حديث الأنا: ما الحياة الا هزء ونفضان (1): هجرت الناس..

منذ زمن، هجرت الناس. هجرت الملتقيات والمحاضرات وغيرها من الأحداث، تلك التي تنظّمها الأحزاب والجمعيات. في السنوات الماضيّة، أعدت النظر في فكري وفي عاداتي. مع الزمن الذي يجري،

يتغيّر الطبع وما كان استقرّ من قيم ومن سلوكيّات. كذلك، تبدّل عندي النظر وتغيّر عيشي وتبدّلت أيّامي. كذلك، انحسرت صلاتي. انزويت. أكثر فأكثر، أحيا لوحدي. في انفراد. أصبحت أحبّ العزلة. أهوى الانعكاف. أصبحت أخشى الناس. أتجنّب لقياهم. أخافهم ان تجمّعوا. ان صرخوا بصوت عال. ليس هو الخوف. هي الخشية أو هو التبرّم أو هما الاثنان. اليوم، أهرب من الناس ما استطعت. كلّما التقيتهم، يضيق صدري ويشدّني امتعاض. لدى الناس، ألقى بؤسا وتعاسة. في ما يقوله الناس، ألقى جهالة. فكرهم ضحالة. نظرهم رداءة. فعلهم فساد...

ما لي أقول مثل هذا؟ كيف لي أن أتعالى على الناس وأنعتهم بالجهل، بالتعاسة؟ أنا مغرور؟ هل أحمل كبرياء حتّى أرى العباد تفاهة؟ قد يكون. قد أكون أحمل كبرياء. ربّما فيّ تكبّر ورياء. لا أدري لماذا أصبحت أرى الناس رداءة. ألتقي بهم فأرى نفسي مختلفا. بيني وبينهم فروق شاسعة. هم في الأرض وأنا في السماء. ما أحمل من فكر ومن قيم لا يلتقي مع ما يحملون من قيم وأفكار. كذلك أرى. كذلك أعتقد... أرى الناس من حولي جلّهم تعاسة. هل أنا مخدوع أم أنا في ظلام؟ لا أدري. أنا في قطيعة مع الناس. أتجنّب ما استطعت لقياهم. أحبّ التفرّد. أختلي بنفسي فألقاني في راحة واطمئنان. في انشراح...

يجب أن أنزع عنّي مثل هذا التفرّد وهذا الرياء. يجب أن أمشي الى الناس. أشاطرهم الرأي. أقول لهم فكري وأتبيّن ما يحملون من بيان. مع الناس، أحيا أتقاسم وإيّاهم الأيّام و الأحداث. أنا واحد من الناس. مع الناس، يستقيم الفهم ويحصل الادراك. الكلّ يؤكّد أن بالتبادل يكون التبدّل وبمشاركة الناس فكرهم يتطوّر الفهم ويتغيّر النظر وتمتدّ الأبصار. الى متى التفرّد وفي التفرّد حبس للنظر وغلق للبصيرة ودوران؟ الى متى الانزواء؟ الى متى القعود وحيدا، ساعات الليل والنهار؟ في صمت، بين يقظة ونعاس. أنتظر أن يأتي الفجر. أنتظر أن يحلّ المساء. لا شيء أنتظر من الليل ولا شيء أنتظر من النهار. أنا هنا قاعد، الليل والنهار. أنا هنا قاعد حتّى ينتهي الزمان. تتوالى الأيّام والأشهر كعادتها والسنوات وأنا في نفس المكان، في انعكاف، في انتظار. في زاويتي، أنتظر. مرّة ممتدّ ومرّة جالس. مرّة ناعس ومرّة يقظان. أكتب أحيانا. أقرأ أحيانا. فيّ قلق دائم. فيّ صمت وهيام. أنظر في دوران الزمان. أنتظر. لا شيء أنتظر. أنتظر مرور الأشهر والأعوام...

في الليل وفي النهار، تراني، في سهد. ممدّدا. لا افعل شيئا. مفتوح العينين. أنظر. أحدّق في النوافذ، في الجدران، في ما كان حولي من أشياء، في الذباب أحيانا. أنظر في الضياء، في سوادّ الليل، في الفراغ.ملأ قلبي الفراغ. لا شيء أرى. لا شيء يشدّ فكري. لا شيء يمرّ بخيالي. فارغ الفؤاد. خال. أنا بيداء. كذلك، أقضي ساعات النهار... هائم... شارد. أسبح في الفضاء. أنزل الى الأرض. أصعد الى الفلك. أدور. أنظر في ما كان، في كلّ مكان. أترقّب. لا شيء أترقّب. أنا الفراغ. أحيانا، يشدّني النعاس. على حين غفلة، أغفو. أنام. أنظر في الظلام. يهزّني الطير وتحملني الأحلام. أمشي الى السماء، الى حيث شاءت الصدف والأقدار...
لدى الناس، ألقى بؤسا وتعاسة. في ما يقوله الناس، ألقى جهالة. فكرهم ضحالة. نظرهم رداءة. فعلهم فساد..

(يتبع)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115