قهوة الأحد: كم نفتقد ادوارد سعيد اليوم!

سأعود الى الحديث في هذا المقال عن المفكر الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد.فقد انتهيت منذ أيام من قراءة الكتاب الصادر مؤخرا

عن هذا المفكر والمناضل بقلم الكاتبة اللبنانية دومنيك إدّه Dominique Eddé بعنوان Edward Saïd le roman de sa Pensée أو «ادوار سعيد فكره» عن دار النشر الباريسية La fabrique Editions والتي عرفت واشتهرت بإصدار عديد الكتب المثيرة للجدل كـ»الثورة القادمة» أو «L’insurrection qui vient» والذي كتبه مجموعة بقيت سرية وأطلقت على نفسها تسمية «Le comité invisible» أو «اللجنة الخفية» سنة 2007 والذي أثار نقاشا كبيرا في فرنسا .

وقد استمتعت بقراءة هذا الكتاب وأثار اهتماماتي لثلاثة أسباب على الأقل.السبب الأول وهو يكمن في علاقة الصداقة والاحترام وحتى شيء من العطف والحب الذي جمع دومينك اده بالراحل ادوارد سعيد.

فقد كانت دومينك اده تشتغل بدار النشر الفرنسية Editions du seuil  واشرفت على نشر الكتاب الحدث لادوارد سعيد «الاستشراق» تحت عنوان «L’orientalisme – L’orient crée par l’occident» والذي صدر سنة 1978 في نسخته الأصلية في الولايات المتحدة الأمريكية وتحت عنوان «orientalism» وفي النسخة الفرنسية سنة 1980.وقد خلقت مغامرة نشر الكتاب في فرنسا مودة كبيرة بين دومينك اده والراحل ادوارد سعيد مما جعل هذا الكتاب يبتعد عن البحث الأكاديمي الجاف ليصبح عبارة عن سيرة ذاتية فيها الكثير من المشاعر والود مما جعل قراءته ممتعة.

السبب الثاني لاهتمامي بهذا الكتاب هو نشره في فرنسا والاهتمام الذي أثاره على المستوى الثقافي والفكري – فقد قامت أهم الجرائد والمجلات الفرنسية بتغطية مهمة لهذا الكتاب. وهذا الاهتمام في الساحة الفكرية الفرنسية جاء ليضع حدا لفترة كبيرة من عدم الاهتمام بادوارد سعيد ونكران قيمته الفكرية بالرغم من انه أصبح ظاهرة فكرية عالمية واحد أهم المفكرين على المستوى العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين.هذا النكران والجحود في الاعتراف بالقيمة الفكرية لادوارد سعيد جعل البعض يعتبره «الكاتب المنبوذ» في بلاد الأنوار والتي احتفت دائما بالمفكرين والكتاب.

ويرجع بعض المتابعين للساحة الفكرية الفرنسية أسباب هذا الصد والنكران لادوارد سعيد إلى ثلاثة عناصر هامة - العنصر الأول يرجع إلى أن هيمنة الفكر الاستعماري في الساحة الفكرية الفرنسية بقيت قوية وضاربة ولم تسمح بالتالي بظهور مفكرين من الجنوب وإعطائهم الأهمية التي يستحقونها في مجال البحث .العنصر الثاني والذي ساهم في تغييب ادوارد سعيد وأعماله يعود إلى ظهور بعض المفكرين النقديين كفرانز فانون والبار ممي والذين كان لهم دور رائد في نقد فلسفة الحداثة المهيمنة في الساحة الفكرية الفرنسية.ولم يترك هؤلاء المفكرون هامشا لبروز أفكار ادوارد سعيد النقدية واكتسحوا المجال البسيط للفكر النقدي في الساحة الفكرية الفرنسية.أمّا العامل الثالث فيعود لخصوبة آراء ادوارد سعيد وتعقيداتها ومرورها من الجوانب الأدبية إلى المسائل الفلسفية والفنية مما جعل ترجمتها إلى اللغة الفرنسية صعبة وغير سهلة وهذا الجانب جعل قراءة أعمال ادوارد سعيد بالفرنسية صعبة التفكيك والفهم.

جملة هذه العوامل لعبت دورا كبيرا في تغييب أعمال ادوارد سعيد وتفكيره في الساحة الفكرية الفرنسية بالرغم من نجاحه على المستوى العالمي ونجاحه في أن يكون أهم مفكري الجنوب ومجددي الفكر العالمي.
هذه العوامل لعبت دورا كبيرا في الصد والتهميش الذي عرفه ادوارد سعيد في فرنسا – ولهذا السبب اعتبر أن نشر كتاب دومينك اده هذه الأيام حول ادوارد سعيد هو بمثابة إعادة اعتبار لهذا المفكر الأساسي في الساحة الفكرية العالمية.

أما السبب الثالث الذي جعلني أتمتع بقراءة هذا الكتاب وسيرة ادوارد سعيد فيعود إلى الوضع الذي نعيشه اليوم وحالة الإحباط التي تمر بها اليوم والتي تفسر افتقادنا اليوم إلى مفكر بقوة ادوارد سعيد وبقدرته على التعبير عن مواقفنا وبالدفاع عن أحلامنا وآمالنا على المستوى العالمي وفي أهم وسائل الإعلام العالمية النافذة والمؤثرة على الرأي العام العالمي .
ادوارد سعيد ولد في القدس في نوفمبر 1935 وزاول تعلمه في الإسكندرية قبل أن ينتقل الى الولايات المتحدة الأمريكية ليواصل دراسته في أهم الجامعات الأمريكية ليتحصل سنة 1964 على شهادة الدكتوراه في اللغة الانقليزية والأدب المقارن من جامعة هارفارد وهي إحدى أهم الجامعات الأمريكية.

طبعا لا يمكن لنا في هذا المقال الحديث بإطناب عن مسيرة ادوارد سعيد الثرية على المستوى السياسي والفكري والنقدي وحتى الفني.وقد قام العديد من الباحثين والمفكرين بكتابة السيرة الذاتية لادوارد سعيد وآخرها كتاب صديقته وناشرته دومينك اده والتي ساهمت في التعريف بهذه المسيرة المهمة والناصعة.ولكنني أريد التأكيد على مسالتين هامتين في هذه المسير ة واللتين تجعلاني افتقد هذه الأيام ادوارد سعيد وحضوره الإعلامي وقوة حجته وآرائه الثاقبة والمؤثرة في الدفاع عن قضايانا وآمالنا.

المسألة الأولى التي تجعل هذا الغياب صعبا هي المسالة الفكرية والتي لعب فيها ادوارد سعيد دورا أساسيا ومركزيا .اثر الانتهاء من شهادة الدكتوراه درس ادوارد سعيد نظريات الأدب المقارن في أهم الجامعات الأمريكية كهارفارد وجونز هوبكنز قبل أن يصبح أستاذا جامعيا في جامعة كولومبيا .وقد قام الى جانب التدريس بإصدار العديد من البحوث والدراسات والكتب في مجال الأدب المقارن ليصبح احد أهم الأخصائيين العالميين في هذا المجال.

إلا أن نقطة التحول الهيكلية في مسيرة ادوارد سعيد الفكرية ستكون مع إصدار مؤلفه الأهم وهو كتاب «orientalism» أو «الاستشراق» سنة 1978.ومع هذا الكتاب سيتحول ادوارد سعيد من الباحث الجامعي إلى المفكر العالمي الذي سيكون وراء نقلة نوعية في الفكر العالمي ليفسح مجال الخروج من هيمنة الفكر الحداثي الغربي والانفتاح على الفكر الآتي من الجنوب ومن تجربة الآخر في الهامش . نقطة الانطلاق عند ادوارد سعيد ستكون دراسته للآثار الأدبية لعديد الروائيين الغربيين ونظرتهم للآخر .وسيهتم بصفة خاصة باعمال الروائي جوزاف كونراد Joseph Conard وروايته المشهورة «Au cœur des ténèbres» أو في قلب الظلمات وقد أكد ادوارد سعيد في دراساته على النظرة الدونية للآخر التي تحملها روايات جوزاف كونراد وغيره من الروائيين الغربيين.ولم يكتف سعيد في هذا الكتاب بدراسة الروائيين بل سيواصل أبحاثه ودراساته لأهم المفكرين الغربيين كماركس وفلوبير وهيقل وفكتور هيقو ليصل إلى نفس النتيجة ويقر بوجود نفس النظرة الدونية للآخر.

وستكون هذه القراءات والتحاليل نقطة انطلاق ادوارد سعيد لبناء نظرية الاستشراق وهيمنة الغرب على الآخر.ويؤكد ادوارد سعيد في كتابه أن الهيمنة الامبريالية على العالم ليست فقط سياسية وعسكرية واقتصادية بل هي كذلك ثقافية وفكرية.ويؤكد أن النخب الغربية ساهمت مساهمة كبيرة في بناء هذه الهيمنة من خلال بناء صورة الآخر الدونية والموغلة في الخرافة والعنف والغيب والبعيدة كل البعد عن عالم الحداثة والعقلانية السائد في الغرب وهذه النظرة الاستشراقية للعالم ساهمت مساهمة كبيرة في تشريع الهيمنة الغربية على العالم باعتبارها تندرج في إطار إدخال الآخر العنيف والمتخلف إلى عالم الحضارة والحداثة والتمدن.وهذه النظرة الاستشراقية ساهمت في الدفاع عن الاستعمار والهيمنة الفكرية الغربية في ما بعد الاستعمار المباشر .كما لعبت هذه النظرة الاستشراقية دورا في تهميش التفكير والإبداع القادم من الجنوب ومن الآخر غير الغربي.

شكل كتاب «الاستشراق» لادوارد سعيد ونقده للموروث الثقافي الغربي بمثابة الثورة الفكرية على المستوى العالمي فقد ساهم هذا الكتاب وآراء سعيد في القطع مع هيمنة الفكر الغربي وبروز الأفكار القادمة من الهامش ومن الجنوب بصفة خاصة.وقد لعبت آراء سعيد دورا أساسيا في بروز وظهور عدة مدارس فكرية جديدة من الجنوب كالدراسات المابعد كولونيالية أو Post-colonialisme والدراسات الثقافية أو Cultural studies والتي تساهم في نقد الفكر الغربي وفي بروز أفكار وآراء من الهامش. ونحن نفتقد اليوم على المستوى الفكري صوت ادوارد سعيد لأنه لو كان معنا سيساهم مساهمة فعالة في نقد الاستشراق الجديد والذي يؤكد اليوم مع تطور الإرهاب والعنف انهما نتاج طبيعي لانغماس الآخر في مشروع حضاري وسياسي بعيد كل البعد عن الحضارة الأوروبية ومشروعها الحداثي.

الجانب الثاني الذي يجعلنا نفتقد ادوارد سعيد اليوم هو الجانب السياسي ووقوفه إلى جانب قضيته الأم أي القضية الفلسطينية ليصبح احد أهم الأصوات المدافعة عن ثورة الشعب الفلسطيني والقضايا العربية.وكم نحتاج اليوم إلى مثل هذا الصوت بعد ما وصلت الغطرسة الإسرائيلية مستويات لم نعرفها في السابق وآخرها إيقاف الطفلة عهد التميمي وإيداعها السجن أمام العجز العربي والعالمي.

في الحقيقة لم ينخرط ادوارد سعيد في النضال الوطني الفلسطيني منذ بداياته – إلا أن هزيمة 1967 ستكون نقطة تحول أساسية في علاقته بالقضية الفلسطينية التي سينخرط فيها بصفة كلية ،اثر هذه الهزيمة سينتقل ادوارد سعيد إلى بيروت ليحسن دراسته ومسكه للغة العربية- ثم سيصبح عضوا مستقلا في المجلس الوطني الفلسطيني وسيشارك من خلال مقالاته في أهم الجرائد ووسائل الإعلام العالمية في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية.

ودفاعه عن هذا المبدإ سيدفعه إلى الاستقالة من المجلس الوطني سنة 1991 احتجاجا على توقيع اتفاقية أسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل.وقد أكد سعيد في كتاباته أن هذه الاتفاقية ومشاريع السلام لن تقود إلى بناء دولة فلسطينية وتحقيق المطالب الوطنية للشعب الفلسطيني .وستقود هذه المواقف إلى القطيعة بين سعيد والسلطة الفلسطينية التي ستمنع بيع كتبه في الأراضي الفلسطينية سنة 1995.إلا أن هذا المنع لن يمنع سعيد من مواصلة نضاله ضد الكيان الصهيوني والأنظمة العربية المتواطئة.وسيؤكد في إحدى مقالاته انه «من غير المقبول لآي شخص انكار معاداة السامية والتجربة الرهيبة لهولوكست ،نحن لا نريد طمس أو عدم توثيق المعاناة البشرية لآي احد لكن في نفس الوقت هناك فرق كبير بين

الاعتراف بالمعاناة اليهودية واستخدامها لتغطية معاناة شعب آخر».

وستكون مواقف سعيد السياسية وراء تهديدات كبيرة من قبل العصابات الصهيونية وصلت إلى حد اعتباره من طرف عصبة الدفاع عن اليهود بالنازي – كما وصلته عديد التهديدات بالقتل من هذه المجموعات إلى حد إضرام النار في مكتبه في جامعة كولومبيا.
وبالرغم من هذه التهديدات فقد واصل سعيد نضاله السياسي والفكري حتى رحيله سنة 2003.

اثر انتهائي من قراءة هذا الكتاب القيم لدومينك اده حول مسيرة ادوارد سعيد تأكدت من جديد من لوعة غيابه وافتقادنا في واقع الإحباط الذي نعيشه اليوم إلى صوت دافع بكل اقتناع وذكاء وثقة وحب عن قضايانا وآمالنا وأحلامنا.فادوارد سعيد كان صوت فلسطين والعرب الثاقب في المحافل الدولية وكان كذلك صوت كل المثقفين الرافضين لهيمنة الامبريالية الثقافية والفكرية على المستوى العالمي وفاتح الأبواب والأفاق أمام فكر الآخر القادم من الهامش.

سلاما على روحك يا ادوارد وكم نفتقد إصرارك وروحك المناضلة اليوم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115