المغرب

المغرب

صدر بالعدد الأخير للرائد الرسمي للجمهورية

كلما دخل موضوع تربوي من الخارج إلى

جاء العمل الجديد للممثل والمخرج التونسي جعفر القاسمي

الإثنين, 28 أيلول/سبتمبر 2026 13:46

غزة عالقة وسط الركام ووهم خطة السلام

خطة إعادة إعمار غزة عالقة بين كارثة إنسانية

هناك حلقات من التاريخ الوطني، لأنها أُغلقت منذ البداية داخل رواية رسمية، كادت أن تتوقف عن أن تكون موضوعًا لتحقيق تاريخي حقيقي. وتُعدّ محاولة الانقلاب التي وقعت في ديسمبر/كانون الأول 1962 ضد الحبيب بورقيبة واحدة من هذه الحلقات*

فقد بدا أن القضية قد حُسمت منذ زمن بعيد: إذ قيل إن مجموعة من العسكريين والمدنيين، بقيادة الأزهر الشرايطي، خططت لاغتيال رئيس الجمهورية والإطاحة بالنظام. وقد أفضى فشل المؤامرة، والاعتقالات التي أعقبتها، والمحاكمة أمام المحكمة العسكرية، ثم صدور الأحكام، إلى تشكيل عناصر رواية أصبحت هي السائدة.

تمثل أولى مزايا الكتاب الجديد لمحمد المي، «محاولة الانقلاب على بورقيبة: " مؤامرة 1962"، الصادر سنة 2026، تحديدًا في إعادة فتح هذا الملف انطلاقًا من الوثائق القضائية وشهادات أبرز الشخصيات التي كانت طرفًا فيه.

فالأمر لا يتعلق بمجرد رواية جديدة للقضية، وإنما بدعوة إلى إعادة قراءة مرحلة حاسمة من تاريخ تونس المستقلة.

في إتاحة المجال للحديث أمام الذين صدرت بحقهم الأحكام تكمن أهم إضافة يقدمها الكتاب في نشر مجموعة وثائقية مهمة، تتمثل في خمسة وعشرين محضر استنطاق للمتهمين، وأربع مرافعات لهيئة الدفاع، والتصريحات الأخيرة للمتهمين، إضافة إلى الحكم القضائي.

ويكتسي هذا الاختيار قيمة تاريخية كبيرة.

فلفترة طويلة، لم يحضر المحكوم عليهم في قضية 1962 في الذاكرة العامة إلا من خلال الاتهامات الموجهة إليهم والرواية السياسية التي رافقت المحاكمة. أما المي، فيعيد إلى الواجهة أقوالهم هم. وليس الهدف من ذلك تحويل هذه الأقوال تلقائيًا إلى حقيقة، ولا إعادة تأهيل أصحابها، وإنما إتاحة المجال للمؤرخ والقارئ لقياس تنوع مواقفهم ودوافعهم ومساراتهم.

وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين تاريخ يُروى انطلاقًا من حكم قضائي، وتاريخ يعود إلى المصادر الأصلية للملف.

وبطبيعة الحال، لا تمثل محاضر الاستنطاق كلامًا شفافًا أو حقيقة خالصة. فقد يسعى المتهم، أثناء استجوابه من قبل المحققين، إلى التقليل من دوره، أو تحميل غيره المسؤولية، أو حماية أقاربه، أو تقديم مشاركته في الأحداث في صورة أكثر إيجابية. غير أن هذا القيد لا يقلل من قيمة هذه الوثائق، بل يفرض، على العكس، مقارنتها بعضها ببعض، ومقاطعتها مع صحافة تلك المرحلة، ومع الأرشيفات والشهادات الأخرى.

ومن هذه المواجهة بين الروايات والمصادر تولد الكتابة التاريخية. لعل الشرايطي لم يعد وحده محور الرواية .

من أكثر النتائج إثارة للاهتمام التي تتيحها الوثائق التي جمعها محمد المي، إعادة النظر في موقع الأزهر الشرايطي في هذه القضية.

فالرواية التقليدية جعلت من شخصيته محورًا أساسيًا لمحاولة الانقلاب. غير أن محاضر الاستنطاق تكشف مشهدًا أكثر تعقيدًا، يبدو فيه عمر بن بملّي مؤديًا لدور أكثر أهمية مما توحي به الرواية التقليدية.

ومع ذلك، ينبغي تجنب استبدال تبسيط بآخر؛ فانتقالنا من القول بـ«مؤامرة الشرايطي» إلى القول بـ«مؤامرة البنبلي» لا يؤدي إلا إلى نقل المشكلة من شخص إلى آخر.

والذي يبدو أن الوثائق تكشفه، بالأحرى، هو وجود محيط متنوع وغير متجانس، التقت فيه عناصر عسكرية، ومقاومون سابقون من حركة النضال الوطني، ومدنيون، وأشخاص ينتمون إلى حساسيات سياسية مختلفة.

وهنا يصبح السؤال التاريخي أكثر إثارة للاهتمام: كيف أمكن لمسارات مختلفة إلى هذا الحد أن تلتقي، في نهاية سنة 1962، حول فكرة القيام بعمل يستهدف سلطة بورقيبة؟ذ

 

خلف المؤامرة: إحباطات مرحلة ما بعد الاستقلال

ولعل هذا هو المجال الذي يفتح فيه الكتاب أكثر المسالك البحثية خصوبة.

فالشهادات التي جمعها المي تكشف، خلف المشروع السياسي، تراكمًا من مشاعر الإحباط. وهي إحباطات لم تكن من طبيعة واحدة.

فهناك أولًا المآخذ السياسية: تسوية قضية بنزرت، والعلاقات مع فرنسا، والخيارات التي اتُخذت بعد الاستقلال، والتركيز التدريجي للسلطات، والمكانة التي أُسندت إلى مختلف مكونات الحركة الوطنية.

لكن هناك أيضًا بُعد آخر، أكثر اجتماعية وشخصية.

فبعض المقاومين السابقين يبدو أنهم كانوا يعتبرون أن مشاركتهم في النضال الوطني تمنحهم حقوقًا خاصة في الدولة الجديدة المستقلة: مسؤوليات، ومناصب، وتراخيص، وأراضٍ، ومزايا، أو اعترافًا بمكانتهم.

ولذلك لم يكن الصراع مجرد نزاع بين أفراد ورئيس للجمهورية، بل كان يمس سؤالًا أعمق بكثير: لمن تعود الشرعية في دولة حديثة الاستقلال؟

بنزرت: جرح سياسي في قلب الشهادات

تظهر قضية بنزرت كذلك عنصرًا مهمًا في هذه القصة.

فقد شكلت معركة بنزرت سنة 1961 لحظة أساسية في التعبئة الوطنية. غير أن نتائجها والاتفاقات التي تلتها أثارت، في بعض الأوساط، تساؤلات ومشاعر من الإحباط.

وهنا ينبغي التمييز بين الوقائع وبين الذاكرات السياسية التي تشكلت حولها.

والمهم تاريخيًا هو أن بنزرت تظهر في الشهادات باعتبارها أحد العناصر التي عبّر من خلالها بعض أطراف قضية 1962 عن اختلافهم مع توجهات السلطة.

المحاكمة نفسها موضوع تاريخي

غير أنه سيكون منقوصًا أن نتوقف عند التحضيرات للمؤامرة وحدها. 

فالمحاكمة العسكرية سنة 1963 تمثل بدورها موضوعًا تاريخيًا بالغ الأهمية.

إن محاضر الاستنطاق، والمرافعات، والكلمات الأخيرة للمتهمين، والحكم الذي نشره محمد المي، تتيح العودة إلى الطريقة التي تعاملت بها العدالة العسكرية مع هذه القضية.

وبعبارة أخرى، على المؤرخ أن يدرس في الوقت نفسه ما حدث سنة 1962، والطريقة التي روت بها تونس الرسمية ما حدث.

ولعل هذا أحد أهم جوانب قيمة كتاب محمد المي.

خطاب بورقيبة: وثيقة أخرى في الملف

وفي هذا السياق، يشكل خطاب ألقاه بورقيبة بعد اكتشاف المؤامرة مصدرًا بالغ الدلالة.  

فقد قدم بورقيبة القضية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لشخصه ولوجود الدولة نفسها. وشدد على مخططات الاغتيال وعلى ما اعتبره رغبة لدى المتآمرين في إحداث الفوضى.

غير أن خطابه يقدم، بصورة غير مباشرة، إضاءة مهمة على دوافع الصراع.

فهو يعود بإسهاب إلى المقاومين السابقين، وإلى أولئك الذين كانوا يرون أن مشاركتهم في النضال الوطني تمنحهم حقوقًا خاصة، وإلى مشاعر الإحباط المرتبطة بالمناصب والامتيازات والمزايا المنتظرة.

وتستحق هذه الفقرة من الخطاب أن تُقارن بالشهادات التي نشرها المي.

ليس لأن الخطاب الرئاسي يمثل المفتاح الذي يسمح بحسم القضية، وإنما لأنه يبين كيف كان بورقيبة نفسه يفسر طبيعة الصراع.

من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة

ولعل هذا هو جوهر الرهان التاريخي الحقيقي لسنة 1962.

فقد اتسمت السنوات الأولى من الاستقلال بالانتقال من شرعية النضال الوطني إلى شرعية تقوم على الدولة.

وهذا الانتقال لم يكن أمرًا تلقائيًا.

فالذين خاضوا النضال في السر، أو في الجبال، أو داخل الشبكات السياسية، كان بإمكانهم أن يعتبروا أن تضحياتهم تمنحهم مكانة خاصة في تونس الجديدة.

أما بورقيبة فكان يدافع عن تصور مختلف: فبمجرد تحقق الاستقلال، لم يعد ينبغي أن تكون الشرعية ملكًا للمقاومين بصفتهم هذه، وإنما لمؤسسات الدولة.

ومن ثم يمكن قراءة صراع 1962 بوصفه إحدى اللحظات التي تصادمت فيها رؤيتان للشرعية الوطنية.

إحداهما تستند إلى التضحية والنضال السابق، والأخرى إلى بناء دولة مركزية ومنظمة وقادرة على الاستمرار.

وبالطبع، لا تستنفد هذه المواجهة كل أبعاد القضية. فهي لا ينبغي أن تحجب الطموحات الشخصية، والتنافسات السياسية، والحساسيات الإيديولوجية، والإحباطات الاجتماعية التي تظهر في الشهادات.

لكنها تسمح بوضع الحدث في سياق أوسع يتعلق بتاريخ بناء الدولة التونسية.   

لا تبرئة ولا إدانة بأثر رجعي

وأخيرًا، ينبغي التنويه باحتراز أساسي يجب أن يحافظ عليه كل من يقرأ الكتاب: إن إعادة فتح ملف ما لا تعني تبرئة الذين صدرت بحقهم الأحكام.فالمؤرخ ليس مدعيًا عامًا ولا محاميًا.

إن مهمته تتمثل في إثبات الوقائع، ومقارنة الروايات، وقياس التناقضات، وإعادة الشخصيات الفاعلة إلى تعقيدها الإنساني والتاريخي.

ويجعل كتاب محمد المي هذا العمل ممكنًا، لأنه يعيد إتاحة مصادر تسمح بتجاوز الرواية المبسطة لقضية اعتُبرت مغلقة نهائيًا.وهو لا يقدم إجابات عن جميع الأسئلة. ولعل هذه تحديدًا إحدى نقاط قوته.فالكتاب يدعو إلى مواصلة البحث: في أرشيف الدولة، وفي صحافة سنتي 1962 و1963، وفي الأرشيفات العسكرية والقضائية، وفي ذاكرة العائلات، وفي الشهادات اللاحقة لأطراف القضية.

قضية تستحق أخيرًا أن تخرج من دائرة الأسطورة

بعد أربعة وستين عامًا على تلك الأحداث، تستحق محاولة 1962 إذن أكثر من مجرد تكرار الرواية التي ترسخت غداة المحاكمة.

إن كتاب محمد المي لا يهدم تلك الرواية، وإنما يضعها أمام اختبار الوثائق.وهذا في حد ذاته إنجاز مهم.

فأهمية سنة 1962 لا تكمن فقط في معرفة من كان يريد الإطاحة ببورقيبة، وإنما في فهم لماذا انتهى رجال ينتمون إلى التاريخ الوطني نفسه، وبعد خمسة عشر عامًا فقط من بداية النضال الوطني، إلى التفكير في قطيعة عنيفة مع السلطة التي أفرزها الاستقلال.

إن هذا السؤال يتجاوز الأشخاص. فهو يمس نشأة الدولة التونسية، وتناقضات الشرعية الوطنية، والتوترات بين ذاكرة النضال ومتطلبات بناء الدولة.

ومن هذا المنظور، لا يغلق محمد المي ملف 1962، وإنما يعيد فتحه.

والتاريخ، عندما يُطرح عليه السؤال الحقيقي، يبدأ في كثير من الأحيان من النقطة التي كانت الروايات الرسمية قد أرادت أن تضع عندها خاتمتها.

بقلم: د. عبد الحميد الأرقش

الجمعة, 25 أيلول/سبتمبر 2026 13:36

معاركنا الكبرى… وعالمنا الصغير!

أعاد قرار الإدارة الأمريكية رفع السرية عن ملفات

تُعد كوستاريكا من أبرز التجارب الدولية التي نجحت

الخميس, 24 أيلول/سبتمبر 2026 13:36

حديث الإبداع والإيداع ..

في اللغة العربية، قد يكون ما تحت الحرف أو فوقه حركة

الخميس, 24 أيلول/سبتمبر 2026 13:34

الدولة وضفدع والماء الساخن

هناك بلدان نراقب أزماتها من مسافة المحلل

الصفحة 1 من 7334

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115