برج بابل: المشاعــــر العالقــــــــــــة

الأمراء ونوادي الرياضة العالمية وشركات الانتاج والصحف العالمية وشبكات التواصل الاجتماعي و بورصات العالم علاوة على نجوم الفن و السينما و كرة القدم

و كل مشاهير العالم وبابا الكاتوليك أيضا. هؤلاء جميعا وكلّ بطريقته عبّروا عن تعاطف بالغ مع حكاية الطفل المغربي «ريان» الذي لقي حتفه إثر سقوطه في بئر ولم يكن التعاطف مع الطفل فقط، كانت حكاية مكوثه في بئر طول هذه المدّة و عمليات إنقاذه هي التي شدّت الجميع دون استثناء. يذهب الناس إلى مشاغلهم اليومية و يتفقدون بين الحين و الآخر مصير الحكاية و كأنهم يتابعون تفاصيل حكاية في السينما أو تفاصيل رواية مثيرة. وبهذا المعنى ستأخذ الحكاية ما يناسبها من أيام ليتجه الجميع إلى شيء آخر. تلك هي الأحداث الطارئة توصلنا إلى نوع من الإشباع العاطفي ثم تتركنا باحثين عن إشباع آخر.
يموت الأطفال كل لحظة في هذا العالم سواء جوعا أو عنفا أو حربا أو تهجيرا قسريا، تحت القصف أو في ملاجئ المهجرين . ولكن لا من يهتمّ، إلا إذ توفرت السردية المناسبة. لا بدّ من حكاية تعطي للحدث معنى. هوية الحدث من قوة سرديته ومن العناصر الحافة بالحدث. طفل صغير من عائلة فقيرة يسقط في بئر، له اسم جميل و ملامح حزينة يخلق هذا التعاطف العالمي مسنودا بشبكات التواصل الاجتماعي التي تنتعش من هذه الأحداث.

وأصبح الطفل «ريان» ابنا افتراضيا لكل من تابع الحدث المؤلم مخترقا في ذلك كل الفروقات التي يعيشها عالمنا اليوم.
نحن أمام عولمة للمشاعر وإن كانت مشاعر افتراضية، ولم تكن المشاعر موضوعا معروضا على العلوم الإنسانية و الاجتماعية إلا مع نهاية القرن الماضي حين برزت دراسات جادة حول مضيقات الطيران و القدرة على بيع المشاعر و كان العنوان الأبرز كتاب « القلب المروض» للأمريكية « آرلي هوششيلد». وكانت الفكرة الأساسية هي كيف يمكن للمشاعر الإنسانية بمختلف أشكالها أن تبني العلاقات الاجتماعية و تفاعلاتها. وقد مكنت هذه الدراسات من إظهار قدرة المشاعر ودورها في البناء الاجتماعي للواقع. والمشاعر ليست فقط حالة انسانية نعبر من خلالها على ما نعيشه ، إنها أضحت بضاعة في سوق المشاعر المزدهر الآن. الكل يبحث عن مشاعر ليشتريها وهناك من يبيع مشاعره. المهمّ هو كيف تظهرها و كيف تبنيها و كيف تجعلها بكل التفاصيل الممكنة جاذبة و مؤثرة. سوق المشاعر مزدهرة إذ جعلت منها الرأسمالية قيمة تبادلية معروضة في بورصات المشاعر العالمية مستفيدة من توسع فضاءات التواصل وسرعة آدائها.

لقد تشكلت خرائط عديدة للمشاعر، مشاعر الأمل و مشاعر الخوف و مشاعر السخط وتشكلت حولها الحركات الاجتماعية و عوضت إلى حدّ كبير هذه الأصناف من المشاعر المقولات الاحتجاجية ذات المرجعية الإيديولوجية. إذ يكفي أن تبدي سخطا كبيرا على وضع متأزم دون أن تكون هناك مقولات مضمونية للإقناع. المشاعر وحدها و القدرة على إدارتها و إبدائها كاف كي تكسب أي قضية شرعية و اهتماما عالميا. وما أظهرته حادثة الطفل « ريان» هي مشاعر التعاطف و الألم، تعاطف خلال عملية الإجلاء و ألم إثر إعلان وفاته. وبين العاطفتين هناك أمل ، هناك رغبة في الانتصار على سريالية الحدث. مشاعر التضامن ممكنة في عالمنا الذي تتقاذفه الصراعات و الحروب و المآسي، و قد تكون هذه الحادثة في عالميتها مؤشرا على أن البشرية مُتاح لها أن تعبّر عن مثل هذه المشاعر الإنسانية، كلّ من موقعه ومن مدى الاستفادة الرمزية و المادية من ذلك.
تبقى المشاعر معلقة إلى أن يأتي حدث آخر يأخذنا إلى تفاصيل أخرى. وقوة الحدث في قدرته على صنع المشاعر يكمن في يالأساس في سرديته وحبكة تفاصيله و المخيال الذي يجعله ماثلا في الأدهان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115