ظلال إميل حبيبي

في حياة الجماعات والشعوب، ثمة رموز ثقافية

تتحول إلى جزء من ضميرها الجمعي وذاكرتها التاريخية. الروائي الفلسطيني إميل حبيبي أحد أبرز تلك الرموز بالنسبة إلى فلسطينيي 48، أو ما يسميهم الإسرائيليون “عرب 48”، الذين عادوا إلى واجهة الاهتمام الإعلامي العالمي بمناسبة انتخابات الكنيست الإسرائيلي هذه الأيام.

أوصى إميل حبيبي، قبل وفاته، بأن تُكتب على شاهدة قبره عبارة: “باقٍ في حيفا”. لم تكن تلك مجرد وصية شخصية، بل كانت خلاصة مشروعه الأدبي والفكري. فقد شكّلت “تيمة” البقاء والصمود في فلسطين 1948 المحور الرئيس في أعماله، حيث صوّر، بسخريته اللاذعة، ملحمة بقاء أجيال كاملة من الفلسطينيين في حيفا وعكا والناصرة ويافا واللد، ممن رفضوا مغادرة مدنهم وقراهم رغم المجازر وحملات التهجير التي رافقت قيام دولة إسرائيل.

ولعل أبرز من وثّق تلك المرحلة هم ما يُعرفون في إسرائيل بـ”المؤرخين الجدد”، الذين عادوا إلى الأرشيف الإسرائيلي نفسه، فكشفوا جانبًا من المظلمة التاريخية التي تعرّض لها الفلسطينيون. ويظل كتاب “التطهير العرقي في فلسطين” للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه من أهم ما كُتب عن تلك المرحلة، وهو الكتاب الذي أثار جدلًا غير مسبوق داخل إسرائيل.

كان إميل حبيبي في منتصف العشرينيات من عمره عندما بدأت عصابات الأرغون وشتيرن الصهيونية ترتكب المجازر وتمارس التطهير العرقي في الجليل وخليج حيفا. عاش حبيبي النكبة بكل تفاصيلها، ثم حوّلها إلى مادة روائية ساخرة وناقدة في روايته “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل”. في هذا الكتاب ابتكر مصطلح “المتشائل” ليصف الفلسطيني الذي لم يخضع لإكراهات التهجير، لكنه أذعن لضرورات البقاء. كانت هذه الكلمة مفتاح السردية الروائية عند إميل حبيبي: البقاء. بها ختم حياته على شاهدة قبره، وبها رسم شخصية “باقية”، فتاة جسر الزرقاء، في رواية “المتشائل”. فالبقاء عند حبيبي ليس مجرد نقيض للتهجير، بل هو عنوان الوجود نفسه، وعنوان الصمود أيضًا.

هؤلاء هم الباقون: سكان وادي النسناس في حيفا، وأهل الناصرة وشفاعمرو وغيرهم ممن تصفهم وسائل الإعلام العبرية بـ”المجتمع العربي”. وهم أنفسهم فلسطينيو 48 الذين أقبلوا بالآلاف إلى صناديق الاقتراع، مصوّتين للقائمة الموحدة أو المشتركة. لقد أصبح هؤلاء الباقون اليوم رقمًا مؤثرًا في تحديد من يحكم إسرائيل. في هذه الأيام تبدو ظلال إميل حبيبي وكأنها تحط رحالها من جديد في هذه الهبة الواسعة للمواطنين العرب في إسرائيل للمشاركة بكثافة في انتخابات الكنيست.

مشاركةٌ يراد منها، أولًا، التأكيد على أنهم موجودون بوصفهم قوة سياسية لا يمكن تجاوزها في أي سيناريو لمرحلة ما بعد بنيامين نتنياهو. وثانيًا، التعبير عن رفضهم للمظالم وسياسات القمع التي طالتهم في ظل اليمين المتطرف، ممثلًا في الثنائي العنصري بن غفير وسموتريتش.

عقب نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، تجمع عدد من شباب حيفا في ساحة إميل حبيبي في منطقة وادي النسناس، محتفلين بنتائج القوائم العربية. غير أن فرحتهم كانت تخفي مأساة أجيال من فلسطينيي 48.

اجيال تخفي احزان ومأساة هزائم وتهجير ونكبات .. فرحة فلسطيني 48 فرحة ملتبسة يقول عنها اميل حبيبي على لسان أحد المهجّرين "ما كنا نعرف مشاعر إخواننا الذين بقوا… ولا مأساتهم. فهل هي أكبر من مأساتنا؟! "*. 

بقلم: هادي يحمد

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115