منبــــر: فشل الإسلام السياسي.. و ضرورة المعالجات الموضوعية..

لعل المتفحص لأحوال البلاد التونسية خلال العشرية التي تلت ثورة سنة 2011 , يدرك دون كبير عناء, فشل الإسلام السياسي في تونس في تسيير شؤون البلاد والعباد..

و الأكيد أن الإسلام السياسي, منذ نشأته في مصر على يد حسن البنا سنة 1928 مثل دوما موضوعا إشكاليا بامتياز.. و لقد و قع تناول إشكالية الإسلام السياسي من زوايا متعددة.. و بالنظر إلى الفشل الذريع الذي انتهت إليه تجربة الإسلام السياسي في تصريف شؤون الدولة في تونس, و ما جاورها إقليميا ( ليبيا و مصر) على اثر ما يسمى بثورات الربيع العربي.. لا بأس أن نتناول إشكالية الإسلام السياسي من زاوية الفشل.. ولعلي أجد في كتاب « الإسلام السياسي ومفهوم المخاطر» للكاتب و الجامعي «فريد بن بلقاسم» تشخيصا قيما لمرتكزات الفشل في تجارب الإسلام السياسي عموما.. أولها هو أن الإسلام السياسي يحول الدين الإسلامي من عقيدة توحيد إلى إيديولوجيا تقسيم.. وبالتالي فان الدين الإسلامي يتحول في كنف الإسلام السياسي, من عامل استقرار نفسي و تضامن اجتماعي إلى عامل توتر و تفرقة و انقسام.. ثانيا, هو أن تجربة الإسلام السياسي في الحكم سواء كان ذلك في تونس أو إقليميا, كشفت عن هواية سياسية و افتقاد عميق لكل مقومات الحرفية في التعامل مع الشأن السياسي بجميع تفرعاته.. و هو ما عبر عنه «فتحي ليسير» في كتابه « دولة الهواة سنتان من حكم الترويكا في تونس»..»أن الهواية في السياسة طريق إلى الهاوية».. ثالثا هو أن عملية صنع القرار لدى الإخوان تتأثر بعمق بالاعتبارات الإيديولوجية و بالحسابات الانفعالية قصيرة المدى.. رابعا عدم امتلاك الإسلام السياسي لرؤية اقتصادية وتنموية بديلة ..

وتصديقا لذلك ترى أن الإسلام السياسي أخفق كليا.. خلال العشرية التي تلت الثورة.. في صياغة عقد اجتماعي جديد و مشترك جمعي مستحدث كفيلين بتعويض المنوال التنموي المتآكل .. و الذي.. بفعل تداعياته الاقتصادية والاجتماعية.. أدى إلى انهيار النظام السابق و قيام الثورة مع مطلع سنة 2011.. علما و أنه في الحين ذاته , فان حركات الإسلام السياسي تقدم نفسها في صورة المنقذ والمخلص من أتون الفقر و التهميش و البطالة.. من ناحية.. و من بوتقة الاستبداد السياسي.. من ناحية أخرى.. فشل إذن الإسلام السياسي ممثلا في « حركة النهضة» في إدارة الشأن العام في تونس خلال العشرية التي تلت ثورة 14 جانفي2011.. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حركة النهضة تنتمي , حسب التصنيف الذي انتهى إليه فريد بن بلقاسم, إلى أحد قسمي الإسلام السياسي.. ذلك القسم الذي يضم الحركات التي انتهت بعد تجربة طويلة نسبيا إلى خيار العمل السياسي من خلال تشكيل أحزاب انخرطت في الحياة السياسية في دولها, و تعمل على الوصول إلى الحكم من خلال المشاركة في الانتخابات, و هي في أغلبها حركات ذات خلفية اخوانية..

و أما القسم الثاني لحركات الإسلام السياسي, فيضم الحركات التي تجنح إلى العنف بأنواعه, سواء من خلال رفض العمل السياسي و المدني, أو من خلال تكفير الدولة و المجتمع, أو من خلال ممارسة الأعمال الإرهابية الميدانية, و هي في أغلبها حركات سلفية, أو سلفية جهادية.. بيد أن مختلف الحركات الاسلاموية , على تنوع مشاربها, و إن اختلفت في اعتناق درجات متفاوتة من البراغماتية أو التصلب, فإنها تلتقي تقريبا حول نفس المرتكزات الأيديولوجية و البنى الذهنية و الفكرية.. و هو ما ييسر في تقديري معالجة موضوع الإسلام السياسي ككل, كلما أقررنا بفشله في إدارة الشأن العام متى تسنى له ذلك.. من ذلك يورد

«فتحي بن سلامة» قوله في كتابه باللغة الفرنسية» رغبة هائلة للمسلم الأعلى في التضحية»..- أن تحول الشخص من «مسلم عادي» إلى «إسلامي» معزو إلى دوافع متعددة موضوعية و ذاتية-..

و لما نتناول الدوافع الموضوعية.. وجب الانتباه إلى مستويات ثلاثة في خصوص معالجة موضوع الإسلام السياسي.. أولا , المستوى السياسي و الحوكمة.. فلا أحد ينكر دور الاستبداد السياسي في توفير الأرضية الملائمة لانتشار حركات الإسلام السياسي, التي تستغل هذا الوضع الاستبدادي لتقدم نفسها كبديل للأنظمة الحاكمة.. و بالتالي فانه و كما يرى فريد بن بلقاسم, فان معالجة موضوع الإسلام السياسي تتطلب طرحا سياسيا يقطع مع نموذج الحكم الاستبدادي, ويؤسس للتعددية السياسية و الاجتماعية.. توازيا مع مراعاة مقتضيات الحكم الرشيد, من إدارة سليمة, وسيادة القانون, والاحتكام إلى المؤسسات, والالتزام بالشفافية و مقاومة الفساد.. و لكن حسب رأيي, لابد من الانتباه هنا الى أمرين اثنين.. أولا.. التعددية السياسية لابد أن تقوم على أساس بدائل واضحة ومتكاملة في اطار برامج مضبوطة و محددة, تعمل على خدمة البلاد وبناء المستقبل.. و بالتالي فانه في اعتقادي, لا يجب أن يتجاوز عدد الأحزاب السياسية في البلاد العشرة أحزاب على أقصى تقدير.. من ذلك وجب دمج مختلف الأحزاب التي تستند الى نفس المرجعيات الفكرية والتوجهات السياسية.. ثانيا..

لا احد ينكر الدور المحوري الذي يضطلع به المجتمع المدني في معاضدة و تعزيز مجهودات الدولة في جميع القطاعات و المجالات.. وذلك من خلال قيم التطوع و المشاركة و الاضافة و التضامن.. الا أنه في اعتقادي, لا مجال لأن تكون فضاءات المجتمع المدني مسرحا للتنافس السياسي.. و لا بوابة للتدخل الأجنبي في الشأن الداخلي لبلادنا.. مسا من سيادتنا الوطنية.. أو املاء لتأثيرات أجنبية على قرارنا الوطني.. ثانيا, المستوى التنموي.. فلا شك و أن حركات الإسلام السياسي, ولا سيما العنيفة منها, تتغذى, من تدني ظروف الحياة, ومن التهميش الذي تعاني منه فئات اجتماعية خصوصا في الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن.. مستغلة مشاعر السخط والإحباط المتولدة من الأوضاع المعيشية المتردية ومن ارتفاع نسب البطالة , لتوجهها نحو استنزال اللعنة على الأنظمة الحاكمة.. و عليه, فلابد من احداث نموذج تنموي, يقوم على تركيز أقطاب اقتصادية و صناعية و جامعية بالمناطق الداخلية.. و الأهم من ذلك في اعتقادي.. هو إعادة الروح للقطاع الفلاحي.. كقطاع استراتيجي ذي أولوية قصوى.. وذلك بالنظر لتشغيليته العالية.. و قدرته على تثبيت المواطنين في أراضيهم.. و حتى تحفيز العامة في المدن للالتحاق بالقرى والأرياف.. ثالثا, المستوى الأمني و القضائي.. فحركات الإسلام السياسي, و خاصة الحركات الجهادية, تشكل دون أدنى شك خطرا أمنيا قائما.. و من المؤكد أيضا أن المقاربة الأمنية المحلية تفقد الكثير من نجاعتها في التصدي للعنف المنجر عن الحركات الاسلاموية العنيفة.. في غياب تنسيق جدي على المستوى الافليمي.. و كما يرى فريد بن بلقاسم, فان المقاربة الأمنية والقضائية العربية في التصدي لخطر الإرهاب و لحماية الأمن العربي, لا تعوزها التشريعات و الخطط و البرامج و التدابير و الموارد المادية و البشرية.. و إنما هي الحاجة إلى الإرادة السياسية الواضحة و القوية.. و إلى توحيد الرؤى في تحديد مصادر الخطر.. و إلى الاحتكام لمبادئ الحق و القانون والعدل..

بقلم: د.محمد اللومي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115