من التصعيد، تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الضغوط السياسية، في وقت تتزايد فيه التحديات أمام قطاع غزة المحتل وإيران، وسط صمت دولي وعجز واضح عن كبح منطق القوة الذي تعتمده حكومة الاحتلال الإسرائيلية في المنطقة وفي خضم ذلك أعلنت قطر، أنها تعمل مع الوسطاء لبدء ثاني مراحل اتفاق غزة، كما تشارك في جهود لعودة إيران إلى طاولة الحوار مع الولايات المتحدة. وتصاعد ضغط الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل على طهران منذ أن بدأت في إيران يوم 28 ديسمبر الماضي احتجاجات شعبية .
توسيع العمليات الصهيونية
ووفق آخر التطورات تشهد الساحة الفلسطينية مؤشرات خطيرة على نية الاحتلال الإسرائيلي توسيع عملياته العسكرية في قطاع غزة خلال الفترة المقبلة، مع تركيز واضح على مدينة غزة ومحيطها، في إطار مساع لفرض سيطرة ميدانية أوسع وخلق وقائع جديدة على الأرض.
هذه الخطط، التي لا يمكن فصلها عن سياق الحصار المستمر والعدوان المتكرر، تعكس استمرار الاعتماد على الحلول العسكرية بدل السياسية، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها الفلسطينيون، من تدمير للبنية التحتية، وتشريد للسكان، وتفاقم للأوضاع المعيشية والصحية.
وتكشف المعطيات أن أي تصعيد واسع النطاق يبقى مرهونا بتوافر غطاء ودعم سياسي وعسكري من الولايات المتحدة، وهو ما يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مسؤولية القوى الكبرى في استمرار الحرب، ومدى التزامها الفعلي بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي.
إيران: احتجاجات داخلية وضغوط خارجية
في موازاة ذلك، تواجه إيران مرحلة دقيقة في ظل احتجاجات متواصلة، تتقاطع مع تصعيد في الخطاب السياسي الأمريكي، ودراسة ترامب خيارات تستهدف مؤسسات أمنية إيرانية بحجة التعامل مع الاحتجاجات.
غير أن النقاش الدائر داخل دوائر صنع القرار الأمريكي يعكس إدراكا لمخاطر أي تدخل مباشر، إذ يُخشى أن يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية ، أو فتح الباب أمام ردود فعل قد تهدد الاستقرار الإقليمي ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
وفي الداخل الإيراني، تبرز معادلة معقدة بين الحفاظ على الأمن والاستقرار من جهة، والاستجابة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة من جهة أخرى، في ظل عقوبات مشددة تعيق قدرة الدولة على تلبية المطالب الشعبية وتزيد من تعقيد المشهد.
ازدواجية المعايير ومنطق القوة
في ظل هذه التطورات، تواصل غزة صمودها في وجه آلة عسكرية ، فيما تواجه إيران محاولات تطويق سياسي واقتصادي مستمرة. ورغم اختلاف السياقين، إلا أن القاسم المشترك يبقى رفض الإخضاع ورفض فرض الإرادات والوصايات الخارجية. ويبقى مستقبل المنطقة مرهونا بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجتها جذريا، عبر مقاربات عادلة تعالج جذور الحرب وتنهي الاحتلال ، بدل الاكتفاء بسياسات التصعيد التي أثبتت فشلها مرارا.
من جهته قال رئيس الأركان العامة الإيراني عبد الرحيم موسوي، إن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أرسلتا عناصر من تنظيم داعش الإرهابي إلى إيران لتنفيذ هجمات استهدفت المواطنين وقوات الأمن.جاء ذلك في تصريح للصحفيين، أمس الثلاثاء، بحسب ما أوردته وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية.
وأضاف موسوي: "أرسلت الولايات المتحدة وإسرائيل عناصر من تنظيم داعش إلى إيران تعويضا عن هزيمتهما في حرب الأيام الاثني عشر. وشنّ هؤلاء المرتزقة هجمات على الشعب الإيراني وقوات الأمن، أسفرت عن استشهادهم".
وأشار المسؤول الإيراني إلى أن قوات الأمن في بلاده تعاملت مع المتظاهرين بـ"ضبط النفس".وأردف: "لن تسمح إيران بانتهاك وحدة أراضيها وسيادتها. وعلى العدو أن يعلم أن قوات الأمن الإيرانية لن تسمح لأي إرهابي بالنزول إلى الشوارع".ولم يصدر تعليق فوري من الولايات المتحدة أو إسرائيل على الاتهامات الإيرانية.
وفي 28 ديسمبر الماضي، بدأ التجار في السوق الكبير بالعاصمة الإيرانية طهران احتجاجات على التراجع الحاد في قيمة الريال الإيراني أمام العملات الأجنبية وتفاقم المشكلات الاقتصادية، وتمددت الاحتجاجات لاحقا إلى العديد من المدن.وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن هناك حالة الاستياء الشعبي، مؤكدا أن الحكومة مسؤولة عن المشاكل الاقتصادية الراهنة، وحث المسؤولين على عدم إلقاء اللوم على جهات خارجية مثل الولايات المتحدة.
إيران ولبنان وغزة
من جهة أخرى قال مسؤول ''إسرائيلي'' إن ''إسرائيل لن تتدخل في الوضع الداخلي في إيران، لكن الولايات المتحدة قد تتحرك قريبا عسكريا ضد طهران، بغض النظر عن الموقف الإسرائيلي.''
وتوقع المسؤول ذاته أنه في حال ردت إيران على الولايات المتحدة بقصف إسرائيل أيضا، فإننا سنكون أمام سيناريو مشابه للحرب الماضية، مع إطلاق نحو 1000 صاروخ باليستي على إسرائيل.وأعلنت إسرائيل رفع حالة التأهب دفاعيا وهجوميا.ويبحث نتنياهو أمس الثلاثاء في الكابينت ملفي إيران ولبنان، حيث يعتقد أن هناك فرصة قد لا تتكرر للحسم العسكري على الجبهات الثلاث: إيران ولبنان وغزة، بمساعدة واشنطن.
قطر تحذّر من عواقب "كارثية" على المنطقة
من جهتها حذّرت قطر امس الثلاثاء من عواقب "كارثية" على المنطقة نتيجة أي تصعيد عسكري أمريكي إيراني، مع تهديد واشنطن بالتدخل عسكريا في ظل قمع التحركات الاحتجاجية التي تشهدها الجمهورية الإسلامية.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري في مؤتمر صحافي ردا على سؤال وفق وكالة فرانس براس بشأن التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن "نحن نعلم أن أي تصعيد... ستكون له نتائج كارثية في المنطقة وخارجها، ولذلك نريد تجنّب ذلك قدر الإمكان".وكانت الدوحة دفعت ثمنا للتدخل الأمريكي في الحرب بين إيران و''إسرائيل'' التي استمرت 12 يوما في جوان الفائت.
وأطلقت طهران صواريخ على قاعدة العديد الأمريكية في الدوحة ردا على استهداف واشنطن منشآتها النووية، في هجوم لم يسفر عن ضحايا.جاءت تصريحات الأنصاري غداة تأكيد البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب يبقي على خيار شنّ غارات جوية على إيران في مواجهة حملة قمع الاحتجاجات المناهضة للسلطات، مع الإبقاء على قناة دبلوماسية مفتوحة مع طهران.
وردا على التهديدات الأمريكية، توعد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بأن الجيش الإيراني سيلقّن ترامب "درساً لا يُنسى" في حال شنت واشنطن هجوما جديدا على إيران.واعتبر الجيش والسفن الأمريكية بمثابة "أهداف مشروعة" في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي.
وقالت واشنطن أيضًا إن القنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، وإن إيران تتخذ "نبرة مختلفة تمامًا" في المناقشات الخاصة مع المبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف.وقال الأنصاري "ما زلنا في مرحلة نعتقد فيها أن الحل الدبلوماسي ممكن ... نحن منخرطون في التحدث إلى جميع الأطراف، وبالطبع مع جيراننا"
مقتل مئة طفل على الأقل في غزة
قُتل ما لا يقل عن مئة طفل في غارات جوية وأعمال عنف في غزة منذ بدء وقف إطلاق النار قبل ثلاثة أشهر، وفق ما أعلنت الأمم المتحدة أمس الثلاثاء.
وقال المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) جيمس إلدر للصحافيين في جنيف من مدينة غزة "قُتل أكثر من مئة طفل في غزة منذ وقف إطلاق النار مطلع أكتوبر، ما يعني مقتل صبي أو فتاة يوميا تقريبا خلال فترة وقف إطلاق النار".وأشار إلى أن الأطفال قُتلوا في "قصف جوي وغارات بمسيّرات بما يشمل الانتحارية منها... وقصف بالدبابات... وبالذخيرة الحية".
غزة تغرق
ميدانيا تتضاعف مأساة أهالي قطاع غزة في كل منخفض جوي نتيجة الدمار الهائل الذي خلفته الحرب الإسرائيلية، وعيش مئات الآلاف في خيام نزوح بالية تنعدم فيها وسائل الحماية والتدفئة.
وتتكرر كوارث الطقس في قطاع غزة مع تأثره بمنخفض جوي جديد يصنف على أنه أقوى من المنخفضات السابقة، إذ تبلغ سرعة الرياح 90 كيلومتراً في الساعة، مع أمطار غزيرة، ما أدى لاقتلاع الخيام وتطاير الشوادر البلاستيكية التي تغطيها، إضافة إلى غرق آلاف الخيام، وتسجيل انهيارات في المنازل المتضررة من القصف الإسرائيلي.
وسجل القطاع 7 وفيات نتيجة المنخفض الجوي الحالي، من بينهم امرأتان وطفلة ورجل مسن من جراء انهيار منازل، إضافة إلى وفاة طفل في دير البلح نتيجة البرد القارس، وشاب لقي حتفه نتيجة سقوط أحجار من مئذنة مسجد متضرر في مدينة غزة، كما انجرفت 7000 خيمة خلال اليومين الأخيرين، وتضررت 127 ألف خيمة من أصل 135 ألف خيمة في القطاع، وفق معطيات رسمية وصحية. ويؤكد مسؤولون محليون ومؤسسات دولية أن نسبة العجز في الأغطية ووسائل التدفئة تتجاوز 70%.
وكشفت المنخفضات الجوية عمق المعاناة البيئية الناتجة عن انسداد مناهل التصريف، ما يؤدي إلى اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار، وتحول الشوارع إلى مستنقعات مليئة بالأوحال التي تعيق حركة الأهالي والمركبات.
وتفاقمت معاناة النازحين على شاطئ بحر غزة نتيجة شدة الرياح التي اقتلعت الكثير من الخيام، وتضاعفت المأساة على شاطئ بحر مواصي خانيونس، حيث يتكدس آلاف النازحين. وتسببت المنخفضات الجوية المتلاحقة بنزوح آلاف العائلات التي كانت تسكن خياماً على شاطئ المواصي، نتيجة سوء الطقس أو انجراف الخيام إلى داخل البحر.
تثبيت اتفاق غزة
في الأثناء دعا حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني،أمس الثلاثاء، الاتحاد الأوروبي إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في تثبيت التهدئة بقطاع غزة وفتح أفق سياسي.
جاء ذلك خلال لقاء الشيخ وفدا من الاتحاد الأوروبي في مكتبه بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية، بحسب بيان صدر عن مكتبه وفق الأناضول.وشدد على "ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، بما يسهم في تثبيت التهدئة وتهيئة مسار سياسي حقيقي".
وتم اعتماد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803 في 17 نوفمبر 2025 لتنفيذ خطة الرئيس ترامب لوقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى المكونة من 20 نقطة ووافقت عليها إسرائيل وحماس في أكتوبر من العام نفسه.
وفي 10 أكتوبر 2025 بدأ سريان المرحلة الأولى من الاتفاق استنادا إلى الخطة، لكن إسرائيل تخرقه يوميا، ما أسفر عن مئات القتلى والجرحى بين المدنيين الفلسطينيين.
وأكد الشيخ "أهمية إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة فورا ودون عوائق، في ظل الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعانيها الفلسطينيون في القطاع"، مشيرا إلى "ضرورة الربط السياسي والقانوني بين الضفة الغربية وقطاع غزة كأساس لوحدة أراضي الدولة الفلسطينية".
كما أكد "أهمية الدور الأوروبي في دعم الجهود السياسية والاقتصادية الرامية إلى تحقيق الاستقرار، وضمان حماية حقوق الشعب الفلسطيني وفق أحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية"، وأن "الحلول المرحلية لا يمكن أن تكون بديلا عن مسار سياسي ينهي الاحتلال ويحقق السلام العادل والدائم".
وضم الوفد أليكساندر شتوتسمان ممثل الاتحاد الأوروبي، وكريستيان بيرغر مدير مركز الاستجابة للأزمات التابع لجهاز العمل الخارجي الأوروبي، وجيمس ريزو نائب ممثل الاتحاد الأوروبي في فلسطين، إلى جانب شادي عثمان مسؤول الإعلام.من جانبهم، أكد ممثلو الاتحاد الأوروبي الالتزام بمواصلة دعم الشعب الفلسطيني ومؤسساته، وتعزيز الشراكة مع القيادة الفلسطينية، بما يسهم في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار.
ميدانيت هدم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أمس الثلاثاء، منزلا فلسطينيا في بلدة كفر الديك بمحافظة سلفيت شمالي الضفة الغربية المحتلة، بدعوى "البناء دون ترخيص".وأفادت مصادر محلية وفق الأناضول، بأن "جرافات إسرائيلية اقتحمت المنطقة الواقعة بين بلدتي بروقين وكفر الديك، وشرعت في هدم منزل المواطن شريف فتحي علي أحمد المكون من طابقين، بدعوى البناء دون ترخيص".وأوضحت المصادر أن "العائلة أجبرت على إخلاء المنزل منذ عدة أشهر، بعد إبلاغها بنية الهدم".
وزادت أن القوات الإسرائيلية أبلغت عائلة أخرى في البلدة نيتها هدم منزلها اليوم للذريعة نفسها، غير أنها انسحبت دون هدمه.ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، نفذت السلطات الإسرائيلية 538 عملية هدم خلال 2025، استهدفت نحو 1400 منزل ومنشأة، "في ارتفاع غير مسبوق مقارنة بالسنوات السابقة، ضمن منهجية تهدف إلى استهداف البناء والنمو الطبيعي للأهالي".
يأتي ذلك بينما تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة استمرارا للانتهاكات الإسرائيلية التي تشمل الاستيطان غير القانوني، والهدم القسري للمنازل، ومصادرة الأراضي الزراعية، في إطار ما تصفه الفصائل الفلسطينية بالتهجير.
وقتل الجيش الإسرائيلي ومستوطنون بالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ما لا يقل عن 1106 فلسطينيين، وأصابوا نحو 11 ألفا، إضافة لاعتقال أكثر من 21 ألفا، منذ بدء الإبادة بقطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، والتي استمرت عامين، بحسب معطيات رسمية فلسطينية.