عابر في حركة المسافرين، ولا خللا إداريا يمكن تجاوزه بإضافة موظفين أو تحسين بعض التجهيزات. فعندما يجد مواطن تونسي نفسه مضطرا إلى الانتظار أكثر من سبعين ساعة لعبور الحدود، بعد أن كانت المدة في الظروف العادية لا تتجاوز ثلاث أو أربع ساعات، فإن الأمر يتحول إلى مشكلة تتجاوز المعبر نفسه، لتطرح سؤالا أوسع حول طبيعة العلاقة الاقتصادية والحدودية بين تونس وليبيا، وحول مدى قدرة الدولة التونسية على حماية مواطنيها عندما يعبرون إلى الجهة الأخرى من الحدود.
وتزداد المسألة تعقيدا عندما يتعلق الأمر بالتجار وأصحاب الأنشطة الصغرى والمتوسطة الذين جعلوا من التجارة البينية مع ليبيا موردا أساسيا. فهؤلاء لا يعبرون الحدود للسياحة أو للزيارة، وإنما يدخلون في دورة اقتصادية ترتبط بها عائلات ومهن وخدمات ونقل وأسواق كاملة في بن قردان والجنوب الشرقي. ولذلك فإن تعطيل حركة معبر رأس الجدير لا يعني فقط تعطيل مسافر أو شاحنة، وإنما تعطيل جزء من اقتصاد منطقة بأكملها، وتعريض آلاف الأنشطة المرتبطة بالتجارة الحدودية إلى خسائر لا تتوقف عند حدود اليوم الذي يغلق فيه المعبر.
إن المشكلة الأساسية هي أن الجزء الليبي من معبر رأس الجدير يوجد في فضاء أمني وسياسي شديد التعقيد. وقد سبق أن أغلق المعبر بسبب اشتباكات مسلحة، كما ارتبطت السيطرة على المعابر في غرب ليبيا، خلال مراحل مختلفة، بتوازنات القوى المحلية والجماعات المسلحة. ولذلك فإن الرهان على أن يستقر الوضع في الجانب الليبي بصورة دائمة حتى يستقر معه الاقتصاد الحدودي التونسي، هو رهان لا يمكن أن يشكل سياسة دولة طويلة المدى.
إعادة بناء اقتصاد الحدود
لقد كشفت أزمة رأس الجدير مرة أخرى هشاشة نموذج اقتصادي جعل جزءا مهما من النشاط في الجنوب الشرقي رهينة لمعبر واحد. ومن الخطأ أن يكون الرد التونسي على كل أزمة هو انتظار عودة الأوضاع إلى طبيعتها ثم استئناف الحركة كما كانت، لأن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أثبتت أن المعابر يمكن أن تصبح في أي لحظة جزءا من صراع أمني أو سياسي لا تتحكم تونس في أطرافه.
وبحسب المعطيات التي تم تداولها في 22 سبتمبر 2026، فقد تجاوز انتظار بعض المسافرين سبعين ساعة، بينما تراجعت حركة الشاحنات، وفق تصريحات رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، من مستويات كانت تتراوح بين 300 و350 شاحنة يوميا إلى نحو 150 و200 شاحنة في 24 ساعة. ومهما اختلفت تفاصيل الأرقام من يوم إلى آخر، فإن دلالتها الأساسية واضحة وهي أن الاقتصاد الحدودي لا يمكن أن يظل معلقا على قدرة معبر واحد على العمل بصورة منتظمة.
وهنا يجب أن يطرح السؤال التالي، هل تريد تونس فقط إعادة فتح معبر رأس الجدير كلما تعطل، أم أنها تريد بناء منظومة تجعل التجارة مع ليبيا قادرة على الاستمرار حتى عندما يتعطل أحد المعابر؟ فالخيار الثاني لا يعني التخلي عن عن معبر رأس جدير ولا التقليل من أهميته، وإنما يعني أن تونس لا ينبغي أن تجعل اقتصاد بن قردان والجنوب الشرقي رهينة لوضع أمني وسياسي لا تتحكم فيه وحدها. فالسيادة الاقتصادية لا تعني إغلاق الحدود، وإنما تعني امتلاك البدائل.
ومن هنا تأتي ضرورة تحويل بن قردان من مدينة تعيش على حركة المعبر إلى مركز اقتصادي يستفيد من موقعها الحدودي دون أن يكون أسيرا له. وتملك تونس في هذا المجال مشروع المنطقة الحرة للأنشطة التجارية واللوجستية ببن قردان، الممتدة على مساحة 150 هكتارا، والتي تستهدف إقامة منصة للتصدير وإعادة التصدير والتوريد وتجارة العبور، إلى جانب تجارة الجملة والتفصيل والخدمات. والمطلوب اليوم أن لا يُنظر إلى هذا المشروع باعتباره مجرد منطقة اقتصادية أخرى، بل باعتباره جزءا من استراتيجية أوسع للأمن الاقتصادي للجنوب الشرقي.
فالتاجر الذي يعتمد اليوم على الذهاب والعودة عبر رأس الجدير يمكن أن يتحول تدريجيا إلى فاعل اقتصادي داخل منظومة أكثر تنظيما تتضمن شركة تجارية، ومخزنا، ومؤسسة نقل، وشركة تصدير أو توريد، ومنصة توزيع أو مؤسسة لوجستية تتعامل مع السوق الليبية من الأراضي التونسية، بما يقلل من هشاشة النشاط المرتبط بالعبور الفردي. وهذا هو الفارق بين اقتصاد يقوم على المعبر واقتصاد يقوم على الحدود، فالأول ينتظر حركة السيارات والمسافرين، بينما يستثمر الثاني الموقع الجغرافي ويخلق القيمة داخل الأراضي التونسية ويجعل الحدود منفذا من منافذ الاقتصاد وليس مصدره الوحيد.
ويفترض ذلك أيضا تسريع العمل على المعابر الأخرى، وفي مقدمتها معبر الذهيبة، حتى لا تبقى حركة التجارة مركزة في رأس الجدير. فتنويع المعابر يمنح المؤسسات والتجار على جانبي الحدود قدرة أكبر على الاستمرار في نشاطهم عند حصول اضطراب في أحد المنافذ.
أوراق القوة التونسية
لكن تنويع المعابر وتنمية بن قردان لا ينبغي أن يكونا الحل الوحيد، فتونس تملك في علاقتها مع ليبيا أوراق قوة اقتصادية واجتماعية مهمة، وربما لم تستخدمها دائما بالقدر الذي يسمح بتحقيق توازن أفضل في العلاقة. فالعلاقة بين البلدين ليست علاقة أحادية الاتجاه، ولا تقوم على حاجة التونسيين وحدهم إلى السوق الليبية باعتبار أن ليبيا أيضا تحتاج إلى تونس، سواء في مجال الخدمات أو الصحة أو التجارة أو التزويد بالعديد من المنتوجات.
وتبرز الخدمات الصحية في مقدمة هذه المجالات باعتبار أن آلاف الليبيين يقصدون اليوم تونس للعلاج والاستشفاء والخدمات الطبية، وأصبح القطاع الصحي التونسي جزءا من شبكة المصالح التي تربط البلدين. ولا يتعلق الأمر بالمستشفيات وحدها، وإنما بسلسلة واسعة تشمل المصحات والأطباء والصيدليات والمخابر وشركات النقل والإقامة والخدمات المرتبطة بالمرضى ومرافقيهم. وهذه العلاقة الاقتصادية تمنح تونس ورقة تفاوضية مشروعة، لا بمعنى تحويل العلاج إلى وسيلة ضغط على الليبيين، وإنما بمعنى إدراك أن المصالح بين البلدين متبادلة، وأن استقرار حركة المواطنين والتجارة مصلحة مشتركة وليست مطلباً تونسيا منفردا.
والأمر نفسه ينطبق على التجارة، باعتبار أن السوق الليبية تستورد سلعا تونسية عديدة، على غرار المواد الغذائية والصناعات التحويلية والأدوية والمنتوجات الصحية ومواد البناء والمنتوجات الزراعية وغيرها. كما يعتمد عدد من المستوردين الليبيين على السوق التونسية وعلى المؤسسات التونسية في التزود بسلع وخدمات مختلفة. ولذلك فإن حرية الحركة على الحدود ليست مصلحة للتاجر التونسي وحده وإنما هي مصلحة للمستورد الليبي الذي يحتاج إلى وصول البضائع بصورة منتظمة وفي آجال معقولة.
وبالتالي فإن التفاوض التونسي لا ينبغي أن يقوم على منطق طلب الامتيازات، وإنما على أساس المصالح المتبادلة والحقوق الواضحة. فإذا كان الليبي يحتاج إلى البضائع التونسية والعلاج والخدمات التي توفرها المؤسسات التونسية، فإن من مصلحة ليبيا أيضا أن تكون حركة التجار والسلع والمسافرين عبر الحدود منظمة وآمنة وقابلة للتوقع.
وهذه المصالح المتبادلة يمكن أن تتحول إلى إطار تفاوضي أكثر وضوحا حول قواعد العبور. فالتاجر التونسي الذي يغادر الأراضي التونسية يجب أن يعرف مسبقاً الإجراءات التي سيخضع لها والوثائق المطلوبة والسلع المسموح بإدخالها والجهات المخولة قانونا بالتفتيش أو الحجز، كما ينبغي أن تتوفر آلية واضحة للتظلم عند حصول نزاع. فالمشكلة لا تكمن فقط في طول الطوابير، وإنما في غياب اليقين عندما يصبح المسافر أمام سلسلة من الإجراءات والحواجز بعد مغادرته المعبر الرسمي.
ومن حق تونس، في إطار علاقاتها الثنائية، أن تطالب بأن تكون حركة المواطنين والتجارة محكومة بإجراءات واضحة وبجهات رسمية محددة المسؤولية، وأن تتوفر للتاجر حماية قانونية وآليات للتظلم. فلا يمكن بناء تجارة حدودية مستقرة إذا ظل المتعامل الاقتصادي يجهل من يملك سلطة اتخاذ القرار في كل مرحلة من مراحل عبوره.
ولا تستطيع تونس، بطبيعة الحال، أن تعيد بناء الدولة الليبية أو أن تحل محل مؤسساتها الأمنية. لكنها تستطيع أن تجعل حماية المواطنين والتجار وتنظيم حركة السلع جزءا مركزيا من الحوار الثنائي، وأن تربط تطوير المبادلات التجارية بضرورة توفير بيئة واضحة وآمنة للمتعاملين الاقتصاديين. وفي الوقت نفسه، عليها أن تبني داخل أراضيها ما يجعلها أقل تأثرا بأي اضطراب في الجانب الآخر.
اقتصاد قادر على التفاوض
إن تحول بن قردان تدريجيا من مدينة تنتظر ما يحدث في رأس الجدير إلى منصة تونسية للتجارة مع ليبيا، بل ومع غيرها، خصوصا مع وجود إمكانيات لوجيستية تشمل الطريق السيارة وميناء جرجيس ومطار جربة جرجيس، هو المشروع الإستراتيجي الذي يجب أن تعمل عليه الدولة اليوم لحفظ كرامة مواطنيها في كامل ربوع الجنوب الشرقي. فالمنطقة الحرة المقترحة يمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو اقتصاد حدودي حقيقي، يوفر التخزين والتوزيع والنقل والتصدير وإعادة التصدير والخدمات، ويستوعب جزءا من النشاط التجاري الذي يدور اليوم خارج الأطر المنظمة.
وهذا التحول يمكن أن يكون أيضا إحدى الوسائل العملية لمعالجة التجارة الموازية. فالبديل الحقيقي عن الاقتصاد غير المنظم ليس المنع وحده، وإنما خلق اقتصاد رسمي قادر على استيعاب التجار وتحويل نشاطهم إلى شركات وخدمات وسلاسل توريد منظمة. وإذا تمكنت تونس من توفير فضاء اقتصادي يستوعب هذا النشاط ويمنحه إطارا قانونيا وتمويليا ولوجستيا واضحا، فإنها تكون قد عالجت جزءا من المشكلة من جذورها بدلا من الاكتفاء بملاحقة نتائجها.
أما على مستوى العلاقة مع ليبيا فإنه يجب التأكيد على أن استقرار المعابر ليس هدية تقدمها جهة إلى أخرى، وإنما هو مصلحة مشتركة ينبغي أن تحكمها قواعد واضحة وهذا ما يجب أن يفهمه الطرف الليبي الذي غرست له أنظمته فكرة أنه صاحب فضل على تونس دون أن تنير سبيله إلى الحقيقة وهي أن المصالح متبادلة بين البلدين، وأن علاجه ودواءه على سبيل المثال مدعومان من الدولة التونسية ومن أموال دافعي الضرائب التونسيين ولذلك يكون بأقل التكاليف مقارنة بما يمكن أن ينفقه في أماكن أخرى من العالم وعند أطباء ذوي كفاءة عالية مثل الأطباء التونسيين الذين أنفقت الدولة التونسية الغالي والنفيس ومن قوت التونسيين لتعليمهم وتكوينهم على حساب التنمية والتسلح وغيره.
وبالتالي فالمطلوب هو الانتقال من اقتصاد المعبر إلى اقتصاد الحدود، ومن علاقة تجعل التونسي ينتظر ما سيحدث عند رأس الجدير إلى علاقة تجارية تعرف فيها تونس ما الذي تحتاجه من ليبيا، وما الذي تحتاجه ليبيا منها، وما هي الأوراق الاقتصادية التي تستطيع استخدامها للدفاع عن مصالح مواطنيها. عندها فقط يصبح فتح معبر رأس الجدير جزءا من سياسة أوسع، لا السياسة كلها، ويصبح التونسي في بن قردان وغيرها شريكا اقتصاديا يعبر الحدود وفق قواعد واضحة، لا مواطنا يبحث في كل أزمة عن منفذ للخروج من أزمة لم يصنعها.