مجالا خصبا للتأمل في الخواتم والحزن والفقد ، وما شاكل ذلك، لكن الموقف منها يتخذ أشكالا عديدة ومختلفة ، فمن مجرد رثاء تقليدي لشخص فقيد، تحول الموت إلى تجربة وجودية عميقة ، وقلق فكري يتأمل معنى الوجود والفناء ، إنه “ذلك السر العظيم الذي يقف على أبواب الحياة، هو النهاية التي تفتتح عبرها أبواب اللاوجود، وهو الغموض المطلق الذي يستحيل فهمه كليًا، لكنه في الوقت ذاته الإلهام الأبدي للفلسفة والشعر” كما يذهب إلى ذلك الشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام.
وتبعا لذلك ، تهدف هذه الورقة ملامسة موضوعة الموت، التي تتمتع بحضور ملفت في ديوان “ رقص العتبات “، للشاعرة التونسية سندس بكار، الصادر عن دار نشر الأدب الوجيز ، فمن زاوية أحصائية يحضر الموت بشكل مباشر ، أو بواسطة التلميح ، ومن ثم محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية : كيف تتجلي لفظة الموت ودلالتها في بعض من قصائد الديوان ؟
وعليه ، فأول إطلالة للموت في قصائد هذه الباقة الشعرية ، جاءت في قصيدة “ رقصة الموت “ :
“ ذاك اليوم
لم أكن وحدي ...
أنا المسكونة بالوحدة
لم أكن وحدي ...
كنت تمشي معي
كنت على ضفاف سبخة “ الكلبية “
أرتب أسماء الغائبين والموتى
أزرعها لتحرس السبخة” ص 16
تفتتح الشاعرة قصيدتها بمفتتح زماني دون تحديده “ذاك اليوم “ ، بعدها تتحول أنا الشاعرة إلى فضاء تسكنه الوحدة ، ثم يأتي النفي “ لم أكن وحدي ، “ مما يعني المكابدة من الوحدة في الداخل ، لكنها ليست كذلك في الخارج، وبذلك ، تخلق مناخا متناقضا بحثا عن معادل نفسي يحل اللغز الذي يقض مضجع الوحدة ، ومن هنا تحضر اسماء الغائبين والموتى الى شيء مادي يمكن زراعته ، ليبلغ النضج في الموت مستوى الإيغال في حياةأخصب ، لا يطالها الفناء “ أرتب أسماء الغائبين والموتى ، أزرعها لتحرس السبخة “، ليتضح أن الموت يستعمل هنا بمعنى الحياة ، فالموتى والغائبون يزرعون بدل أن يدفنوا ، ومن ثم الانتقال بهم من حالة الفناء والجمود ، إلى حالة البقاء ، مما يمنح الموت حياة أخرى ، وسلام على الحاضرين في حضرة الغياب ، وسلام على الموتى في حضرة الحاضرين ،.
وفي قصيدة “ أزهار الموت “ ، تتصدى قصيدة ، لأحداث جبل الشعباني في تونس ، والمتمثلة في سلسلة المواجهات بين الجيش الوطني وكتيبة عقبة بن نافع التابعة لتنظيم القاعدة ، وطبيعي أن تتفاعل الشاعرة كغيرها من شعراء وشواعر تونس مع ظاهرة الإرهاب تنديدا ، لأن الوطن في العينين ، ولا شيء سوى رفع طاقة الإدانة الحقيقية لهذه الجماعات المفسدة فوق الأرض ، إلى أقصى حد ممكن :
“ كنت تعانقين الغيم
الغيم الذي يحتفي بالشهداء
توقظين رائحة الصنوبر والفلين
حيث تتوج أزهار الموت
ويغني الشوك ...” ص 25
من الواضح تماما أن الشاعرة رغم الأوقات العصيبة والضاغطة ، يتمظهر الاحتفاء بالشهداء ، وما ينتجه من عناق للغيم الدال على العلو ، ومن إيقاظ لروائح لفلبين والصنوبر والفلبين ، إشارة إلى المكان والطبيعة ، ومن تتويج لأزهار الموت وغناء الشوك ، تمجيد للشهداء وتحويل الموت والألم إلى رمز للجمال والخلود والمقاومة ، ومن ثم ، لايمكن للشهداء الخضوع لآلة الموت، بل إعادة لحياتهم ومجدهم ، واستعادة لأرواحم الغائبة الحاضرة ، إنه اختزال جمالي للحظة الاستشهاد ، مما يكشف عن جدل بين الشهداء والوطن ، وكذلك تكون العتبة العنوانية ل لقصيدة “ أزهار الموت “ التي تجمع بين الأزهار والموت رمزا إلى الحياة رغم أنف الموت ، وبذلك :
“ يطوف الشهداء
بعيون مفتحة وقلب عاشق
ويصاعدون زهورا خفافا
في السماء” ص 26
ولا يختلف الأمر في قصيدة “ قربان “ التي تذكي نبرة الشهادة والاستشهاد ، وهو ما يوحي بها عنوانها الذي يستعمل بمعنى الفداء والتضحية تقربا إلى الوطن :
“ ذات صباح أحمر
خيم الموت
على مقام “ الراست”
سقطت أشجار الراوند
ما بين الطلقات
دما ورصاصا ...“ ص 29
هاهنا تنجح الشاعرة في رصد اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد ، لتغدو اللحظةمشهدا أحمر يختصر العنف والاستشهاد ، مما يؤسس لجو مأساوي ، وهكذا أيضا تعلن اللحظة عن سيادة الموت وانتشاره ليغطي بظلامه حتى مقام الرست الذي يعني المستقيم أو الصحيح، وتتهاوى أشجار الراوند التي ترمز إلى الحياة والجذور ،حيث المجال لم يعد فراغا بل مكتظا بالدم والرصاص ، تجسيدا للاغتيال، حتى لكأن الشاعرة تضرب في عمق الإبداع حيث تتحول الموسيقى والطبيعة الى اغتيال، وتعرية أشد صور التنظيمات الجهادية المتوحشة لتي تدعو في كثير من الأحيان إلى اتخاذ تدابير عنيفة لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو اجتماعية محددة.
لكن الشاعرة ريثما تطل في قصيدة “ نور الأمنيات “، إطلالة جديدة يمكن وصفها بأنها مرحلة الوعد بالمستقبل :
“ستنقشع الغيوم
عن مسارات الفراشات
انطلق
سينتفض شهيد من ظلام الظلم
إلى نار الأمنيات
قتلناك مرارا
مرة عند صمت الأحداق
مرة عند انحناء الأعناق
مرة عند تدنيس الآفاق “ ص 48
يشتغل المقطع كاملا على تكريس الانقشاع بعد السقوط ، فالفراشات تناقض الموت باعتبارها صورة للأمل والحرية ، انتقال بالشهيد من الموت إلى الحياة ، والاعتراف بالذنب “ قتلناك مرارا “ ، بالصمت “ صمت الأحداق” والخنوع “ انحناء الأعناق “ ، وتشويه الحلم وإفساد المستقبل “ تدنيس الآفاق “، وبذلك تنتقل الشاعرة إلى منطقة الأسرار ، وإضاءة زوايا وخفايا ظلت غامضة ، في عملية تصريح تقدم جرأة الشاعرة في حديثهاعن شهداء الصمت وتباريح الألم .
وعندما تتحدث الشاعرة عن الموت في قصيدة “ الرقصة الأخيرة “ ، فتعكس حالة قاسية وحارقة وقاسية ، بسبب انطفاء جذوة حياة الأب :
بجهاز تنفسه
“ آلة تأجيل الموت “
بعربته الإلكترونية
ترفع جسده كلما نادى الآذان
بأدويته الكثيرة
يشتريها ولا يشتهيها
كنا منشغلات
فيما الموت زاره
وحيدا
هناك في غرفة المشفى “ ص 18-19
كان لا بد من إثبات هذا الاستشهاد رغم طوله ، لأنه يعكس الفعل الجماعي “ كنا منشغلات “ وعلامة الموت البازغة فيه ، لأنه يقدم مشهدا سيتوقع المتلقي لا محالة أن الأمر يتعلق بميتة تمهيدية “ آلة تأجيل الموت ، بأدويته الكثيرة التي يشتريها ولا يشتهيها “ ، لكن هيهات، فما نتجاوز هذا التمهيد حتى يعلو صوت الموت وينتهي المقطع بخاتمة مركزة “ زاره الموت وحيدا “ .
وبهذا يتناسب السياق الشعري بعنوان القصيدة “ الرقصة الأخيرة “ ، ويمثلان نوعا من وجوه وجع الموت ، تساوقا مع الأحوال الوجدانية والنفسية ، كشفا للألم والحزن ، وتحيل إحالة مطلقة ممتلئة بدلالات عميقة ذات صفة جماعية .
ويحضر الموت أيضا في “رقص على عتبة الهايكو” ، ونقبض عليه في قول الشاعرة :
“ السوسن يراقص الروح
والريح تمسح الفراق
يتضح التعبير
قبر أمي “ ص79
في هذه الصورة الشعرية تؤنسن الشاعرة السوسن وهو يراقص الروح ، مما يضفي على الموت إيحاء بالجمال والرقة ، مواساة للروح ، كذلك الريح تمسح دموع الفقد ، ثم يتجلى بعدها فقد رحيل أجمل الأمهات“ قبر أمي “، مما يجعل الموت شخصيا وحميميا ، وتكثيفا لوجع الرحيل ، فالأم المتوفية لا تترك فراغًا عاديًا، بل تترك مكانًا لا يستطيع أحد ملأه، ومن هنا تأتي قيمة الكلمات؛ فهي ليست مجرد عبارات موجعة ، بل محاولة صادقة لتقول الشاعرة : “ إن أمها ما زالت في قلبها ، وفي شعرها .
ومجمل القول ، إن ديوان “ رقص العتبات “ للشاعرة سوسن بكار بعد ديوانها “ قبعة ضاقت عن رأسي” الصادر عن عن دار ميارة للنشر والتوزيع بالقيروان، يحتاج إلى أكثر من وقفة ، للكشف عن جوانبه الشعرية ، وتكفي الإشارة إلى أن الشاعرة استطاعت أن تسقي تجربتها الشعرية في كؤوس جديدة ، لإيمانها بجدوى الشعر والارتقاء به إلى مراقي التعدد والانفتاح ، وخير الكلام ما قل ودل .
بقلم :عبد الله المتقي (كاتب وشاعر مغربي)