المعارف والمعلومات بوتيرة غير مسبوقة، تتراجع في المقابل القدرة على الفهم والتركيب وإدراك المعنى، ذلك أن جزءا مهما من النظم التعليمية (خاصة في بلدان العالم الثالث)لازال يحاكي نموذجا ورثته المدرسة الحديثة منذ القرن التاسع عشر، نموذج يقوم على تقسيم المعرفة إلى تخصصات منفصلة، وعلى نقل المعلومات من المعلّم إلى المتعلّم، وعلى قياس نجاح المتعلّم بمدى قدرته على الحفظ والتلقي والاسترجاع أكثر من قدرته على التفكير والتحليل والربط.
وقد يكون هذا النموذج حقق قدرا من النجاح والفاعلية في سياق تاريخي كانت فيه المعرفة أكثر استقرارا وأقل تراكما وتعقيدا، غير أنه أصبح اليوم أقل قدرة على مواكبة عالم تتداخل فيه الوقائع والأزمات البيئية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والثقافية بشكل غير مسبوق، فالمتعلم الذي يدرس الاقتصاد بمعزل عن السياسة، والبيئة بمعزل عن التنمية، والتاريخ بمعزل عن الاجتماع والفلسفة بمعزل عن الحياة ، في إطار تقسيم معرفي صارم بين التخصصات، يجد صعوبة كبيرة عند مواجهة الواقع أمام مشكلات مركبة لا تعترف بهذه الحدود المصطنعة بين الحقول المعرفية، بل تفترض فهما ترابطيا يرى الظواهر في تفاعلها وتشابكها بدل عزلها وتبسيطها.
معلومات دون تفكير:
من هنا ينطلق إدغار موران في نقده الجذري للمنظومة التعليمية: ففي كتابه "العقل المحكم" (La Tête bien faite)، ينتقد الفيلسوف وعالم الاجتماع، ما يسميه "تراكم المعارف دون تنظيمها"، ويرى أن المدرسة نجحت في إنتاج عقول ممتلئة بالمعلومات لكنها عاجزة عن ربطها وفهم علاقاتها المتبادلة،أما في كتابه: "المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل"( (Les Sept Savoirs nécessaires à l’éducation du futurالذي أعدّه بطلب من اليونسكو، فيذهب إدغار موران إلى أبعد من ذلك حين يؤكد أن المهمة الأساسية للتعليم في القرن الحادي والعشرين لا تتمثل في مجرد نقل المعارف، بل في تمكين المتعلم من بناء مسافة نقدية تجاهها، أي أن يتعلم كيف يفهم المعرفة ذاتها، وكيف يفكك آليات إنتاجها، ويكشف حدودها وأوهامها ومجالات قصورها... فالمعرفة ليست معطى نهائيا أو حقيقة سرمدية، بل بناء انساني قابل للخطأ والاستدراك والمراجعة،ومن هنا، لا تكمن المشكلة في نقص المعلومات بقدر ما تكمن في العجز عن تنظيمها داخل رؤية شاملة ومركّبة، تتيح فهم الواقع بهدوء وتأنّ، لا عبر الانبهار المباشر به أو الاستسلام لسطحيته، بل عبر مساءلته تفكيكا وإعادة تركيبه على نحوٍ فكري يسمح بإدراك أبعاده الخفية وتشابكاته المعقدة.
عقبة التخصص:
يرتكز مشروع موران التربوي على مفهوم محوري هو "الفكر المركب"، أي القدرة على الربط بين ما يبدو متفرقا، وفهم الظواهر من خلال تفاعلاتها المتبادلة بدل اختزالها في سبب واحد أو تفسير أحادي. فالعالم، في نظره، ليس مجموعة من العناصر المنفصلة، بل شبكة من العلاقات المتشابكة، وأي تعليم يفشل في إدراك هذه الحقيقة ينتهي إلى إنتاج معرفة مبتورة واحيانا مشوّهة، لذلك يدعو إلى تجاوز منطق التخصصات المغلقة دون إلغائها، وإلى بناء ثقافة قادرة على وصل المعارف العلمية والإنسانية والاجتماعية في إطار فهم أوسع للإنسان والعالم.
كما يرفض موران التصور التقليدي للتعليم باعتباره إنتاجا لليقينيات، فالعالم الحديث، كما يوضّح، تحكمه درجة عالية من التعقيد واللايقين، ولذلك ينبغي أن يتعلم الطالب، ليس فقط ما نعرفه، بل أيضا كيف نتعامل مع ما لا نعرفه، ولهذا يضع ضمن "المعارف السبعة" ضرورة تعليم مواجهة اللايقين، لأن التربية التي تَعِد بإجابات نهائية وثابتة تهيئ الأفراد لعالم لم يعد موجودا، فالتربية الحقيقية هي التي تنمي القدرة على التساؤل والنقد والتكيف مع المستجدات.
ولا تتوقف رؤية موران عند الجانب المعرفي، بل تمتد إلى البعد الإنساني والأخلاقي: فهو يرى أن التعليم ينبغي أن يساعد الإنسان على فهم الشرط الإنساني في تعدده وتعقيده، وأن يعزز الشعور بالانتماء إلى مصير إنساني مشترك على كوكب واحد، لذلك فإن التربية ليست مجرد إعداد لسوق العمل أو تزويد الفرد بكفاءات تقنية، بل هي أيضا تكوين لمواطن قادر على فهم ذاته والآخرين حوله والعالم الذي يعيش فيه.
نقد التلقين:
وفي هذا المعنى، يمكن القول إن نقد موران للتعليم التلقيني يتجاوز الاعتراض البيداغوجي البسيط على الحفظ والاستظهار، ليصبح نقدا لنمط كامل من التفكير يقوم على التجزئة والتبسيط واليقين المغلق، اذ ان التحدي الحقيقي، في نظره، ليس أن نعلّم أكثر، بل أن نعلّم بطريقة مختلفة، أي أن ننتقل من تعليم يراكم المعارف إلى تعليم ينظمها، ومن مدرسة تملأ العقول بالمعطيات والمعلومات إلى مدرسة تكوّن عقولا قادرة على الفهم والربط والنقد والتعامل الخلاق مع تعقيد العالم. وربما هذا ما يجعل مشروعه التربوي، رغم مرور أكثر من عقدين على صياغته، من أكثر المشاريع الفكرية راهنية في مواجهة أزمات التعليم المعاصر... لكن من يقرأ؟
نحن ومفاهيم ادغار موران؟
إذا كانت أفكار إدغار موران قد وُلدت في سياق نقد المنظومات التعليمية الحديثة عموما، فإنها تبدو ذات راهنية قصوى خاصة عند النظر إلى وضع التعليم في تونس، فرغم المكاسب التاريخية التي حققتها المدرسة التونسية في تعميم التعليم ونشر المعرفة، فإنها تواجه منذ عقود أزمة عميقة لا تختزل في ضعف الإمكانيات أو اهتراء البنية التحتية أو كثرة البرامج فحسب، بل تتعلق أيضا بطبيعة النموذج التربوي نفسه: فما يزال جزء مهم من العملية التعليمية قائما على الحفظ والاستظهار والبحث عن "الإجابة الصحيحة" التي ينتظرها الامتحان، أكثر من قيامه على تنمية القدرة على التفكير النقدي والتحليل والتركيب، ويتجلى ذلك في هيمنة ثقافة الامتحان والأعداد والشهادات والتميّز، حيث يتحول التعلم في كثير من الأحيان إلى حلبة مصارعة بين التلاميذ وسباق لاكتساب النقاط بدل أن يكون مسارا لبناء الفهم، والنتيجة هي مفارقة لافتة: ارتفاع نسبي في عدد المتعلمين وحاملي الشهادات، مقابل صعوبات متزايدة في الإبداع وحل المشكلات والتأقلم مع التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع والسياسة والاقتصاد.
ولعلّ أخطر ما تكشفه أزمة التعليم في تونس هو أنها ليست أزمة قطاع معزول، بل أزمة تمسّ نمط إنتاج المعرفة وتكوين المواطن ذاته، فحين تتراجع القدرة على التفكير النقدي، وعلى فهم التعقيد، وعلى الحوار بين الاختصاصات، يصبح من الصعب تكوين أجيال قادرة على التعامل مع التحديات الكبرى التي تواجه البلاد، من التنمية والبطالة إلى التحول الرقمي والانتقال البيئي... ومن هنا تكتسب دعوة موران إلى "إصلاح الفكر قبل إصلاح المؤسسة"أهمية خاصة، لأن إصلاح التعليم لا يقتصر على تغيير البرامج أو تحسين التجهيزات، بل يقتضي إعادة النظر في الفلسفة التربوية نفسها: الانتقال من تعليم يقوم على التلقين واليقينيات إلى تعليم يقوم على الفهم والمساءلة، ومن معرفة مجزأة إلى معرفة مترابطة، ومن إنتاج حافظي الدروس إلى تكوين مواطنين قادرين على التفكير في واقعهم المعقد والمريض ومن ثمّة المساهمة في تغييره.