المعدن نقدًا أو كاستثمار بديل.
هذا التحوّل في سلوك الشراء في تونس ينعكس بوضوح في ارتفاع الطلب على الذهب كأداة ادخار في مواجهة تآكل القوة الشرائية، وهو اتجاه يفرض ضغطًا إضافيًا على السوق المحلية ويدفع الأسعار إلى أعلى، بخاصة في ظل توقعات البعض بأن غرام الذهب قد يصل إلى مستويات تتجاوز 600 دينارًا إذا استمرت الظروف الراهنة دون تغيير جذري.
على الرغم من ارتفاع الطلب العام على الذهب، إلا أن سوق المجوهرات وهو أحد القطاعات التقليدية للطلب على الذهب تراجع عالميًا نتيجة للأرقام القياسية في الأسعار. فقد أدى ارتفاع الأسعار إلى انخفاض مبيعات المجوهرات، وقد بدأ هذا الاتجاه ينعكس حتى في الأسواق الكبرى مثل الصين، حيث يُعد هذا القطاع أحد أهم مصادر الطلب.
هذا التراجع في الطلب الاستهلاكي التقليدي مقابل الارتفاع القوي في الطلب الاستثماري يوضح كيف أن الذهب لم يعد مجرد سلعة للحلي والزينة، بل تحول إلى أصل استثماري يُنظر إليه بوصفه تحوطًا ضد المخاطر الاقتصادية. وهذه الصورة تكرّست منذ بداية موجات التسارع في الأسعار منذ 2024 واستمرت بقوة في 2025 حتى العام الحالي.
أسباب هيكلية وعوامل مؤقتة
من المهم التمييز بين ما هو عوامل هيكلية وبين ما هو عوامل ظرفية مؤقتة في تفسير هذا الصعود. من العوامل الهيكلية تأتي عملية تنويع الاحتياطات لدى البنوك المركزية وزيادة الطلب العالمي على الذهب كأصل آمن، وهي اتجاهات متوقعة أن تستمر طالما بقيت حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي مرتفعة. أما من العوامل المؤقتة فيمكن ذكر بعض التوترات الجيوسياسية الراهنة، والتي تعزز الطلب على الأصول الآمنة في فترات معينة، لكن قد تعاود السوق بعض التعديل في حال حدوث انفراجة سياسية أو تحول في التوجهات النقدية الكبرى.
إضافة إلى ذلك، فإن توقعات بعض المحللين تشير إلى إمكان حدوث تصحيحات سعرية مؤقتة إذا ما ظهرت بيانات اقتصادية إيجابية، أو إذا قامت البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة بشكل حاد لتحجيم التضخم، مما قد يجعل الذهب أقل جاذبية بالمقارنة مع الأصول ذات العائد المرتفع مثل السندات الحكومية. ومع ذلك فإن التصحيح، حتى لو حدث، قد يكون محدودًا نسبيًا في ظل استمرار العوامل الهيكلية الداعمة.
الانعكاسات المحلية: الاقتصاد التونسي بين فرص التحوط ومخاطر التضخم
ارتفاع أسعار الذهب في تونس له انعكاسات متعددة تتجاوز مجرد زيادة تكلفة الشراء. بالنسبة للأسر، فإن الارتفاع المستمر في أسعار الغرامات يُضعف القدرة الشرائية، ويجعل الذهب أقل جاذبية كمقتنى تقليدي للزينة، بينما يعزز من مكانته كوسيلة ادخار بديلة في مواجهة تدهور قيمة العملة المحلية. بالنسبة للقطاع التجاري، فإن الأسعار المرتفعة قد تقلل من حركة البيع والشراء في السوق التقليدية، لكنها قد ترتبط بزيادة الطلب على السبائك والاستثمارات الأكبر حجمًا.
أما على مستوى السياسات الوطنية، فإن ارتفاع الذهب قد يضع ضغوطًا على الجهات الرقابية في مراقبة سوق المعادن الثمينة ومنع التهريب غير المشروع، الذي يزداد عادة في فترات ارتفاع الأسعار، كوسيلة للتهرب من القيود المالية أو استغلال التقلبات السعرية للمكاسب السريعة.
خلاصة القول فإن الذهب ليس مجرد معدن بل مرآة الاقتصاد العالمي إذ يمكن القول إن ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات خيالية في 2026 ليس مجرد حدث سوقي عابر، بل مرآة لكثير من التوترات الاقتصادية العالمية والمحلية. في تونس كما في العالم، هذا الصعود يعكس حالة من البحث المستمر عن الأمان في أوضاع مالية غير مستقرة، وعن وسيلة لحماية القيمة وسط ضبابية واضحة في السياسات النقدية وأسعار الصرف. الذهب اليوم يكشف ما يخشاه المستثمرون أكثر مما يكشف ما يأملون، وهو مؤشر قوي على أن التحديات الاقتصادية الكبرى ما زالت قائمة، وتتطلب قراءة عميقة ومتابعة دائمة.