مخطط 2026-2030: التضحية بالمستقبل من أجل الحاضر

قد يعلن مخططٌ للتنمية عن نمو سنوي بنسبة 4.2%

ويَعِد برفع الاستثمار إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعلن عن مشاريع عمومية بقيمة 102 مليار دينار. غير أن قيمة هذا المخطط لا تتحدد إلا بالوسائل التي تُوضَع على ذمته. إن المخطط التنموي للفترة 2026-2030، ما إن اعتُمد حتى اصطدم بتناقض جوهري: فطموحاته تتطلع إلى سنة 2030، في حين تعطي الميزانيات الأولوية لحاجات الحاضر الملحّة. وإذا واصلت البلاد تمويل السلم الاجتماعي عبر تأجيل الاستثمار، فإنها تخاطر بالتفريط تحديدًا في النمو الذي من شأنه أن يضمن استدامة هذا السلم.

أهداف تزداد ابتعادًا

كان المخطط يَعِد بتحوّل نوعي: تحقيق نمو متوسط بنسبة 4.2% سنويًا، مقابل 2.4% خلال الخماسية السابقة، وبلغ نمو بنسبة 5.1% في سنة 2030. كما استهدف رفع نسبة الاستثمار من 15.5% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن التوقعات الأولية تروي مسارًا مختلفًا. فقد توقّع قانون المالية لسنة 2026 نموًا بنسبة 3.3%، ثم خفّضت الميزانية الاقتصادية الصادرة في أكتوبر التقدير إلى 2.7%، مع توقع بلوغ 3.1% في سنة 2027. أما صندوق النقد الدولي فيتوقع نموًا بنسبة 2.4% ثم 2%، في حين تتوقع مجموعة البنك الدولي نموًا بنسبة 2.3% في سنة 2026.

وللعودة إلى معدل نمو متوسط بنسبة 4.2%، يتعين على تونس، وفق الفرضيات المعتمدة، تحقيق نسب نمو سنوية تقارب 5% إلى 5.5% بين سنتي 2028 و2030. ولم تتمكن تونس من تسجيل ثلاث سنوات متتالية بمثل هذه النسب منذ سنة 2010. كما أن الاستثمار لا يسير في الاتجاه المطلوب، إذ يُتوقع ألا تتجاوز نسبته 15.5% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2026، وأن تبلغ 16.4% فقط في سنة 2027. أما بلوغ نسبة 20% الموعودة، فيفترض تسارعًا يصعب تصوره من دون تغيير في التوجه.

ويظهر هذا التباعد أيضًا في الأولويات القطاعية. فالمخطط ينص على رفع إنتاج الفسفاط من 5.5 ملايين طن سنة 2026 إلى 13.6 مليون طن سنة 2030، في حين لا تتوقع الميزانية الاقتصادية لسنة 2027 سوى إنتاج 4.2 ملايين طن في السنة المقبلة. أما حصة الطاقات المتجددة، التي كانت في حدود 9% خلال الربيع، فمن المفترض أن ترتفع إلى نحو أربعة أضعافها في غضون أربع سنوات.

الاستثمار: متغيّر التعديل

لا تتعلق المشكلة بالأهداف فحسب، بل تشمل أيضًا الأدوات المعتمدة لتحقيقها. فإلى موفى جوان 2026، بلغت نفقات التنمية المنفذة 2.53 مليار دينار، أي ما يعادل 21.2% من الاعتمادات السنوية. وخلال الفترة نفسها، بلغت كلفة دعم المحروقات 2.43 مليار دينار؛ أي إن ما أُنفق لدعم استهلاك الطاقة يكاد يعادل ما خُصص لتمويل التنمية.

أما الاستثمار الخاص، الذي يُفترض أن يضطلع بدور التعويض، فلم يتلقَّ بعد الإشارة إلى إطلاق دفعة قوية وحقيقية في العرض. ويتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 تدابير مفيدة، من بينها إعفاء بعض المؤسسات حديثة التأسيس من الضريبة على الشركات لمدة أربع سنوات، والتكفل بجزء من الاشتراكات الاجتماعية للمؤسسات الصغرى جدًا، ومنح امتيازات للشركات الناشئة. غير أن أثر هذه التدابير يظل محدودًا، كما أن عددًا من الإصلاحات المنتظرة لا يزال متأخرًا.

ويأتي ضعف الاستثمار هذا في سياق تطور طويل الأمد. فبالأسعار الثابتة للدينار، ارتفعت كتلة الأجور في القطاع العام منذ سنة 2010 بنحو 55%، وتضاعفت الإعانات ثلاث مرات، فيما زادت فوائد الدين إلى 2.5 مرة مستواها السابق. أما استثمار الدولة فقد تراجع بنسبة 35%. وبعبارة أخرى، تنفق الدولة اليوم أكثر بكثير مما كانت تنفقه قبل خمسة عشر عامًا، لكنها تستثمر أقل. وليس المقصود إنكار الحاجات الاجتماعية أو كلفة الدين، بل الإشارة إلى أن تراكم هذه الأعباء يقلّص تدريجيًا الموارد المتاحة للاستعداد للنمو في المستقبل.

السلم الاجتماعي بالدَّين

في سنة 2027، يُتوقع أن تستحوذ الأجور والإعانات وفوائد الدين على نحو 95% من المداخيل الجبائية، مقابل 75% سنة 2010. ولن يتبقى للاستثمار والعمليات المالية سوى هامش ضيق. ولتغطية ميزانيته، تعتمد الدولة على عدة وسائل، منها التسبيقات التي يقدمها البنك المركزي، والاقتراض من البنوك، وزيادة الضغط على المطالبين بالأداءات في القطاع المنظم. ويأتي التسبيق البالغ 9.8 مليارات دينار والمبرمج لسنة 2027 امتدادًا لسلسلة من التمويلات النقدية التي قاربت 35 مليار دينار خلال أربع سنوات. ومن جهتها، تُشجَّع البنوك على تمويل الدولة بدلًا من المؤسسات، وهو ما قد يزاحم الائتمان الموجه إلى الأنشطة الإنتاجية.

ويُلقى العبء على قاعدة جبائية ضيقة، فوفقًا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تمثل الضرائب والاشتراكات الاجتماعية 34% من الناتج المحلي الإجمالي في تونس، مقابل معدل يبلغ 16% في أفريقيا. وليس من المستدام تحميل القطاع المنظم عبء الجهد الجبائي، في الوقت الذي يتوسع فيه القطاع غير المنظم.

وقد تمكنت البلاد حتى الآن من الوفاء باستحقاقاتها المالية من دون اللجوء إلى صندوق النقد الدولي. لكن هذا الصمود على مستوى الحسابات لا ينبغي أن يحجب هشاشة الوضع الاقتصادي. فمع توقع عجز أولي بنسبة 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تفوق المستوى الذي يسمح باستقرار المديونية وفق الفرضيات المعتمدة، قد تواصل نسبة الدين الارتفاع. كما أن صدمة في أسعار النفط، أو الجفاف، أو تراجع قيمة الدينار، كفيلة بتفاقم الضغوط.

المراجعة بدل الاكتفاء بالإعلان

لم يفقد مخطط 2026-2030 صفته القانونية، لكنه قد يتحول، إن لم يُعَد توجيهه، إلى مجرد وثيقة للعرض: طموحة في أهدافها، ومنقطعة الصلة بالقرارات التي يتوقف عليها تنفيذها. لذلك ينبغي تقديم موعد مراجعة مساره إلى سنة 2027، وحماية اعتمادات التنمية وتحسين تنفيذها، وإعادة توجيه دعم المحروقات تدريجيًا نحو مساعدات موجهة إلى الأسر محدودة الدخل، وضبط كتلة الأجور، وتوسيع القاعدة الجبائية بدلًا من مواصلة رفع النسب. كما ينبغي تحديد جدول زمني ملزم للإصلاحات الكفيلة بتحرير الاستثمار الخاص.

إنه خيار صعب، لأن كل نفقة تستجيب لانتظار آني، غير أن تأجيل الاستثمار له كلفته أيضًا: نمو أقل غدًا، وبالتالي موارد أقل لتمويل الحاجات الاجتماعية. ولا يمكن تمويل السلم الاجتماعي على نحو مستدام عبر إضعاف الجهات والأنشطة التي تخلق الثروة.

لم يعد السؤال الحقيقي إذن هو ما إذا كانت تونس ستبلغ نسبة نمو قدرها 4.2%، بل ما إذا كانت الدولة ستقبل بالتخلي عن جزء من الرفاهة الآنية حتى تتيح لنفسها مستقبلًا.

بقلم: شكيب بن مصطفى

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115