خفايا ومرايا: الخبز المر

كنا ننتظر إثر بيان وزارة الخارجية الأمريكية الذي أعلنت فيه عن منح تونس لمساعدة بـ 60 مليون دولار لفائدة أبناء العائلات الفقيرة بتونس»

أن تتهاطل بيانات التنديد والشجب من التنسيقيات ومناصري الرئيس عمّا يمكن تأويله كإهانة من طرف الإدارة الأمريكية كما كنّا ننتظر أن يطلع علينا رئيس الدولة بنفسه في أخبار الثامنة وأمامه رئيسة الحكومة وهو يحدّثها بصوت مرتفع موجها كلامه للإدارة الامريكية قائلا» لن نقبل منكم هذه المساعدة لما فيها من مسّ من سمعتنا وسيادتنا سيادتنا مستشهدا بذلك المثل من التراث العربي «تجوع الحرّة ولا تأكل من ثدييها» أو يرفع في وجهها شعار «الكرامة قبل الخبز»، للرّدّ بقوة كما فعل مع «بلينكن»، حين انتقد هذا الأخير الوضع السياسي بتونس، أو كما فعل مع الوفود ومبعوثي من الكونغرس ومن الاتحاد الأوربي حين صمّ أذانه عن «نصائحهم « فعادوا إلى بلدانهم بخفي حنين دون ان ينالوا منه أي تنازل على ما هو مصمّم عليه في سياسته، لذلك عدم ردّ الفعل على بيان المساعدات والتزامه الصمت يثير شيئا من الاستغراب، فهل أنّ تدهور الوضع المالي والغذائي أثّر في الرئيس وجعله يعدّل من خطابه، أم أنّ تلك العنتريات والحملات ضدّ الاقتراض والتداين الخارجي والسخرية من وكالة الترقيم السيادي وتجاهل رأي لجنة البندقية بخصوص الدستور لم تكن سوى الشجرة التي تغطي الغابة وقد تحصلت خلال هذه السنة وهي في قلب تلك الحملة على تمويل من البنك الدولي بـ 400 مليون دولار من البنك الأوربي بـ 480 مليون دينار ومن البنك الإفريقي بـ 700 مليون من البنك الإفريقي وذلك تحت عناوين إعادة الإعمار والتنمية لتوريد القمح والبذور والأعلاف ودعم الصمود الغذائي وأخرها 60 مليون دولار المساعدة الأمريكية عن طريق اليونيسف لأبناء العائلات الفقيرة.

ولقد غطى ضجيج «الاستشارة الوطنية» و»كتابة الدستور « والاستفتاء» والوقائع السياسية على مسألة هامّة وهي عودة المفاوضات بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، ذلك الصندوق الذي كان موصوفا بكلّ مساوئ الدنيا، نهب خيرات الشعوب، ضرب سيادة الدول، أداة هيمنة بين أيدي القوى الاستعمارية في العالم تحوّل فجأة إلى طوق النجاة ويكاد يكون السبيل الوحيد للخروج من النفق الذي نحن فيه لذلك كادت تقام الاحتفالات حين زفّت لنا «وزيرة المالية» بُشرى الوصول إلى اتفاق مع خبراء الصندوق حول منح تونس قرض 1،9، مليار دولار في أواخر هذه السنة، إذن واقعيا وقع التخلي عن قصة ذلك العلاج السحري الموعود والذي بفضله سقع إخراج البلاد من محنتها دون الاحتياج إلى أحد من الخارج، لأكثر من سنة طلت قصة محاسبة الفاسدين والضرب على أيدي المحتكرين و«استعادة الأموال المنهوبة» تتكرّر مع كلّ خطاب بمناسبة وبغير مناسبة وفي الأخير تبيّن أنّها لا تختلف عن قصّة تلك المرأة التي زارها «عمر ابن الخطاب» فوجدها تغلي الماء في القدر على النار لتصبّر أولادها إلى أن يداهمهم النوم ويبيتون جوعى، فلا المراسيم ولا «الصلح الجزائي» ولا «الشركات الأهلية» خلقوا بصيصا من الأمل لوقف الأزمة الزاحفة في كلّ مجالات الحياة بالبلاد، والمخيف ليست الأزمة في حدّ ذاتها، بل هذا الغموض الذي يحيط بها وتحصّن قادة البلاد بصمت رهيب، فلا الرئيس خرج ليوضّح بعيدا عن هجوماته التي لا تتوقّف على المحتكرين والفاسدين ولا الحكومة نطقت وبينت كلّ أسباب هاته الأزمة وبرنامجها في مجابهتها إن كان لها برنامجا، وبذلك تركت الرأي العام فريسة للتأويلات والشائعات على كلّ شكل وكلّ لون... فلا أحد يعلم لحدّ الآن ثمن اتفاقها مع الصندوق النقد الدولي، خاصّة وأنّ هذا الصندوق معروف عنه أنّه لا يتعامل مع الدّول بعقلية الجمعيات الخيرية ولا بمبدأ التضامن ودون مقابل، وهو حريص على فرض وصايته على سياساتها المالية والاجتماعية كي يضمن أمواله .. فهل أذعنت

لشروطه القاسية ووافقت على رفع الدعم عن المواد الأساسية ووقف الانتداب في الوظيفة العمومية؟ والتخلي عن المؤسسات العمومية،؟....وإذا كانت فعلت ذلك فهل هيأت نفسها لاحتواء ارتدادات تلك الشروط على واقع حياة الشعب وخاصة الفئات المدعومة منه والتي ما فتئت أعدادها تتضاعف؟ ثمّ إلى أيّ مدى ستساعد هذه الجرعة اقتصادا مثقلا بالمصاعب والعجز على الصمود في وجه العواصف القادمة، هنالك من يقول بأنّ الحكومة لا تملك أجوبة لذلك وهي «تُبحر على مدى البصر «navigue à vu» كما يقول المثل الفرنسي، ومن جهة أخرى هنالك من يقول أن الصورة مكتملة لدى الحكومة وتعرف أن لا حلّ للبلاد سوى العبور على الجمر وإنّ إمساكها عن الإفصاح عن المقبل الموجع هو تجنّب إحداث صدمة لدى أرهقته الأزمات المتتالية اختيار واع ومدروس لترك الطوابير أمام محطات البنزين وفي الفضاءات التجارية من أجل رطل من السكر واللهاث بين الدكاكين بحثا عن القهوة والحليب هي من تفعل مفعولها لتجعل المواطن يُطبّع مع الأسعار دون دعم ومع الرفوف فارغة ومع الخبز المر في انتظار مفاجآت العلو الشاهق التي سيرى فيها الشعب العجب كما قال كبير المفسرين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115