تتكرر عبارات مثل: «تلاميذنا جيل رقمي لا يتعلّم كما تعلّمنا»، و«لكل تلميذ نمط تعلّم يناسبه»، و«لكل تلميذ ذكاءات متعددة ينبغي اكتشافها». تُطرح كأنها أوصاف بديهية للواقع، ونادرًا ما يُسأل عن نشأتها أو عن الأدلة التي تسندها. وحين تُناقَش، ينقسم الموقف بين من يتبناها لأنها «علمية» و«دولية»، ومن يرفضها لأنها «مستوردة». ويختلف الطرفان، لكنهما يلتقيان في إغفال السؤال الأهم: ما مدى صلاحية المفهوم نفسه؟
شاعت عبارة «الجيل الرقمي» بعد مقال لكاتب أمريكي قبل ربع قرن، قسّم الناس إلى «مواطنين رقميين» وُلدوا مع الشاشات، و«مهاجرين رقميين» وفدوا إليها متأخرين. كان مقالًا لا دراسة، لكنه انتشر كأنه نتيجة بحث، ولم تُثبت المراجعات اللاحقة أن الشباب يتعلّمون بطريقة مختلفة لمجرد نشأتهم مع الشاشات، أو أنهم أقدر على إنجاز مهام متعددة في آن واحد. ومع ذلك يُستعمل المفهوم لتسويق اللوحات والمنصات للمدارس، وأحيانًا لتصوير المدرّس «مهاجرًا» متخلفًا عن تلاميذه. وقد بيّن فريق بحثي سنة 2008 أن الأدلة لا تُثبت تحسّن التعلّم بتكييف التدريس مع «نمط» التلميذ، ومع ذلك تستمر الفكرة في دورات تكوين كثيرة. أما «الذكاءات المتعددة» التي طرحها هوارد غاردنر سنة 1983، فقد تحوّلت إلى تصنيف للتلاميذ، رغم تنبيه صاحبها إلى أنها ليست أنماط تعلّم.
وتقتضي مساءلة هذه المفاهيم أن أبدأ بنفسي. ففي ندوة بالمعهد العالي لإطارات الطفولة بقرطاج في ديسمبر 2015، قدّمت دراسة بعنوان «التربية الرقمية في مواجهة أزمة المدرسة» (نُشرت بكراسات الطفولة، العدد 26، 2016؛ ثم أعادت نشرها مجلة «المربي» التي تصدرها وزارة التربية الجزائرية العدد 24، 2018)، استغربت فيها تأخر نظامنا التربوي، وهو من أكثر الأنظمة «مسايرة» للمعايير الدولية، عن إدماج التربية على وسائل الإعلام التي أوصت بها اليونسكو منذ 1982. وما زلت أرى هذه الدعوة صائبة، والحاجة إليها اليوم أشد. لكنني أُراجع اليوم مفارقة لم أنتبه إليها آنذاك: افتتحت الدراسة بعبارة لإدغار موران تحذّر من أشكال التفكير «الحبيسة للنماذج المهيمنة»، ثم وقعت فيما تحذّر منه. فقد تبنّيت بحماس مفاهيم «المواطنة الرقمية» و«المواطن الرقمي» و«المهاجر الرقمي» اقتداءً ببلدان وصفتها يومها بالمتقدمة، من دون أن أسأل عن مدى صلاحيتها لواقعنا.
لا يعني ذلك أن هذه المفاهيم بلا قيمة، بل أنها تحتاج إلى «تنسيب» يحدد حدود صلاحيتها، على ثلاثة مستويات متداخلة:
- تنسيب الأدلة: هل يصمد المفهوم أمام الأدلة؟ وهو ما لم تصمد له «أنماط التعلّم».
- تنسيب السياق: هل يصحّ هنا ما ثبت هناك؟ فقد تبيّن أن أغلب دراسات علم النفس أُجريت على عيّنات من مجتمعات غربية، متعلّمة، صناعية، غنية، ديمقراطية، لا تمثّل إلا جزءًا صغيرًا من سكان العالم، ثم عُمّمت نتائجها على الجميع.
- تنسيب المصالح: من صاغ المفهوم، وفي أي علاقة قوة، ومن روّجه، ومن يستفيد منه؟ فتسميات مثل «جيل زاد» و«جيل ألفا» انتقلت من الكتابات الصحفية والديموغرافية إلى بحوث السوق والإعلان لتقسيم المستهلكين إلى شرائح، ثم تسرّبت إلى الخطاب التربوي لتبرير قرارات في التجهيز والمناهج، مختزلةً اختلافات التلاميذ في هوية جيلية واحدة.
والإنصاف يقتضي ملاحظة أن المستويين الأولين جاءا غالبًا من داخل العلم الغربي نفسه، بآليات تصحيحه الذاتي. أما الثالث فهو الأقل حضورًا في نقاشنا العام؛ إذ لا تحدد قوة الأدلة وحدها انتشار المفهوم، بل تسهم فيه مصالح أسواق ما يسمى بـ"التنمية البشرية"والتدريب ومكاتب الخبرة والمنظمات الدولية الناقلة للنماذج التربوية، وتضخّمه آليات إعلامية تكافئ الفكرة القصيرة الجذابة.
وأخطر ما في هذه المفاهيم أنها تقدّم نفسها وصفًا لا رأيًا. وهذا ما سمّاه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو «العنف الرمزي»: سلطة تفرض معانيها بقدر ما تُخفي العلاقات التي أنتجتها، فتبدو طبيعية لمن يتلقاها. فحين نقول «جيل رقمي» لا نصف تلاميذنا فقط،وإنما نقرّر ضمنيًا ما يحتاجونه، وأي تجهيزات نقتني، وأي تكوين نقدّم للمدرسين. ومثل ذلك روائز الميول والشخصية التي تتداولها المنصات بعناوين مثل «اكتشف شخصيتك» و«اعرف المهنة التي تناسبك»، فتُقرأ نتائجها أحكامًا على تلاميذ تونسيين وقد وُضعت لعيّنات أخرى. والمفارقة أن زملاء من مستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي اجتهدوا في بحوث تخرّجهم في «تونسة» بعضها، فبقيت أعمالهم حبيسة الرفوف، وانتشرت النسخ غير «المُتَونسة».
غير أن الجواب ليس الرفض. فرفض المفهوم لأنه وافد لا يقل اختزالًا عن قبوله لأنه دولي، إذ يحلّ المنشأ في الحالتين محلّ فحص المعرفة. وهنا يفيد ما سمّاه عبد الكبير الخطيبي «النقد المزدوج»: نقد المركزية الغربية، ونقد مسلّماتنا الموروثة بالصرامة نفسها.
ويفتح هذا المقال بابًا نعود إليه في هذا الركن، نسائل فيه أدلة مفاهيم رائجة أخرى وسياقاتها ومصالح انتشارها، مثل «التنمية البشرية» و«المهارات الناعمة» و«ريادة الأعمال» و«ربط التكوين بالتشغيل»...
والمفهوم في النهاية ليس قدرًا. فالتلميذ ليس ما تقوله عنه التسمية، والمربي ليس مجبرًا على رؤية تلاميذه بعيون من صاغها. يمكنه أن يسأل تلاميذه عمّا يفعلونه بهواتفهم، ومع من، وبأي لغة، وأن يدوّن ملاحظاته ويقارنها. فالكتابة عن الممارسة هي ما يحوّل الخبرة اليومية إلى معرفة قابلة للنقاش والمراجعة، ويحوّل المربي من مستهلك للمفاهيم إلى مدرّس باحث في ممارسته.
ولا يكتمل ذلك بجهد فردي، فالتعليم مهنة تعاونية تُبنى معرفتها بتبادل التجارب وتراكمها. غير أن ما ينجزه المربون من بحوث، على اختلاف أسلاكهم، يُركن في الغالب على الرفوف بعد أن يؤدي وظيفته في ترقية أصحابه.ولو تداولها الزملاء وبنوا عليها، لتجاوزت الترقية إلى خدمة الناس. فبحوث»تونسة«الروائز، مثلًا، كان يمكن أن تُظهر للأولياء جدوى عمل مستشار الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، وأن تقرّب سلكه من مكانة نصّ عليها قانونه منذ أكثر من ثلاثة عقود ولم يبلغها بعد. فللمهن مأسستان: قانونية شكلية تمنحها مكانًا في النصوص، واجتماعية تمنحها مكانة في حياة الناس، ولا تُكتسب الثانية إلا بممارسة يلمس المجتمع جدواها فيطلبها. وهذا شأن المربين جميعًا:حين يُعترف بهم منتجين للمعرفة، يصيرون شركاء في النقاش حول المفاهيم والقرارات التربوية، وليسوا منفذين لما يُصاغ بعيدًا عنهم.
ولا تكفي الأقدمية ولا الحضور في المنابر لإثبات الخبرة؛ فهما لا يغنيان عن مراجعة الممارسة والبحث فيها وتبادل نتائجهاوتتجاوز المسألة إنتاج المعرفة إلى طريقة استعمالها:فحين نردّد مفهومًا رائجًا، هل نفكّر به، أم يفكّر هو نيابةً عنّا؟
بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي