مخبر الظاهرة الدّينية، يصدر كتابا في نقد السلفية في تونس

"مخبر الظاهرة الدينية في تونس"، مؤسسة علمية

تنشط ضمن كلية الآداب والفنون والإنسانيات منوبة، ويعتبر هذا المخبر فضاء للبحث الأكاديمي المنهجي في مجال الدّراسات الدّينية والحضارية ذات الصلة بالدّين عقيدة وثقافة وحضارة وقيما خلقية وروحيّة، تلك التي تستحيل تمظهرات اجتماعية في الواقع والتاريخ أو تمثّلات فكرية في مستوى الوعي والإدراك. ويرأس هذا المخبر ويدير أنشطته العلمية أ. د محمّد بن الطيّب أستاذ الحضارة والتصوّف بالجامعة التونسية. وقد أسفرت أنشطة هذا المخبر العلمي على إصدار مجموعة من الدّراسات والكتب العلمية المهمّة، آخرها هذا الكتاب "السلفية في تونس: الأسس والخطاب"، الذي سيكون موضوع مقالنا هذا. من ناحية أخرى نظمّ مخبر الظاهر الدينية مؤتمرات وملتقيات علمية وطنية ودولية مهمّة حول إشكاليات الظاهرة الدّينية وآفاق دراستها وعلاقة الإنسان  في العصر الحديث بالدّين والمقدّس، لعلّه سيكون أبرزها المؤتمر الدولي القادم في غضون شهر نوفمبر 2026، حول تمثّلات الأديان حقائق وقيما في الوعي والحياة وفي الواقع وعبر التّاريخ.

1)- في الظاهرة الدّينيّة وتشعّب سبل دراستها

تبعا لما تختصّ به الظاهرة الدّينية من تعدّد في أشكال الظهور وسياقات التفاعل والتأثير والتأثّر، فإنّ مجالات توظيف مناهج البحث والدّراسة واستخدام أدوات المقاربة العلمية العصرية لإشكالياتها، تتنوّع بحسب تشعّب الظاهرة الدّينية التي تأخذ شكل إنتاج معرفي علمي أو فكري ثقافي أو روحي ديني يتصل بالشعور كما بالأخلاق وأنماط السلوك، وهو ما يعني أنّ تكوّن "الظاهرة الدينية" وظهورها تاريخيّا، يتّصل بالحياة والسلوك وبالتأثير في الفضاء العامّ. ويمكن أن يلتبس في متن الظاهرة الدينية الفكري الدّيني بالاجتماعي السياسي، وتكون لها أهداف سياسة إديولوجية، ترتبط بمصالح فئات بعينها، من ذلك مثلا ظاهرات حركات الإسلام السياسي أو الإسلام السلفي الجهادي، فهي حركات وجماعات تنحرف بالدّين نحو وجهة معينة تخالف روح الخطاب الدّيني الإلهي ومقاصده السمحة، وتضع لذلك خطابا بديلا موجّها، هدفه الدعاية والدّفاع وادّعاء الحجاج المقنع لأديولجية سياسية المتطرّفة.

لقد صارت الخطابات التي تنتجها حركات الإسلام الجهادي والسياسي؛ السلفي والإخواني، والمتطرّف والإرهابي، من ضمن مجالات اهتمام مخبر البحث العلمي في الظاهرة الدينية، تتمّ مقاربتها ودراستها ضمن أُطُر البحث المنهجي، ووفق ما يقتضيه التحليل العلمي المستند إلى أدوات منهجية مستقاة من حقول العلوم الإنسانية ونظريات تحليل الخطاب ومفاهيم المعرفية العلمية المنهاجية ذات المرجعية الابستمولوجية المنطقية الحديثة. ثمّ إنّ أهداف البحوث العلمية المنجزة سواء كانت فردية أو جماعية يقوم بها أكثر من باحث جامعي حول محور أو مسألة معيّنة، مع التزامه بالموضوعية والنزاهة، تطلّعا إلى معرفة عميقة ودقيقة بحقائق الأمور، ومن ثمّ الكشف عن وظائف الفكر والخطاب في الواقع والحياة، لأجل الإحاطة بمختلف سبل توظيف الدّين من خلال رؤى تتصارع وتأويلات تتعارض، وإن تدّعي، أصلا، الوفاء للقيم والمثل العليا التي جاء بها الدين الإسلامي.

هكذا يمكن أن تظهر من الآراء والمواقف التي تعمل على توظيف الدين في السياسة لأجل خدمة فئات بعينها ونصرة توجهات متطرّفة، بدعوى امتلاك التأويل الصحيح للإسلام والحرص على تطبيقه، يحدث ذلك دون وعي بنسبية أشكال الفهم وطرائق التفسير، ومن ثمّ خصائص الواقع والتاريخ وفي غياب الإحاطة بنسق تحوّل بنى الوعي الذّاتي والجماعي؛ الفكرية والثقافية والاجتماعية والمعارف والعلوم الحديدة التي تؤثّر في فهم الدين وتفسيره، لاسيما في ضوء تعقّد دروب الحياة ونظام العلاقات الاجتماعية، في حين يكون من المنطقي رفض أي نموذج جاهز للفكر والحياة ولتفسير الخطاب الإلهي (القرآن)،  والتصدّي لاحتكار حقيقة الدّين في تفسير بعينه.

2) – في محاور الكتاب

هكذا بعد سلسلة من الإصدارات العلمية المفيدة، سواء لأشغال الندوات أو لملفات وبحوث فردية، أبرزها كتاب "التديّن وقضاياه في تونس"، أصدر منذ مدّة مخبر البحث الظاهرة الدينية كتابا علميّا مرجعيّا موضوعه دراسة الفكر السلفي ونقد الأطروحات السلفية، لاسيّما في ما يتعلّق بنظرتها إلى الدّين والحياة، وإلى مسألة الحرّيات الأساسية، ووُسم هذا الكتاب بـ: "السلفية في تونس: الأسس والخطاب"، وقد نسّق أعماله وراجعه أ. د محمّد بن الطيّب، رئيس المخبر، ووضع له مقدّمة من أبرز ما جاء فيها: أنّ "التيارات السلفية على اختلافها ولاسيما العنيفة منها (صارت) تشغل الناس، لما لها من دور خطير في تعاظم الإرهاب"، وهي من ثمّ "داء حيّر العقول وأرعب النفوس وهزّ مضاجع المجتمعات الإسلامية، وشغل الأنظمة وأجهزتها"، وحيّر عقول النخب المثقفة والمفكّرة، لكونه "إضافة إلى إضرار الإرهاب "بالاقتصاد وسعي (السلفيين والمتطرّفين) إلى هدم أركان الدولة (فقد) تجرّدت خلاياه البغيضة وشبكاته الممقوتة من أبسط معاني الإنسانية والقيم الدينية والمثل الأخلاقية والسلوكية، وخالفت جميع الشرائع السماوية". فكان من نتائج ذلك وفقا لما بيّنه الأستاذ محمّد بن الطيّب، أن صار السلفيون والإسلاميون المتطرّفون يعملون باستمرار على "استدراج الشباب الغرّ اليائس المحبط إلى الارتماء في أحضانهم، وزيّنوا له إقامة دولة الخلافة، حيث سيتحكّمون في رقاب الناس بالقوّة القاهرة، ويحملونهم على تطبيق شرع الله عنوة". ولبلوغ هذا الغايات الخطيرة على الدّين والمجتمع، عمل "شيوخ السلفية الجهادية" وكذلك دعاة التطرّف الدّيني بعد مراحل من غسل الدماغ ودمغجة الوعي المدرك (غسيل الأدمغة)" على تزيين ما يأتيه ذاك الشباب المستقطب "من جرائم، وما يقومون به من فضائع (وقدّموه على أنّه) جهاد في سبيل الله"، غير أنّهم وقع في أخطاء جسيمة ونتائج خطيرة، انتهت بهم إلى "أن يحملوا السلاح ضدّ دولتهم وضدّ جند وطنهم، وضدّ أهليهم وضيوف بلادهم"، ممّا يعني أنّهم سلكوا أساليب غير مدنية، ولا متحضّرة"، لكونها تتنافى ورح الدين ومقاصده السمحة، إذ راهنت السلفية على العنف والقتل والإرهاب لأجل "تحقيق مطلوبهم وإقامة الدولة الموهومة و(فرض) نمط المجتمع الذي يتصوّرونه على الناس فرضا".

هكذا تبدو تبعا لذلك تبدو الحاجة معرفيا وعلميا إلى فهم هذه الظاهرة فهما عميقا وسليما، تكون وسيلته المثلى الدّراسة العلمية الجادّة، بالنقد والتحليل والتفكيك من خلال مقاربات تاريخية، تشمل بالدّراسة مثل هذه الظواهر الدينية السلفية المتزّمّتة، وقد تصدّر جمع من الباحثين الجامعيين الناشطين صلب هذا المخبر وتمّ تشريك باحثين جامعيين مختصّين من فضاءات أكاديمية، لأجل البحث علميا في الأسس الفكرية والسياقات التاريخية للخطاب السلفي والفكر المتطرّف، بما يتيح إمكان فهم مسارات اشتغاله هذا الخطاب وآليات تأثيره. ذلك أنّه لا يكمل هذا الفهم إلّا من خلال دراسة مختلف تلوينات الخطاب السلفي، والمعرفة بسائر "اتجاهاته ومفاهيمه  وأهدافه وغاياته وأصوله ومرجعياته".

وعليه أمكن القول إنّ أهمّ ما يمنح هذا الكتاب والبحوث المدرجة ضمنه وجاهة وأهميّة لافتين، إذ حُظي "خطاب السلفية العنيفة بالنصيب الأكبر من الدّرس والتحليل (وذلك) لمسيس الحاجة إلى الدّراسات العلمية التي تساعد القارئ المختصّ وغير المختصّ على مزيد  فهم الخطاب (ومن ثمّ السلفي وفكر جماعات الإسلام السياسي)، ومن ثمّ مساعدة أهل القرار على ابتغاء أقوم المسالك لدرء خطره والتوقّي من ضرره".

فتعدّدت، ضمن هذا الغرض، زوايا دراسة السلفية في تونس، ضمن هذا الكتاب، كما تعدّدت أدوات القراءة ومناهج التحليل والدّراسة، فجاء بحث كمال الساكري موسوما بـ "الأطروحات السلفية: تجديد الخطاب الإسلامي أو إعادة إنتاج له"، وتطرّق علي بن مبارك إلى مقاربة "المسألة السياسية في الخطابات السلفية". وحاول جمال بوعجاجة دراسة "مرجعيات الخطاب السلفي". وتناول محمّد صابر الثابت الخطاب التكفيري بوصفه مظهرا للتطرّف الديني, وبيّن عبد الرّزاق الفقيه أثر موقف ابن تيمية  من التكفير في الخطاب السلفي المعاصر في تونس. أمّا حياة اليعقوبي فتناولت مشكلة التوظيف الخاطئ والخطير للمصطلح القرآني وإخراجه عن سياقه الدلالي الحقيقي، من خلال نموذج مصطلح الطاغوت، فجاء بحثها موسوما بـ: "الطاغوت وشرعية الجهاد: تحوّلات المعنى بين القرآن والخطاب السلفي الجهادي". ودرس غفران حسايني مشكلة بناء الصورة وتكثّف الرّمزيات في خطاب الإعلام السلفي الجهادي. أمّا مراد الحاجّي، فقد نظر في أشكال الإرهاب الفكري والتخويف الذي تمارسه السلفية، فجاء بحثه موسوما بـ: "السلفية الجهادية في تونس: الخوف والتخويف من خلال خطاب أبي عيّاض في اجتماع أنصار الشريعة بالقيروان، في 20 ماي 2012. ودرس شكري الغربي "الولاء والبراء في خطاب البشير بن حسين التونسي"، واهتمّ سمير ساسي بتحليل "الخطاب السلفي لحزب جبهة الإصلاح ومقاربة الشأن السياسي" المتعلّق بذلك.

استنتاج وتعليق

وهكذا أمكن أن نستنتج تبعا لمّا تمّت الإشارة، أنّ مدار الاهتمام بالخطاب الدّيني السلفي تقتضي ضرورة فهم بناء حججه، ومن ثمّ الكشف عن آليات ذلك وخطورته، من خلال دراسة دلالاته الفكرية والاجتماعية والنفسية من جهة العلاقة بالنصّ الأصلي المؤسّس (القرآن الكريم)؛ قراءة وتأويلا وفهما وتفسيرا، تطلّعا إلى فتح آفاق جديدة في مجال الدراسات الإسلامية وتحليل الخطاب الديني، عبر الاستفادة من المناهج والنظريات الحديثة في قراءة النصوص وتحليل الخطاب، لاسيّما وقد وتبيّن أنّ أدوات مناهج الحداثة ومفاهيمها في المعرفة والقيم الخلقية والحقوقية المتعلقة بالفكر والحياة وأنظمة الحياة، من شأنها أن تنفتح بـ "النصّ المقدّس" على سائر دروب الحياة والدلالات الحقيقية لمعاني الدّين القويم كما أراده الله وإنسانية الإنسان التي بها يرتقي الكائن. ومن ثمّ ترسيخ تقاليد الاختلاف في الفكر والرّأي، عبر الوعي باختلاف مستويات التأويل ودروب القراءة والتفسير، دون تصادم أو إقصاء، وبعيدا عن أيّ ادّعاء لامتلاك التأويل الصحيح أو مفتاح الفهم الصائب الدقيق لسور القرآن الكريم ومنطوق دلالاتها.

بقلم: محمّد الكحلاوي (أستاذ جامعي)

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115