منبــــر: رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس الجمهورية، رئيس السلطة التنفيذية وَحدَه، رئيس السلطة التشريعية، رئيس النيابة العمومية والقضاء والقائد الأعلى للقوات المسلّحة قاطبة: إنّي خائفٌ... «فطَمّنّي»

بقلم: وحيد السعفي
سيادة الرؤساء
تحيّة طيّبة، أمّا بعد،
إنّي خائفٌ. أعرف أنّ الخوفَ من الإيمان حسب بيدبا الفيلسوف فيما نقلت عنه العرب. ولكنّي خائفٌ، وربّ الكعبة، صَريعُ الخوف الذي ألمّ بي من كلّ حدب وصوب، صرتُ أخاف كلّ شيء، وها تفصيل ذلك:

1 – إنّي أخافُ الشارعَ، إذا ما الشارعُ هلّل وكبّر ووحّد وأنشد أقبل البدر علينا، وهتف بحياة القائد الذي أطلّ، ورحّب بالبطل الذي ليس كمثله بطل، واحتفى بالعهد الجديد. كلّما فعل ذلك حلّت الكارثة، وأصابتنا الخيبة، وتقلّصت مقاصيرُ أحلامنا كبيت من التبن. كلّما فعل ذلك ساد البطل نبيًّا ومسيحاً ومُخلّصاً، وطغى واستبدّ، وجعل عهده الجديد عهداً مقدّساً. وقد تمّ ذلك في البلاد مرّتيْن، فطمّنّي وكذّب المقولة التي ترى أنْ لا بدّ أنْ نُلدغ من الجُحر مرّةً ثالثة إذا ما لُدغنا منه مرّتيْن. فطمّنّي ألاّ تكون النبيّ المسيح المخلّص الطاغية المستبدّ. فطمّنّي ألاّ يكون عهدك عهداً مقدّساً، مَنْ عرض له أصابته اللعنة.

2 - إنّي أخافُ اللغةَ، إذا ما اللغةُ دارت على نفسها وتكرّرتْ رتيبةً رتيبة. إذا ما كانت كذلك باتت خُطبةً، وعظاً وإرشاداً وترهيباً، ولا ترغيب، وتوقّف الزمن، وفاتنا التجذّر في العصر، ورجعنا القهقرى، ريشةً للغمس في الدواة تخطّ الكلام للزينة والبهرج. فطمّني أنّ لغتك ليست من هذا القبيل، مُجرّد تقيّة تحتمي بها حتى لا تخونك اللهجة الأمّ وتحملك محامل بعيدة. فطمّني وكلّمني لغةً، فُصحى كما يُقال أو دارجة أو حتى براي إنْ شئت، على أنْ تتشكّل واقعاً لا يفنى، وأرى فيها نفسي، وأفهمها وإنْ كنتُ خرّيج السادسة ابتدائي، لأنّ لي عليك حقّ الفهم.

3 – إنّي أخافُ التأويلَ والمؤوّلين والقائلين بالرأي أجمعين في النصوص والخطب التي كان يجب أنْ تكون واضحة جليّة لا تحتاج إلى تأويل. فإذا جعلوا الدستور من جنس المُتشابه وتركوا لك فيه ثغرة للدخول، فاجعل كلامك مُحكماً لا يحتاج إلى تأويل ولا نجد فيه ثغرة إليك، فننجو من مَقعد النار الذي جُعل للمؤوّلين.

4 - إنّي أخافُ الثورةَ الثقافية، إذا ما الثورةُ الثقافية كانت شعاراً يُرفع، ولغةً لا تجذُّر لها في العصر، وآيات من القرآن للترهيب، وباسم الله الرحمان الرحيم يُؤتى بها للإيهام بأنّ الكلام تحت إمرة الله، ومدوّنين في السجن، وطالبة تُحاكم لأنّها تنبّأت بالخطر الداهم من الكورونا فحاكت القرآن تعبيراً عن عُمق الفاجعة، ومحاكم للرأي بتُهمة انتهاك الحرمات ودوس المقدّسات، وفضاءات ثقافية مهجورة، وفنّانين يبيعون الريح للمراكب أنفةً من التسوّل على قارعة الطريق، وصبيّ يُجرّد من لباسه، وامرأة خاضعة لربّها يقتلها متى شاء والحاكم يضحك ساخراً. طمّني أنّ الثورة الثقافية التي أعلنتَ عنها منذ خطابك في المجلس الذي نصّبك رئيساً ليست كذلك، بل هي حُرّية لا حدود لها، ومساواة بين الرجل والمرأة حتى في الميراث، وإبداع لا وصاية عليه، ونداء إلى الناس أجمعين، نساء ورجالاً وبَيْنَ بَيْنَ، أنْ اكتبوا ودوّنوا وارسموا وصوّروا وارقصوا ومثّلوا وأخرجوا الأفلام والمسرحيات، ولا خوفٌ عليكم ولا أنتم تَحزَنون، ولا رقيبٌ عليكم من قِبَلِ السلطان أو من قِبَلِ ربّ العالمين، وأنْ لن تذوقوا بعد الآن لباس الجوع والخوف. طمّنّي ألاّ خوف عليّ إذا ما أنا عرضت بالنقد إلى الحاكم والعسكر، أو حاكيتُ كلام ربّي، أو تطاولت على اللات والعُزّى ومناة الثالثة الأخرى. طمّنّي، فقد خِفتُ الموالي من ورائي.

5 – إنّي أخافُ العسكرَ، إذا ما العسكرُ اضطلع بالسلطة. لقد كان جيشُنا العتيد في حِلّ من ذلك منذ النشأة وحتى هذه اللحظة. نشأ في ظلّ معركة التحرير التي خاضها أهله بحذق، ورابط في قواعده سالماً لا ينزاح عنها، وساهم في معركة الجلاء بعزم، وحمى الحدود بفنّ، وشيّد صرحاً يوقف الصحراء لتُخصب، ورجيم معتوق على ذلك شاهد. فطمّنّي، ألّا تزجّ به في متاهات السياسة ليُصبح معك حاكماً. فطمّنّي، ألّا تُراوده عن نفسه بالمناصب فيُحبّ المناصب. اتركه كما أحببناه وأحبّنا، فهو وحده الصورة الناصعة في سجلّ تاريخنا الذي أصابه التحريف وأصابه الفساد وعجّ برائحة الخيانة. طمّني أنّك لن تضرب له مصر والجزائر مثلاً للاحتذاء، ومصر والجزائر من صنيع العسكر على مرّ التاريخ، والله. وطمّني أنّك لن تبني المِحورَ، تونس والجزائر ومصرَ، وتُدير ظهرك لباقي بلاد المنطقة وتفكَّ العروة الوثقى.

6 - إنّي أخافُ النهضةَ والإخوانيّةَ جمعاء والوهّابيةَ والتيميّةَ والسلفيّةَ والسنّةَ والجماعةَ والوسطيةَ وما قيل إنّه مالكيةٌ سمحاء، إذا ما خاضت غُمار السياسة. كلّما كان لها ذلك، مهما كان وجهها، حكمت بأمر الله كذباً وزوراً، ونصّبت نفسها قوّامة على الناس، وجعلت جهاد المرأة في عقر دارها، وكفّرت وقتّلت وخنقت الحرّيات وقضت على الثقافة. فطمّني، أنّك لستَ آتياً بشيء من هذا القبيل الذي يُخالط فيه الدينُ السياسة، فتُصبح الدولة لقيطة، ويُصبح الإنسان مُحاصراً.

7 - إنّي أخافُ النهضةَ والإخوانيّةَ جمعاء والوهّابيةَ والتيميّةَ والسلفيّةَ وهلمّ جرّا. تسميات مختلفة لمُسمّى واحد. إنّه الإسلام السياسيّ يتلوّن بألف لون ولون، ويتزيّ بألف زيّ وزيّ، ويخرج على الناس في ألف حُلّة وحُلّة، ولكنّه واحد. إنّه حرباء لا يستقرّ على شكل، يكره الاختلاف والحرّية والديمقراطيّة والتداول على السلطة، ويقتل في الإنسان إنسانيته، ويجعله تابعاً للشيطان الحاكم، والشيطان الحاكم سفّاح قاتل. إنّه ثعبانٌ برؤوس سبعة، وأذيال بلا عدّ، كلّها سمٌّ قاتل. فحذار السمّ القاتل، تنفثه الرؤوس وتنفثه الأذيال بغير حساب. طمّنّي أنّ عينك على الرؤوس والأذيال جميعاً، وأنّك لن تضرب رأساً برأس لتسود، ولن تستكين لذيل دون ذيل، وإنْ ادّعى الذلّ والهوان أو طعن جهراً في ذيل مثله. كلّ ذلك حيلة للاجتماع في السرّ والعمل للقفز من جديد علينا، فوضّح لنا خطّك.

8 – إنّي أخاف الأعرابَ على رُمّة أبيهم، كلّهم أحفاد عبد الله بن أُبيّ بن سلول، يُظهرون الورَع ويتّجرون بالدين، يدخل المرء عليهم ويخرج إرباً إرباً، فطمّني أنّك لنْ تجعلنا لقمة سائغة بين أيديهم، ولن تجعل جلابيبهم مظلّةً تُظلّنا.

9 - إنّي أخافُ الاستجداءَ، مهما يكن الاستجداء، يجعلنا أسفل سافلين ويجعلهم يداً عُليا تجلدنا. إنّي أخافُ الاستجداء، فلا تتكرّم عليّ بسمكة بل علّمني كيف أصطاد السمك. طمّنّي أنّك ستدعونا يوماً إلى الكدّ والجدّ والعمل لننتج ما به تكون البلاد مُستقلّة شامخة، ولا نركن للراحة ننتظر السند من كلّ مَنْ هبّ ودبّ فنصبح عُجّزاً.

10 - دُعاء: إِنِّي خائِفٌ مُسْتَجيرٌ فَأَجِرْني، وارْزُقْني مِنْ فَضْلِكَ، واسمع منّي: لا تقطع كلّ لسان زوّر مقالة فاتُّهم بالكذب، ولا كلّ يد امتدّت فاتُّهمت بالسرقة، مَخافة أنْ تُصبحَ حاكماً على شعب أبكمَ أبتر.
بوست سكريبتم: كذلك رأيتُ أنْ أتوجّه إليك، أفضح عندك خوفي، وأكشف لك أسبابه الخانقة، لعلّك تُفعّل فصل رفع الخوف ليطمئنّ قلبي.
ولكم فائق الاحترام والتقدير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115