Print this page

أبعاد الترتيبات الأمنية الأمريكية لغزة "مجلس السلام" ... من الاحتلال الصهيوني الى الوصاية

أعلن البيت الأبيض، عن إنشاء كيان دولي جديد تحت

اسم "مجلس السلام" ، إلى جانب اعتماد تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، وذلك ضمن المرحلة الثانية من الخطة الشاملة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي قيل أنها تهدف لإنهاء الحرب في القطاع.
تدخل غزة مرحلة مفصلية مع تزامن الإعلان عن "مجلس السلام" وعودة الحديث عن نزع السلاح الذي ترفضه المقاومة ، في مشهد يشي بتداخل المسارات السياسية والأمنية على نحو غير مسبوق. فبينما تُقدم المرحلة الثانية بوصفها فرصة لوقف دائم لإطلاق النار وبدء إعادة الإعمار، تثير طبيعة الترتيبات المقترحة تساؤلات جدية حول قابليتها للصمود، في ظل غياب توافق حول الشروط ، واعتراضات إسرائيلية معلنة، وهيمنة أمريكية واضحة على مسار القرار. وبين ضغوط الواقع الإنساني ومتطلبات الأمن والسياسة، تبدو المرحلة الثانية محاطة بعوامل هشاشة قد تجعلها انتقالا مؤقتا قابلا للانهيار أكثر من كونها مسارا مستقرا نحو إنهاء الحرب.
وقالت الإدارة الأمريكية إن المجلس الجديد سيعمل على دعم الاستقرار وإعادة بناء منظومات الحكم والإدارة في المناطق المتأثرة بالنزاعات، وعلى رأسها غزة، مشيرة إلى تعيين ممثل سام للولايات المتحدة في القطاع، وبدء لجنة التكنوقراط الفلسطينية برئاسة علي شعث مهامها رسميا.
وبحسب وثائق تنظيمية أولية وفق وكالة بلومبيرغ، فإن الرئيس ترامب سيتولى رئاسة مجلس السلام في دورته الأولى، مع منحه صلاحيات واسعة تشمل المصادقة النهائية على قرارات المجلس، وتحديد الدول الأعضاء، والإشراف على الموارد المالية.
وتنص المسودة على اشتراط مساهمة مالية لا تقل عن مليار دولار للدول الراغبة في الاحتفاظ بعضوية دائمة في المجلس، على أن تكون مدة العضوية الأساسية ثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار من الرئيس، مع استثناء الدول التي تقدم مساهمات مالية أكبر خلال السنة الأولى.
ووفق مسودة الميثاق، تنص الوثيقة على أن عضوية الدول تمتد لثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار من الرئيس، على أن يستثنى من هذا القيد الزمني الأعضاء الذين يضخون أكثر من مليار دولار نقدا خلال السنة الأولى من عمل المجلس.
كما تمنح المسودة الرئيس الأمريكي سلطة الإشراف المباشر على الموارد المالية للمجلس، واعتماد ختمه الرسمي، وتحديد جدول أعمال اجتماعاته، فضلا عن حقه في عزل أي دولة عضو ما لم يعترض ثلثا الأعضاء على القرار.
ويصبح المجلس كيانا رسميا بمجرد مصادقة ثلاث دول فقط على الميثاق، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتجاوز الأطر الدولية التقليدية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي لطالما انتقدها ترامب واعتبرها عاجزة عن إدارة النزاعات الكبرى.
جدل واسع
وبحسب تقارير، وجه ترامب دعوات أولية لعدد من قادة العالم، من بينهم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، للمشاركة في مجلس سلام خاص بغزة، يعمل تحت المظلة العامة للمجلس الجديد.
وأشارت مصادر مطلعة إلى أن دولا أوروبية تلقت دعوات مماثلة، إلا أن عددا منها أبدى تحفظات جدية على مسودة الميثاق، خصوصا ما يتعلق بتركيز السلطة المالية والسياسية بيد الرئيس الأمريكي.
وأضافت المصادر أن بعض الحكومات بدأت بالفعل تنسيق مواقف مشتركة لمنع تمرير الصيغة الحالية للمجلس.
توتر مع إسرائيل
في موازاة ذلك، نقل موقع أكسيوس عن مسؤول أمريكي رفيع أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يُستشر بشأن تشكيل اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية لإدارة غزة، مؤكدا أن إسرائيل لا تملك حق الاعتراض على هذه الخطوة.
وقال المسؤول إن واشنطن ماضية في تنفيذ خطتها لإدارة غزة، وإن نتنياهو ''إما أن يلتزم بالمسار الأمريكي أو يتحمل تبعات إعادة الانخراط العسكري دون دعم أمريكي".
وأوضح أن صبر مستشاري ترامب بدأ ينفد حيال اعتراضات نتنياهو على الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية الخاصة بالقطاع.
تشكيلات أولية
وكان البيت الأبيض قد أعلن رسميا عن إنشاء "مجلس السلام" وتشكيل "اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة" ضمن ما وصفه بالمرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب.
وتضم اللجنة التنفيذية المؤقتة شخصيات دولية، بينها وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، على أن يتم لاحقا الإعلان عن التشكيلة الكاملة للمجلس.
وفي تعليق له، أعرب روبيو عن تطلعه للتعاون مع رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث من أجل ما اسماه "ارساء مستقبل أكثر استقرارا لغزة والمنطقة".
وأعلن البيت الأبيض تشكيل أعضاء "مجلس السلام" واعتماد تشكيلة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، ضمن أربعة هياكل خُصصت لإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع؛ وهي: مجلس السلام، ومجلس غزة التنفيذي، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقوة الاستقرار الدولية.
أبعاد الاعلان
ووفق مراقبين يعكس "مجلس السلام" توجها واضحا لإدارة ترامب نحو إعادة هندسة النظام الدولي لإدارة النزاعات، بعيدا عن المؤسسات الأممية التقليدية. فالمجلس، بصيغته المقترحة، يمنح واشنطن – وتحديدا الرئيس الأمريكي – نفوذا غير مسبوق سياسيا وماليا، ما قد يفسر التحفظات الأوروبية المتزايدة.
في المقابل، يحمل المشروع أبعادا سياسية داخلية، إذ يعزز صورة ترامب التي يريدها ويطمح اليها كصانع سلام عالمي عشية أي استحقاقات سياسية مقبلة، ويعيد إحياء دور شخصيات مثيرة للجدل مثل جاريد كوشنر وتوني بلير.
أما على صعيد غزة، فإن تجاوز "إسرائيل" في صياغة الترتيبات الإدارية يشير إلى تحول في ميزان العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، ويكشف عن استعداد واشنطن لفرض رؤيتها حتى على أقرب حلفائها.
ومع ذلك، يبقى نجاح هذا المجلس مرهونا بمدى استعداد الدول لتحمل كلفته المالية، وقبولها بنموذج يتركز فيه القرار بيد رئيس واحد، وهو ما قد يجعل المشروع فاشلا.
وتتزايد مخاوف في الأوساط السياسية والحقوقية الفلسطينية من وجود أجندات غير معلنة خلف الإعلان عن المجالس الدولية الجديدة، إذ يرى متابعون أن هذه الخطوات قد تشكل محاولة لإعادة ترتيب المشهد في غزة بما يخدم مصالح قوى خارجية، بعيدا عن الأولويات الوطنية الفلسطينية.
وصاية أمريكية
ويعتبر مراقبون أن مجلس السلام الخاص بغزة لا يندرج ضمن مبادرات الشراكة الحقيقية، بل ينظر إليه كإطار إداري تم فرضه كأمر واقع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. هذا التصور بدأ يرسخ قناعة لدى قطاعات واسعة من سكان القطاع بأن الهدف لا يتمثل في تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم بأنفسهم، بقدر ما يسعى إلى فرض صيغة أمنية وإدارية تضمن استقرارا مؤقتا، دون معالجة جذور الأزمة السياسية وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي .
وتشير هذه القراءة إلى أن التدخل الأمريكي في تفاصيل التشكيل والصلاحيات يعكس هيمنة مسبقة على القرار السيادي، ويعزز الانطباع بأن واشنطن تعمل على صياغة "غزة الجديدة" وفق رؤيتها الخاصة، عبر هندسة الواقع السياسي والاجتماعي للقطاع، وتجاوز التوافق الوطني الفلسطيني لصالح هياكل تعتمد ماليا وإداريا على الخارج، وبما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية.
ويرى محللون أن اللغة المستخدمة في الإعلانات الأمريكية الأخيرة حملت توصيفات غير مألوفة في سياق القضية الفلسطينية، أبرزها الحديث عن تعيين "مندوب سامٍ"، وهو توصيف أعاد إلى الأذهان أنماطا تاريخية استعمارية ارتبطت بإدارات خارجية وانتدابات سابقة، ما أثار قلقا واسعا بشأن طبيعة الدور المنتظر.
اذ أن الصيغة المطروحة حاليا تمثل نموذجا جديدا يحمل مخاطر حقيقية في حال جرى تحويله من ترتيب مؤقت إلى مسار سياسي دائم.
مخاوف من تمدد الدور المؤقت
وتكمن الخطورة، وفق متابعين، ليس في الطابع المؤقت للإدارة المقترحة بحد ذاته، بل في احتمال تمدده خارج إطار الإغاثة وإعادة الإعمار، خاصة في ظل وجود شخصيات ومستشارين يُنظر إلى بعضهم باعتبارهم قريبين من دوائر الاحتلال واليمين الإسرائيلي.
ويحذر متابعون من أن غياب موقف فلسطيني موحد قد يفتح الباب أمام ترسيخ هذه الصيغة، داعين إلى تحرك وطني عاجل يتضمن تجاوز الخلافات الداخلية وبناء مظلة سياسية جامعة تحول دون انزلاق الترتيب المؤقت إلى مشروع سياسي يمس جوهر القضية الفلسطينية.

"اللجنة الوطنية لإدارة غزة"

من جانبه وقع علي شعث، رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، امس الأحد، بيان مهمة اللجنة في أول إجراء رسمي له، وذلك تحديدا لمبادئ عملها وأطر مسؤولياتها.
وقال شعث، في منشور على منصة شركة "إكس" الأمريكية: "اليوم، وباعتباره أول إجراء رسمي لي، اعتمدتُ ووقّعتُ بيان مهمة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، تأكيدا على تفويضنا، وتحديدا لمبادئ عملنا وأطر مسؤولياتنا".
وأكد التزام لجنته بتحويل "المرحلة الانتقالية في قطاع غزة إلى أساس راسخ لازدهار فلسطيني مستدام"، وذلك بموجب الصلاحيات الممنوحة لها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، وخطة السلام ذات النقاط العشرين التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وصدر ذلك القرار في 17 نوفمبر 2025، عن مجلس الأمن حيث اعتمد فيه خطة ترامب لإنهاء الحرب بغزة.
وشدد شعث على أن مهمة اللجنة تتمثل في "إعادة بناء قطاع غزة، لا على مستوى البنية التحتية فحسب، بل في إعادة إحياء نسيجه المجتمعي واستعادة الأمل في مستقبل"، وذلك تحت إشراف مجلس السلام برئاسة ترامب وبدعم الممثل السامي لغزة نيكولاي ملادينوف.
وتابع: "تلتزم اللجنة بترسيخ الأمن، واستعادة الخدمات الأساسية التي تمثل حجر الزاوية للكرامة الإنسانية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب دعم مجتمع يقوم على قيم السلام والديمقراطية وسيادة القانون".
وأوضح شعث أن اللجنة ومن خلال التزامها بمعايير النزاهة والشفافية ستعمل على "بناء اقتصاد إنتاجي مستدام، قادر على تحويل التحديات إلى فرص، واستبدال البطالة بفرص عمل حقيقية تكفل حياة كريمة للجميع".
وأشار إلى أن "السلام هو الطريق الوحيد لضمان الحقوق الفلسطينية المشروعة، وتهيئة المسار نحو تقرير المصير وبناء مستقبل قائم على العدالة والاستقرار".
والجمعة، أعلن شعث أن اللجنة بدأت رسميا أعمالها من العاصمة المصرية القاهرة، تمهيدا للانتقال إلى قطاع غزة للشروع في تنفيذ خطة إغاثة عاجلة للشعب الفلسطيني.
وفي تعليقه على توقيع بيان مهمة اللجنة، أعرب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وعضو مجلس السلام التنفيذي التأسيسي، في منشور على منصة شركة "إكس"، عن تطلعاته للعمل مع شعث واللجنة الوطنية لإدارة غزة من أجل "بناء مستقبل أفضل لشعب غزة والمنطقة بأكملها".
من جانبه، أعاد المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، وعضو المجلس التنفيذي التأسيسي، في منشور على منصة شركة "إكس"، نشر تصريحات شعث التي تتحدث عن التزامها بترسيخ الأمن واستعادة الخدمات وباعتبار السلام طريق وحيد لضمان الحقوق الفلسطينية المشروعة. وقال معقبا على ذلك: "الآن يبدأ العمل الجاد".

عودة المندوب السامي بوجهٍ جديد
من جانبه قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني مصطفى إبراهيم للمغرب أنه "مع إعلان البيت الأبيض عن تشكيل ما سُمّي بـ "مجلس السلام"، لا تبدو فلسطين مقبلة على تسوية تاريخية، بقدر ما تواجه مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات مختلفة. الاسم ذاته، والأسماء المطروحة – ولا سيما مسمى المندوب السامي لغزة مع تداول اسم نيكولاي ميلادينوف – يثير الرعب أكثر من القلق، ويستدعي فوراً واحدة من أكثر مراحل التاريخ الفلسطيني سواداً: الانتداب البريطاني على فلسطين.
وتابع "حين دخل هيربرت صموئيل فلسطين بصفته المندوب السامي الأول، ممثلاً للإمبراطورية البريطانية و"العالم المتحضر"، رُفع شعار مساعدة الفلسطينيين على بناء دولة عصرية بعد الحكم العثماني. لكن تلك الحقبة انتهت بالنكبة عام 1948 وتهجير أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني من أرضه. هذه المقارنة ليست عاطفية، بل قراءة سياسية لمنطق يتجدد: الوصاية باسم السلام.لسنا من دعاة القول إن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، لكن الثابت أن جوهر المشروع الصهيوني لم يتغير: السيطرة على الأرض، تفكيك المجتمع الفلسطيني، وإدارة الفلسطينيين بالقوة أو عبر أشكال مختلفة من التطويع السياسي والاقتصادي. الجديد فقط هو اللغة المستخدمة، والأدوات، والأقنعة السياسية " وفق تعبيره
في هذا السياق، أكد ابراهيم أنه " لا يمكن فصل "مجلس السلام" عن كونه أداة أمريكية–إسرائيلية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب على غزة، لا بهدف إنهاء الاحتلال، بل لإعادة تشكيله. فالمجلس لا يستند إلى قرارات الشرعية الدولية أو مجلس الأمن المتعلقة بغزة، بل يشكّل التفافاً سياسياً عليها، عبر نزع القطاع من سياقه الوطني الفلسطيني وتحويله إلى ملف إداري–أمني بلا سيادة وبلا تمثيل وطني حقيقي. فصور الأقمار الصناعية الأخيرة تكشف أن غزة، بعد ثلاثة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار، لا تتجه نحو إعادة إعمار أو تهدئة مستقرة، بل نحو إعادة هندسة السيطرة على الأرض. أخطر هذه التحولات هو ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" الذي تحوّل من إجراء أمني مؤقت إلى حدود أمر واقع داخل القطاع" وفق ما أكده.

واضاف "تموضع جيش الاحتلال الإسرائيلي على طول هذا الخط، وتوغّله مئات الأمتار داخله، يعكس إعادة تعريف دولة الاحتلال لمفهوم الانسحاب: ليس انسحاباً من الاحتلال، بل إعادة تموضع أكثر إحكاماً. وصف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هذا الخط بأنه “الحدود الجديدة لإسرائيل” ليس توصيفاً عابراً، بل إعلان سياسي–عسكري صريح، يهدف إلى السيطرة على نحو 58% من مساحة غزة، مع فرض مراقبة نارية وبصرية على عمقها السكاني".
وتابع " رغم وقف إطلاق النار المعلن، تستمر عمليات الهدم، خاصة في جباليا وحي الشجاعية، بما في ذلك مناطق تقع غرب الخط المعلن. هذا التناقض يكشف أن وقف النار لا يعني توقف تغيير الواقع، بل فرضه بهدوء عبر سياسة الزحف الصامت، التي توسّع السيطرة دون إعلان رسمي وبكلفة سياسية أقل. في مقابل ذلك، أقام جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 13 موقعاً عسكرياً جديداً داخل القطاع، بعضها يشرف على مساحات واسعة من شمال غزة، بينما تُدفع عشرات آلاف العائلات إلى مدن خيام ومجمعات إيواء مؤقتة. المشهد يختصر معادلة المرحلة: عسكرة الأرض من جهة، وإدارة المجتمع عبر الإغاثة لا عبر الحلول السياسية من جهة أخرى".
وتابع أن أي حديث أمريكي عن "مرحلة ثانية" من خطة ترامب أو عن إسكان "سكان غير مرتبطين بحماس" في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية لا يخرج عن منطق الهندسة السكانية والسياسية، ومحاولة إنتاج واقع اجتماعي جديد تحت الإشراف الأمني الإسرائيلي، وليس تحت السيادة الفلسطينية. وأمام هذا المسار الخطير، يصبح المطلوب واضحاً: إعادة ترتيب البيت الفلسطيني على قاعدة وطنية جامعة، تحمي وحدة الهوية الفلسطينية وتمنع تحويل الانقسام إلى مدخل لإعادة إنتاج الوصاية. تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم، ليس كشعار، بل كسياسات فعلية تضمن سبل الحياة، وتمنع تحويل النزوح المؤقت إلى واقع دائم. رفض اختزال القضية في البعد الإنساني فقط، والدفاع عن بعدها السياسي والوطني بوصفه جوهر الصراع".

واضاف محدثنا "رغم قسوة المشهد، يبقى الأمل قائماً. لقد أثبت الشعب الفلسطيني، عبر عقود من النكبات والعدوان المستمر، قدرته على إعادة النهوض والبناء، والتمسك بأرضه وهويته رغم كل محاولات الاقتلاع. هذا الأمل ليس شعاراً رومنسياً، بل مستمد من تجربة تاريخية طويلة ووعي جمعي يدرك أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، ولا يُدار بالوصاية، بل يُبنى على أساس الحرية والعدالة. ما يجري اليوم ليس مسار سلام، بل إعادة إنتاج للاحتلال بأدوات جديدة. وبين خرائط السيطرة وخرائط البؤس، يبقى الرهان الحقيقي على الشعب الفلسطيني: صموده، قدرته على إعادة تنظيم ذاته، وإصراره على تقرير مستقبله، لا أن يكون موضوعاً".
الاحتلال يصادر 700 دونم من أراضي الفلسطينيين

كشفت صحيفة عبرية،امس الأحد، عن مصادرة الحكومة الإسرائيلية نحو 700 دونم من أراضي الفلسطينيين في موقع "استراتيجي" شمال غربي الضفة الغربية المحتلة، لإنشاء حي استيطاني بهدف تقويض فرص قيام دولة فلسطينية.
وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن الحكومة الإسرائيلية صادرت "قبل أيام، 695 دونما لإنشاء حيّ جديد قرب مستوطنة كارني شومرون".
وأضافت أن هذه المنطقة تقع "في موقع استراتيجي بالغ الأهمية، وتقطع التواصل الجغرافي بين بلدة سلفيت الفلسطينية ومدينة قلقيلية".
وشددت الصحيفة على أن "الهدف الرئيسي من هذه الخطوة من وجهة نظر الحكومة، هو قطع التواصل الجغرافي بين البلدات الفلسطينية، وتحويلها إلى جيوب معزولة، وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية بشكل كبير".
ولسنوات كان هدف مصادرة أراضي هذه المنطقة مطروحا على طاولة الحكومة الإسرائيلية لكنه لم يُنفذ لأسباب عدة.
ومنذ أن بدأت الإبادة الجماعية بغزة في 7 أكتوبر 2023، تكثف إسرائيل جرائمها لضم الضفة الغربية إليها، لا سيما عبر هدم منازل فلسطينيين وتهجيرهم وتوسيع الاستيطان، بحسب السلطات الفلسطينية.
ومن شأن ضم إسرائيل الضفة الغربية رسميا، إنهاء إمكانية تنفيذ مبدأ حل الدولتين، المنصوص عليه في قرارات صدرت عن الأمم المتحدة.
وبحسب تقارير فلسطينية رسمية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة نهاية 2024 نحو 770 ألفا، موزعين على أكثر من 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية.

 

 

المشاركة في هذا المقال