Print this page

أحداث‭ ‬سبتة‭ ‬2026‭: ‬ حين‭ ‬يصبح‭ ‬الرحيل‭ ‬أكثر‭ ‬إقناعاً‭ ‬من‭ ‬البقاء

تعيد‭ ‬أحداث‭ ‬سبتة‭ ‬يوم‭ ‬30‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬مشاهد

‭‬العبور‭ ‬الجماعي‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬المدينة‭ ‬يومي‭ ‬17‭ ‬و18‭ ‬ماي‭ ‬2021،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تكرارها‭ ‬يكشف‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬المقاربة‭ ‬الأمنية‭ ‬الضيقة‭ ‬للظاهرة،‭ ‬وقراءتها‭ ‬باعتبارها‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬تحول‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الفرد‭ ‬المعاصر‭ ‬بمجتمعه‭ ‬ومؤسساته‭ ‬وتصوراته‭ ‬عن‭ ‬المستقبل‭. ‬فالسؤال‭ ‬الأساسي‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بالحدود‭ ‬وآليات‭ ‬عبورها،‭ ‬وإنما‭ ‬بالشروط‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الرحيل،‭ ‬رغم‭ ‬مخاطره،‭ ‬يبدو‭ ‬لبعض‭ ‬الشباب‭ ‬أكثر‭ ‬إقناعاً‭ ‬من‭ ‬البقاء‭.‬ فالهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬رغم‭ ‬ارتباطها‭ ‬بعوامل‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬كالبطالة‭ ‬وانسداد‭ ‬الآفاق،‭ ‬تجاوزت‭ ‬اليوم‭ ‬التفسير‭ ‬التقليدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬ثنائية‭ ‬الطرد‭ ‬والجذب‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬ظاهرة‭ ‬مركبة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬أزمة‭ ‬الاعتراف،‭ ‬وضبابية‭ ‬المستقبل،‭ ‬والتحولات‭ ‬الرقمية،‭ ‬والتفاوتات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بحركة‭ ‬التنقل‭ ‬عبر‭ ‬المتوسط‭. ‬وتنطلق‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬أن‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬قد‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬انفصال‭ ‬رمزي‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬يسبق‭ ‬المغادرة‭ ‬الفعلية،‭ ‬يعكس‭ ‬تراجع‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬إقناع‭ ‬الفرد‭ ‬بأن‭ ‬له‭ ‬مكاناً‭ ‬وأفقاً‭ ‬داخله‭.‬ يتتبع‭ ‬المقال‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬عبر‭ ‬أربعة‭ ‬أبعاد‭ ‬مترابطة‭: ‬انتقال‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬معنى‭ ‬واعتراف،‭ ‬وتحول‭ ‬‮«‬الحرقة‮»‬‭ ‬من‭ ‬قرار‭ ‬فردي‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬ودور‭ ‬الرقمنة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬مخيال‭ ‬الهجرة،‭ ‬ثم‭ ‬دلالة‭ ‬حدود‭ ‬سبتة‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءً‭ ‬يكشف‭ ‬تفاوتات‭ ‬الحركة‭ ‬والانتماء‭ ‬وصراعات‭ ‬المتوسط‭.‬ من‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬معنى‭ ‬واعتراف فسّرت‭ ‬الأدبيات‭ ‬التقليدية‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬بثنائية‭ ‬بسيطة‭: ‬عوامل‭ ‬طرد‭ ‬كالبطالة‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة،‭ ‬وعوامل‭ ‬جذب‭ ‬كفرص‭ ‬العمل‭ ‬وتحسن‭ ‬ظروف‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الشمالية‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الثنائية،‭ ‬رغم‭ ‬وجاهتها،‭ ‬لا‭ ‬تفسّر‭ ‬وحدها‭ ‬لماذا‭ ‬يختار‭ ‬شاب‭ ‬مواجهة‭ ‬مخاطر‭ ‬البحر‭ ‬بدل‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬يراه‭ ‬بلا‭ ‬أفق‭. ‬فالأمر‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحساب‭ ‬المادي‭ ‬المباشر‭ ‬ليطال‭ ‬صورة‭ ‬الفرد‭ ‬عن‭ ‬ذاته،‭ ‬ومدى‭ ‬ثقته‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬بناء‭ ‬حياة‭ ‬مستقرة‭ ‬داخل‭ ‬وطنه‭.‬ هنا‭ ‬تساعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬مراجع‭ ‬نظرية‭ ‬على‭ ‬إضاءة‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬إذ‭ ‬يسلط‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬مختلف‭ ‬من‭ ‬الظاهرة‭. ‬يوضح‭ ‬الباحث‭ ‬الجزائري‭ ‬عبد‭ ‬المالك‭ ‬صياد‭ ‬أن‭ ‬المهاجر‭ ‬لا‭ ‬يغادر‭ ‬مكاناً‭ ‬جغرافياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬علاقته‭ ‬بوطنه‭ ‬وبصورته‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬فالهجرة‭ ‬عنده‭ ‬لحظة‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬للذات‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬انتقال‭. ‬ويبيّن‭ ‬أكسل‭ ‬هونيث‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاعتراف،‭ ‬أن‭ ‬الأفراد‭ ‬لا‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬أوضاعهم‭ ‬المادية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬يبحثون‭ ‬أيضاً‭ ‬عن‭ ‬الاعتراف‭ ‬الذي‭ ‬يمنحهم‭ ‬الإحساس‭ ‬بالقيمة‭ ‬والكرامة‭ - ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مكانة‭ ‬الفرد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬عاملاً‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الرحيل‭. ‬أما‭ ‬زيغمونت‭ ‬باومان،‭ ‬صاحب‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الحداثة‭ ‬السائلة‮»‬،‭ ‬فيضيف‭ ‬بعداً‭ ‬ثالثاً‭: ‬هشاشة‭ ‬المستقبل‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعاصرة‭ ‬فحين‭ ‬تتراجع‭ ‬ثقة‭ ‬الأفراد‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬مسارات‭ ‬واضحة‭ ‬للحياة،‭ ‬يتآكل‭ ‬إحساسهم‭ ‬بإمكان‭ ‬بناء‭ ‬حياة‭ ‬مستقرة،‭ ‬ويصبح‭ ‬الرحيل‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للفهم‭ ‬لا‭ ‬كاستجابة‭ ‬اقتصادية‭ ‬فردية،‭ ‬وإنما‭ ‬كتعبير‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬أعمق‭ ‬تمس‭ ‬علاقة‭ ‬الشباب‭ ‬بمجتمعهم‭.‬ وتتضح‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬أكثر‭ ‬حين‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬العوالم‭ ‬الثلاثة‭ ‬التي‭ ‬تُنتج‭ ‬لدى‭ ‬الشباب‭ ‬اليوم‭ ‬المعنى‭ ‬والاعتراف،‭ ‬وتعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬مرجعيات‭ ‬انتمائهم‭: ‬الموروث‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬تصورات‭ ‬الانتماء‭ ‬التقليدية،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحديثة‭ ‬كالمدرسة‭ ‬والجامعة‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬دائماً‭ ‬تضمن‭ ‬أن‭ ‬الجهد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬واضح،‭ ‬والفضاءات‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تقترح‭ ‬نماذج‭ ‬جديدة‭ ‬للنجاح‭ ‬والحياة‭ ‬الممكنة‭. ‬وحين‭ ‬تتراجع‭ ‬ثقة‭ ‬الشباب‭ ‬بالعالمين‭ ‬الأولين،‭ ‬يصبح‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬الرقمي‭ ‬المرجع‭ ‬الأكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬تصوراتهم‭ ‬عن‭ ‬المستقبل،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الرحيل‭ ‬يبدو،‭ ‬لدى‭ ‬بعضهم،‭ ‬أكثر‭ ‬إقناعاً‭ ‬من‭ ‬البقاء‭.‬ ‮«‬الحرقة‮»‬‭: ‬من‭ ‬القرار‭ ‬الفردي‭ ‬إلى‭ ‬الظاهرة‭ ‬الاجتماعية يمثل‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الحرقة‮»‬‭ ‬مدخلاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لفهم‭ ‬خصوصية‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬المغاربي‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬قرار‭ ‬فردي‭ ‬متهور‭ ‬أو‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬مكسب‭ ‬اقتصادي‭ ‬سريع،‭ ‬وإنما‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬مركبة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الإحساس‭ ‬بانسداد‭ ‬الأفق،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬الاعتراف‭ ‬والقيمة‭ ‬الذاتية،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬جديدة‭ ‬للحياة‭. ‬ ويكشف‭ ‬اتساع‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬تشملها‭ ‬الظاهرة‭ ‬اليوم‭ - ‬من‭ ‬قاصرين‭ ‬وطلبة‭ ‬وعاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬أسر‭ ‬وشرائح‭ ‬متعلمة‭ ‬ومن‭ ‬الذكور‭ ‬والإناث‭ - ‬أن‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬تجاوزت‭ ‬ارتباطها‭ ‬بالفقر‭ ‬وحده،‭ ‬لتعبّر‭ ‬عن‭ ‬تحولات‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬فئات‭ ‬مختلفة‭ ‬بالمستقبل‭ ‬والانتماء‭ ‬والاعتراف‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يختار‭ ‬‮«‬الحرقة‮»‬‭ ‬يتخذ‭ ‬قراراً‭ ‬واعياً‭ ‬بالاحتجاج‭ ‬أو‭ ‬رفض‭ ‬المجتمع‭ ‬فالقرار‭ ‬الفردي‭ ‬يتشكل‭ ‬داخل‭ ‬شروط‭ ‬اجتماعية‭ ‬مشتركة‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬فهم‭ ‬الأفراد‭ ‬لواقعهم‭ ‬وما‭ ‬ينتظرهم‭. ‬وما‭ ‬يبدو‭ ‬اختياراً‭ ‬شخصياً‭ ‬محضاً‭ ‬قد‭ ‬يكون،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعل‭ ‬بين‭ ‬تجارب‭ ‬فردية‭ ‬وشعور‭ ‬جماعي‭ ‬بأن‭ ‬مسارات‭ ‬الانتظار‭ ‬وتحقيق‭ ‬الذات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تمنح‭ ‬الثقة‭ ‬بإمكان‭ ‬بناء‭ ‬غد‭ ‬ذي‭ ‬معنى‭.‬ هنا‭ ‬يساعد‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬الخروج‭ ‬–‭ ‬الصوت‭ ‬–‭ ‬الولاء‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬اقترحه‭ ‬ألبرت‭ ‬هيرشمان‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬آلية‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭: ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬مغادرته‭. ‬فعندما‭ ‬تتراجع‭ ‬قناعة‭ ‬الأفراد‭ ‬بجدوى‭ ‬قنوات‭ ‬التعبير‭ ‬والتغيير‭ ‬المتاحة،‭ ‬ولا‭ ‬يعود‭ ‬الولاء‭ ‬وحده‭ ‬كافياً‭ ‬لتبرير‭ ‬الانتظار،‭ ‬يصبح‭ ‬‮«‬الخروج‮»‬‭ ‬خياراً‭ ‬يبحث‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الفرد‭ ‬عن‭ ‬أفق‭ ‬بديل‭. ‬وهكذا‭ ‬تنتقل‭ ‬‮«‬الحرقة‮»‬‭ ‬من‭ ‬قرار‭ ‬فردي‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬قابلة‭ ‬للانتشار،‭ ‬لأن‭ ‬الأفراد‭ ‬لا‭ ‬يتحركون‭ ‬فقط‭ ‬بفعل‭ ‬ظروفهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬داخل‭ ‬مناخ‭ ‬جماعي‭ ‬يعيد‭ ‬تعريف‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬ممكناً‭ ‬وما‭ ‬يبدو‭ ‬مستحيلاً‭.‬ من‭ ‬شبكات‭ ‬الهجرة‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬التعبئة‭ ‬الرقمية‭ ‬للعبور لم‭ ‬تعد‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بدوافع‭ ‬الرحيل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تغيرت‭ ‬أيضاً‭ ‬آليات‭ ‬انتشارها‭ ‬وتنظيمها‭. ‬ويساعد‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬مجتمع‭ ‬الشبكات‮»‬‭ ‬عند‭ ‬مانويل‭ ‬كاستلز‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إذ‭ ‬انتقلت‭ ‬الهجرة‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬شبكات‭ ‬تقليدية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الروابط‭ ‬العائلية‭ ‬والوسطاء‭ ‬المحليين‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬رقمية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬تتيح‭ ‬تداول‭ ‬المعلومات‭ ‬والصور‭ ‬والتجارب‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحياة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬ ولا‭ ‬تخلق‭ ‬الشبكات‭ ‬الرقمية‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الهجرة،‭ ‬لكنها‭ ‬تضاعف‭ ‬أثر‭ ‬العوامل‭ ‬القائمة‭ ‬أصلا‭: ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬المخيال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬حول‭ ‬النجاح‭ ‬والفرص،‭ ‬وتحوّل‭ ‬التجارب‭ ‬الفردية‭ ‬المتفرقة‭ ‬إلى‭ ‬إمكانات‭ ‬جماعية‭ ‬قابلة‭ ‬للمحاكاة‭ ‬والتنسيق،‭ ‬فتقلص‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬فكرة‭ ‬الرحيل‭ ‬وإمكان‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭. ‬وتبرز‭ ‬أحداث‭ ‬سبتة‭ ‬في‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بوضوح‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الانتقال‭ ‬نحو‭ ‬الحدود‭ ‬يتم‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬الهجرة‭ ‬التقليدية،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬فضاءً‭ ‬لتداول‭ ‬الدعوات‭ ‬والمعلومات‭ ‬وصياغة‭ ‬توقعات‭ ‬جماعية‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬العبور‭. ‬وحتى‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬هذه‭ ‬التعبئة‭ ‬إلى‭ ‬عبور‭ ‬فعلي،‭ ‬فإنها‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬فردية‭ ‬متفرقة،‭ ‬وإنما‭ ‬باتت‭ ‬قابلة‭ ‬للانتشار‭ ‬السريع‭ ‬داخل‭ ‬فضاءات‭ ‬رقمية‭ ‬تُعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الإحساس‭ ‬الجماعي‭ ‬بإمكان‭ ‬الرحيل‭.‬ ‭ ‬سبتة‭: ‬حين‭ ‬تكشف‭ ‬الحدود‭ ‬التفاوت‭ ‬والصراع تكشف‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬أحداث‭ ‬ماي‭ ‬2021‭ ‬وأحداث‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬تحولاً‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الظاهرة‭: ‬ففي‭ ‬الأولى‭ ‬دخل‭ ‬نحو‭ ‬تسعة‭ ‬آلاف‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬سبتة‭ ‬خلال‭ ‬يومين،‭ ‬بينهم‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬القاصرين،‭ ‬بينما‭ ‬أبرزت‭ ‬الثانية‭ ‬الدور‭ ‬المتنامي‭ ‬للمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬الحشد،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬العبور‭ ‬الفعلي‭ ‬رهين‭ ‬التدخلات‭ ‬الأمنية‭. ‬وتكشف‭ ‬المحطتان‭ ‬أن‭ ‬الحدود‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬خط‭ ‬جغرافي،‭ ‬وإنما‭ ‬فضاءً‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والرقمية‭ ‬والتوترات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭.‬ ويبين‭ ‬إتيان‭ ‬باليبار‭ ‬أن‭ ‬الحدود‭ ‬لا‭ ‬تُفهم‭ ‬فقط‭ ‬باعتبارها‭ ‬حواجز‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءات‭ ‬سياسية‭ ‬تُنتج‭ ‬أشكالاً‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الإدماج‭ ‬والاستبعاد،‭ ‬فتمنح‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬وتحول‭ ‬دونها‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬آخرين‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬تجسد‭ ‬سبتة‭ ‬ومليلية‭ ‬مفارقة‭ ‬حدود‭ ‬أوروبية‭ ‬قائمة‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية،‭ ‬حيث‭ ‬يتجاور‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬مع‭ ‬تفاوت‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬فرص‭ ‬الحركة‭ ‬والاستقرار‭ ‬والعيش‭.‬ ولا‭ ‬تسمح‭ ‬خصوصية‭ ‬سبتة‭ ‬بإسقاطها‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬التونسية،‭ ‬لكنها‭ ‬تطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬مشتركة‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬إدارة‭ ‬الحدود‭ ‬المتوسطية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اتساع‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الضفتين‭ ‬الشمالية‭ ‬والجنوبية‭.‬ فالهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬الأمني،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬مكوّناً‭ ‬متزايد‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬المعادلات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬سياسات‭ ‬الدول‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وتوازنات‭ ‬الفضاء‭ ‬المتوسطي،‭ ‬وقد‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬اللحظات‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬في‭ ‬التفاعلات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬التفاوتات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتحولات‭ ‬الديمغرافية‭ ‬والتغيرات‭ ‬المناخية‭. ‬ويضيف‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬بعداً‭ ‬جديداً‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تسريع‭ ‬انتقال‭ ‬الإحباطات‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬تحركات‭ ‬جماعية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭.‬ خاتمة‭: ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬الحدود‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬المستقبل تكشف‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬مسألة‭ ‬العبور‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬للحدود،‭ ‬لتلامس‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬إقناع‭ ‬أبنائه‭ ‬بأن‭ ‬الغد‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬قابلاً‭ ‬للبناء‭ ‬داخله‭. ‬وتُبرز‭ ‬أحداث‭ ‬سبتة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬عند‭ ‬الحدود،‭ ‬فهي‭ ‬تبدأ‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تتراجع‭ ‬فيه‭ ‬علاقة‭ ‬الفرد‭ ‬بمجتمعه،‭ ‬ويضعف‭ ‬إحساسه‭ ‬بإمكان‭ ‬بناء‭ ‬حياة‭ ‬ذات‭ ‬معنى‭ ‬داخل‭ ‬وطنه‭. ‬عندها‭ ‬يتحول‭ ‬الرحيل،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الشباب،‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬لاستعادة‭ ‬الفاعلية‭ ‬والأمل،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الطريق‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭.‬ فالهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬لا‭ ‬تختبر‭ ‬نجاعة‭ ‬السياسات‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬الحدود‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تختبر‭ -‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأهم‭- ‬قدرة‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المشترك،‭ ‬وعلى‭ ‬توفير‭ ‬شروط‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬الشباب‭ ‬بأن‭ ‬الانتماء‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ارتباط‭ ‬بالمكان،‭ ‬فهو‭ ‬إمكانية‭ ‬فعلية‭ ‬لبناء‭ ‬مسار‭ ‬حياة‭ ‬ذي‭ ‬معنى‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مسألة‭ ‬إدارة‭ ‬حدود‭ ‬أكثر‭ ‬نجاعة‭ ‬وحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬سيتطلب‭ ‬سياسات‭ ‬عمومية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإحساس‭ ‬بإمكان‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬ذي‭ ‬معنى‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭.‬ بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي

المشاركة في هذا المقال