("كانديد" لمعلّمه،الحالم، الذي يصرّ على تجاهل بؤس الواقع)
يروي أبو حيّان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة" أن جماعة من الناس شكوا الفقر وغلاء القوت وعوز الطعام وتعذّر الكسب. فلما بلغ أمرهم أحد رجال السلطة، لم يخفف من معاناتهم، بل قال لهم بوجه عابس: "بعدُ لم تأكلوا النخالة"، أي إنهم لم يبلغوا بعد أسوأ ما يمكن أن يبلغوه.
تكشف هذه العبارة القديمة عن فجوة تتسع بين السلطة والمجتمع: مجتمع يعيش ألمه اليومي، وسلطة تصلها أصوات الناس لكنها لا تنفذ إلى ما وراءها، ولا تريد أن ترى فيها تعبيرا عن واقع يستدعي الاعتراف والمراجعة. ومع اتساع الهوة بين ما يعيشه الناس وما تراه السلطة أو تريد أن تراه، تزداد القطيعة بين الطرفين، حتى تغدو السلطة غريبة عن المجتمع، ويغدو المجتمع بدوره غريبا عن سلطة تحكمه.
وقد تبدو العبارة مجرد قسوة تجاه أناس أنهكهم الفقر والعوز، لكنها تضعنا أمام معنى أعمق للاغتراب: اللحظة التي تنفصل فيها السلطة عن الواقع الذي يفترض أن تديره. فالاغتراب لا يبدأ حين تعجز السلطة عن حل كل مشكلات الناس، بل حين تفقد القدرة على تمثّل معاناتهم، وإدراك ما تقوله شكواهم، والإصغاء إلى ما يتراكم خلف صمتهم.
مسافة لا تُرى:
عندها لا تعود المسافة بين السلطة والمجتمع مجرد مسافة سياسية، بل تصبح مسافة في الإحساس واللغة والأولويات، وحتى في تعريف ما يستحق الاهتمام. وهذا هو الوجه الأخطر لاغتراب السلطة: أن تكون حاضرة في حياة الناس بقراراتها وقوانينها وخطابها، لكنها غائبة عن واقعهم اليومي.
ولا تعود شكواهم تعبيرا عن واقع ينبغي فهمه والاستجابة له، بل أصواتا تأتي من خارج شرنقة عالمها الخاص، فتظل عابرة لا تُحدث صدعا في الصورة التي رسمتها السلطة عن نفسها وعن الواقع.
ولعل فولتير قدّم في رواية "كانديد"الشهيرة صورة ساخرة ومكثفة لهذا الانفصال عن الواقع في شخصية بانغلوس، المعلّم الذي ظل مصرّا على أن كل شيء يسير نحو الأفضل، حتى أمام الكوارث التي فنّدت اوهامه، وليست المشكلة في التفاؤل بحد ذاته، بل في الإصرار على رواية واقعٍ لا يراه الناس في حياتهم اليومية، حتى تنفصل الرواية عن الواقع وتتحول من محاولة لفهمه إلى وسيلة لإنكاره. وهذا ما يحدث للسلطة حين لا يصلها من حياة الناس إلا ما ينسجم مع الصورة التي تريد أن تراها.
والسلطة التي تفقد صلتها بالمجتمع لا تفقد فقط القدرة على فهمه، بل تفقد شيئا من قدرتها على فهم ذاتها. وحين لا ترى الناس كما هم، ولا يصل إليها من واقعهم إلا ما يؤكد روايتها، تنقطع عن أحد أهم مصادر مشروعيتها: صلتها بالمجتمع الذي تحكمه.
حين ينكفئ المجتمع:
لكن اغتراب السلطة لا يبقى في جهة السلطة وحدها، بل يمتد إلى المجتمع. فعندما تطول المسافة بينهما، ينكفئ الناس على حياتهم الخاصة، ويتراجع اهتمامهم بالشأن العام، حتى تبدو القضايا المشتركة وكأنها مشكلات فردية.
وهكذا تصبح المعاناة فردية، والشكوى فردية، والاحتجاج فرديا، أو في أحسن الأحوال قطاعيا أو محليا، رغم أن أسباب المعاناة جماعية.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الاغتراب: أن تفقد السلطة إحساسها بالمجتمع، ويفقد المجتمع، في المقابل، إحساسه بقدرته على التأثير فيها. عندها لا يعود الصمت مجرد غياب للكلام، بل يصبح علامة خطيرة على اتساع المسافة بين المواطنين والشأن العام.
ولا يعود الاغتراب مجرد علاقة مختلة بين حاكم ومحكوم، بل يتحول تدريجيا إلى حالة عامة: سلطة تتحدث بلغة غريبة عن المجتمع، ومجتمع يعيش في عالم اخر، حتى يبدو كأنهما يعيشان في البلد نفسه، لكن كلًّا منهما يعيش واقعا مختلفا عن الآخر.
من الألم إلى الوعي
لكن كسر هذا الاغتراب قد يبدأ من شيء أبسط وأعمق: أن يكتشف المواطن أن ما يؤلمه ليس وجعا فرديا، وأن ما يرفضه ليس قدرا عليه أن يتحمل وزره وحده. وحين يخرج الألم من عزلة الفرد إلى الفضاء العام، يتحول من معاناة صامتة إلى وعي مشترك، ومن مجرد شكوى إلى سؤال عن أسبابها والمسؤولية عنها.
وهنا يحضر المعنى الإنساني في فكر ألبير كامو مثلا: حين يرفض المواطن ما يمسّ كرامته، يكتشف أنه ليس وحده. فالرفض، حين يتقاطع مع رفض الآخرين، يمكن أن يتحول إلى وعي مشترك، وإلى إدراك بأن ما يبدو معاناة خاصة هو في الحقيقة الم مشترك.
هكذا يتحول الألم إلى وعي، والوعي إلى تضامن، والتضامن إلى صوت مشترك يدرك حقوقه وأهمية الدفاع عنها بوصفها حقوقا جماعية، لا امتيازات تمنحها السلطة متى شاءت.
وهذا هو المعنى السياسي لصوت المجتمع: ليس مجرد ارتفاع في مستوى الاحتجاج أو تراكم للشكاوى، بل استعادة الناس لإحساسهم بأنهم جماعة من المواطنين، وأن لهم حقّا مشتركا في التعبير والمساءلة والمشاركة، وفي تحديد شكل الحياة العامة التي يريدونها.
من الرفض إلى البناء
غير أن الاحتجاج يستطيع أن يكشف الخلل، لكنه لا يبني وحده البديل. والغضب قد يفتح الباب، لكنه لا يكفي لترتيب البيت وحمايته. لذلك لا يكتمل المعنى السياسي للرفض عند سؤال: ما الذي لا نريده؟ بل يقود، عاجلا أم آجلا، إلى السؤال الأصعب: أي مجتمع نريد أن نبني؟
وهنا تصبح مسؤولية المجتمع أكبر من مجرد التعبير عن الغضب. فالمواطنة تعني المشاركة والمساءلة والتنظيم والدفاع عن القانون، والقدرة على تحويل المطالب الفردية إلى قضايا عامة، وتحويل الاحتجاج العابر إلى فعل مدني وسياسي قادر على اقتراح البدائل.
فالمواطن الفاعل ليس متفرجا محايدا على الشأن العام، بل هو شريك في صنعه وتحديد أولوياته ومساءلة من يديرونه. وهو لا يكتفي بتلقي ما يُصنع باسمه، بل يدرك أن له دورا في تحديد اتجاهه، وأن الدفاع عن المجال العام مسؤولية لا يجوز أن يتنازل عنها.
حين يصبح المختلف إنسانا:
وهنا تكمن مفارقة لا يمكن تجاهلها: قد يرفض الإنسان الاستبداد، لكنه يقبل الزبونية، وقد يطالب بالحرية لنفسه، لكنه ينكرها على خصومه، وقد يدافع عن حقوق من يشبهه، لكنه يصمت عندما تُنتهك حقوق المختلف معه.
في هذه الحالة لا نكون قد غادرنا منطق الاستبداد تماما، بل نكون قد غيّرنا موقعنا داخله.
ومن هنا أيضا، لا يمكن اختزال أزمة المجتمع في ضعف أداء السلطة وحده. فثمة مسؤولية جماعية تبدأ حين يتجاوز المواطن البحث عن خلاصه الخاص، ويدرك أن خلاصه مرتبط بحال المجتمع الذي ينتمي اليه، وبما يسوده من حرية وعدل وكرامة. فمن الصعب أن ينعم الفرد بالحرية في مجتمع يخاف فيه الجميع، أو بالعدل في دولة لا تُحترم فيها سلطة القضاء، أو بالكرامة في اقتصاد يترك قطاعات واسعة من الناس خارج دائرة الأمان.
الدولة ليست السلطة:
لكن الاعتراف بمسؤولية المجتمع لا يعني بأي حال مساواة مسؤولية المواطن بمسؤولية السلطة، فالسلطةتمتلك أدواتالدولة والقانون والمؤسسات والموارد وأجهزة التنفيذ، ولذلك تقع عليها المسؤولية الأكبر.وهي لا تكتفي أحيانا بتجاهل معاناة الناس، بل تتعامل معها كما لو كانت مجرد أرقام يمكن حجبها أو إنكارها، وكأن المواطنين رعايا يُطلب منهم الامتثال والصبر، لا مواطنين لهم حقوق ويحق لهم أن يسألوا ويحاسبوا.
ولا يمكن أن تُبنى علاقة سليمة بين السلطة والمجتمع على هذا النحو: لا يُطلب من المواطن احترام القانون حين يرى السلطة تتصرف كأنها فوقه، ولا أن يمنحها ثقته حين لا يرى فيها استعدادا لمساءلة نفسها، ولا أن يتحلى بالصبر حين لا تعترف أصلا بحجم ما يعيشه من ضيق ومعاناة. فالثقة لا تُفرض، والصبر لا يُنتزع، واحترام القانون لا يُطلب من طرف واحد، كلها تُبنى حين يشعر المواطن أن الدولة تعاملُه باعتباره شريكا حقيقيا في المجال العام، لا مجرد متلقٍّ لقراراتها.
وبديهي ان السلطة القوية، في النهاية، ليستهي التي تستطيع إسكات المجتمع واخضاعه، بل التي تستطيع إقناعهبأدائها. والدولة القوية ليست التي يرتعب منها المواطن، بل التي يثق بها. أما القمع فقد يفرض الهدوء، لكنه لا يصنع الاستقرار، والصمت قد يخفي الأزمة، لكنه لا يحلها. ولهذا يبدو لي ان السؤال الحقيقي ليس: كيف نغيّر السلطة؟ بل الأهم: كيف نغيّر العلاقة بين السلطة والمجتمع؟
نحتاج إلى سلطة تتعلم الإصغاء قبل إصدار الأوامر، وإلى مجتمع يتعلم الكلام قبل أن يتحول غضبه إلى انفجار. نحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء يحمي الجميع، وإعلام يستطيع مساءلة السلطة، ومجتمع مدني حي ونابض، وأحزاب قادرة على تقديم البدائل، ومواطن يدرك أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل ممارسة يومية في احترام القانون والاختلاف والحقوق.
حين يصبح الصمت مألوفا:
وهنا نعود إلى مروية التوحيدي. فعبارة "بعدُ لم تأكلوا النخالة"ليست مجرد عبارة قاسية ومتعجرفة قالها رجل سلطة لأناس فقراء، بل صورة مكثفة لعلاقة سياسية كاملة: سلطة لا ترى في شكوى الناس سببا لتغيير الواقع، ومجتمع يتألم ويشتكي لكنه لا يحوّل ألمه وشكواه دائما إلى فعل عام منظم.
والمشكلة أن الصمت، حين يطول، لا يبقى مجرد امتناع عن الكلام، اذ يصبح جزءا من آلية استمرار الواقع نفسه. وحين تعتاد السلطة ألا تسمع، ويعتاد المجتمع ألا يتكلم، يصبح الانفصال متبادلا: السلطة تغترب عن المجتمع، والمجتمع ينسحب تدريجيا من مسؤوليته تجاه الشأن العام.
لذلك لا يكفي أن ننتظر سلطة أفضل، ولا أن ننتقد سلطة مقصّرة، المطلوب هو التفكير الجدي في بناء علاقة سياسية جديدة: سلطة تخضع للقانون وتحترم المواطن، ومواطن لا يتنازل عن حقه في المساءلة والمشاركة، ومؤسسات تمنع تحوّل السلطة إلى ملكية خاصة، ومجتمع يعرف أن صمته الطويل قد يكون أحيانا أخطر من التعبير عن غضبه.
وبين سلطة لا تسمع ومجتمع يفقد صوته، لا يولد الاستقرار، بل يولد الصمت، والصمت قد يخفي الخلل، لكنه لا يصلحه، وقد يؤجل لحظة الانفجار، لكنه لا يصنع سلاما حقيقيا.فحين تنقطع السلطة عن سماع الناس، وينقطع الناس عن الإيمان بقدرتهم على أن يُسمعوا، تتسع المسافة بين الدولة والمجتمع، ويكبر الخراب في صمت.